نبدأ من حيث انتهينا في الجزء السابق..
........
لما وصلت الرسالة إلى ملك خيتّا، شكَّ في الأمر، وخشي أن تكون خدعةً كَسَابقتِها التي راح ضحيَّتها ابن من أبنائه، فجمع أهل بلاطه يشاورهم في الأمر؛ فحلمُ الحصول على العرش لا يزال يراوده. استقرَّ الرأي على أن يُرسل أحدَ رجاله هذه المرة أولًا في الخفاء لتقصِّي الأمر، ويعرف حقيقة الرسالة وأنَّها ليست خدعة.
بعد شهرٍ أو أكثر، وجدت أرملة الملك أنَّ ملك خيتّا قد أرسل لها مندوبًا يتقصَّى الحقيقة لا زوجًا، فأصابها الإحباط والحزن، ومع ذلك أكَّدت له نيَّتها، على الرغم من أنَّه لم يَبقَ إلَّا القليل على انتهاء مراسم الدفن، ولا بد أن يعتلي أحدٌ عرش البلاد، وكان هذا الأحد هو الكاهن «أي» بالطبع.
عاد المرسل ليخبر ملك خيتّا بحقيقة الرسالة، فعمد على الفور إلى تجهيز أحد أبنائه لإرساله إلى مصر، لكنَّ الوقت كان قد تأخَّر، وعلم «أي» -بسبب عيونه على الملكة- المؤامرةَ، فأرسل بعض جنوده ليقتلوا ابن ملك خيتّا في الطريق، وقد تمَّ له ذلك؛ وهكذا استطاع الكاهن «أي» أن يعتلي العرش دون منازع، وبهذا الأسرة الملكية الكبيرة مُلكَها بنهاية حكم توت عنخ آمون، وترك بقية أفرادها من النساء والأقارب قصر الملك، وانتقلوا إلى أحد البيوت، وأُسدِل الستار على واحدة من الأسر الملكية العظيمة الحاكمة، وطواها النسيان حين بدأ «أي» الكاهن الأعظم حكم البلاد، ومعه قائد الجيش المحارب العظيم حور محب، الذي قَنِع مؤقتًا بما لديه من حَظوةٍ وصلاحياتٍ في المملكة، وقبل أن يكون «أي» ملكًا للبلاد.
أمَّا الملك المسكين توت عنخ آمون، فكانت مراسم دفنه لا تليق بملكٍ من ملوك مصر؛ إذ لم يكن قد بنى مقبرةً ملكيةً لنفسه، ولأنه كان لا يزال في ريعان الشباب، وليس في عجلةٍ من أمره ليبني مقبرةً تليق به.
أمَّا الكاهن «أي»، فكان رجلًا طاعنًا في السن، جهَّز مقبرة متواضعة، كونُه موظفًا في البلاط من عامة الشعب؛ كانت تتكون من حجرتين صغيرتين على أطراف وادي الملوك، قريبة من مقابر الملوك العظماء السابقين، لكنها لا تليق بدفن ملك، فأمر بدفن توت عنخ آمون فيها، بل إنه أتمَّ عملية الدفن بسرعةٍ ليتخلَّص من شبح العائلة الملكية، ويؤكد اعتلاءه العرش؛ فأُلْقِي تابوت الملك توت عنخ آمون -الذي يحتوي مومياءه وجميع أثاثه الجنائزي والحليّ والجواهر- داخل المقبرة دون ترتيب.
هكذا اعتلى الكاهن «أي» العرش، ورفع زوجتَه تويا معه لتكون ملكة لمصر، وراح يعمل على استتباب الأمور وإعادتها إلى طبيعتها قبل أن يفيق الشعب ورجال القصر من صدمتهم واندهـاشهم ممَّا حدث من قلب موازين الحكم.
بدأ بإعادة جميع معابد الآلهة في الأقاليم التي أصابها الخراب والدمار في عهد أخناتون. هجر مدينة «آخت آتون» (تلّ العمارنة) إلى الأبد، واستقرَّ في طيبة، وتَبِعه كبار رجال الدولة والموظفون والصنَّاع، فأصبحت مدينة أخناتون أثرًا بعد عين.
عادت الحياة والبلاط والاحتفالات إلى العاصمة طيبة، والنفوذ والسلطان لكهنة آمون مرة أُخرى.
سريعًا ما أفاق المصريّون من الصدمة، وفرحوا بعودة معابدهم القديمة في المدن والقرى، وراحوا يمارسون شعائرهم، ويتقرَّبون إلى آلهة الأقاليم الذين اعتادوا عبادتهم منذ قديم الزمان.
اختفى مذهب أخناتون الذي يدعو إلى التوحيد، وإنْ ترك أثرًا في نفوس البعض من ناحية التوجه إلى إله واحد وإفراده بالعبادة.
حاول «أي» جاهدًا أن ينظِّم أمور البلاد، ويحكم سيطرته بعد الاضطرابات التي سبَّبها أخناتون، الذي لم يكن يهتم كثيرًا بشؤون البلاد الداخلية، بسبب اهتمامه بمذهبه الديني؛ إذ كان أقرب إلى الدراويش منه إلى الحاكم الحازم القوي.
لكنَّ «أي» على الرغْم من تخطيطه ونفوذه السياسي ودهائه، كان يفتقد إلى شيءٍ مهم؛ هو الأصل الملكي والخلفية العريقة، فلم يكن يتمتع بهيبة ملوك مصر العظام، فاضطر إلى تعويض هذا النقص باستمالة كبار رجال الدولة والقادة، بإغداقهم بالعطايا والمال حتى يضمن ولاءهم، ووقوفهم إلى جانبه لتعزيز مُلكه.
كان أهمَّ هؤلاء القادة بالطبع قائد الجيوش العظيم حور محب الذي ساعده في اعتلاء عرش مصر: حور محب الجندي من عامة الشعب الذي تدرَّج في سلاح الفرسان حتى وصل إلى أعلى مكانة، وهي قائد الجيوش الذي يحمل أيضًا لقب «ربعت»، أي «فم الناس» بلغة العصر (النائب العام).
لم يلبث «أي» في الحكم أكثر من خمسِ سنوات، بعدها أزاحه حور محب عن الحكم، وسقاه من نفس الكأس -كما فعل «أي» مع الملك توت عنخ آمون- واعتلى عرش مصر ليُصبح ثاني الملوك من عامة الشعب، ليس من الدم الملكي ولا من أسر الملوك الفراعنة؛ كان حور محب الجندي المحارب خير مثال على وصول الموهوبين والمجتهدين من بسطاء الشعب إلى أعلى المناصب في ظل حكم الملوك الفراعنة.
بتولِّي حور محب، تنفَّست البلاد الصعداء؛ فالرجل المحارب القوي تبنَّى مشروع أخناتون السياسي في إقامة العدالة، والضرب بيد من حديد على فساد الموظفين. أصدر قوانين لمراقبة المفسدين، ومنح حقوق العمال من طبقة الشعب، ثم عمل على إعادة توزيع الثروة، وعدم استئثار طبقة الموظفين والكهنة بالأراضي والثروات. ثم تفرغ بعد ذلك لإعداد الجيش، وإعادة الانضباط إلى صفوف الجنود، لتستعيد مصر مكانتها وهيبتها بين جيرانها، ويخضع لها الجميع مرة أُخرى؛ وبهذا أُغلقت صفحة الأسرة الملكية الفرعونية الثامنة عشرة، التي كانت مليئة بالتقلبات والفوضى والمؤامرات والغنى والترف وعجائب القدر. تمَّت.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.