رواية «ريالات المشجبي» للكاتبة والأديبة اليمنية حورية عبد السلام الإرياني، التي صدرت مؤخرًا في مصر وشاركت في معرض القاهرة الدولي للكتاب، هي رواية «بحث عن كنز مفقود». إذ يقودنا «كريم الرحيمي» السارد-البطل، وقد «قرَّر أن يُمسك القلم ويكتب قصَّة الدار الكبيرة»، في رحلة ترميم لبقايا ذاكرته التي «صنعتها أمُّه، فلكلِّ أمٍّ شفرة حديث يرثها أبناؤها»، كما يقول.
فيُسافر بنا عبر الزمان والمكان والأجيال، ويستعيد من خلال سرد مشوق وحوارات عميقة ووصف أخّاذ سيرة «آل الرحيمي» و«آل المشجبي»، فيقول: «تفقَّدتُ كل الأدوار، أحاولُ جمع أخيلة من سكنوه أو أُسقِطُ ما سمعته من أمِّي على الأمكنة التي حوتهم، فتخيَّلتهم أمامي يتحرَّكون ويتحدَّثون حتى ظننت أني أجالس عفاريت الدَّار...».
وبالتوازي مع ذلك، تقودنا الكاتبة حورية عبد السلام الإرياني وهي تقفو أثر «كريم الرحيمي» وسلالته التي تمتد إلى ثلاثة أجيال، في رحلة عبر عوالم روائية آسرة هي أقرب إلى الواقعية السحرية.
نبذة عن الكاتبة
حورية الإرياني كاتبة وناقدة يمنية، تخرجت في كلية الطب والعلوم الطبية بصنعاء تخصص مختبرات، نُشرت لها رواية ومجموعة قصصية للأطفال، بالإضافة إلى رواية «خضرا»، وروايتها الأخيرة «ريالات المشجبي».

استحضار أسطورة الخيميائي: أين يكمن الكنز؟
رحلة البطل-السارد كريم الرحيمي إلى قريته شبيهة برحلة الراعي في رواية «الخيميائي» العالمية لباولو كويلهو؛ فلكل منهما «أسطورته الشخصية»، وكلاهما خرج في رحلة بحث عن كنز مفقود. إذ سافر الراعي سفرًا طويلًا وشاقًّا ليكتشف في النهاية أنَّ «كنزه» مدفون في قلبه.
كذلك يكتشف كريم الرحيمي أن كنزه ليس في ريالات المشجبي جده لأمه، ولكن في جده لأبيه سعيد محمد الرحيمي التي أسمتها الرواية «الدار الكبيرة».
صراع الأجيال واستعادة الوطن المسلوب
تقوده قدماه إلى أرض «الدوسة»، وهي أرض الأجداد التي فرَّطوا فيها بسبب الظلم والغبن وقسوة الحياة، أو بسبب مطاردة الأوهام. وفي رحلته يمر بقبر جده ويسائله ويأسف على تضييع الأرض، وينبش القبور بحثًا عن ريالات المشجبي المدفونة والمزعومة.
ولكن لا تصمد أمام ناظريه غير تلك «الدار الكبيرة»، فهي الحقيقة الوحيدة في ذلك المكان القصي، وهي التي احتضنت سلالته ومرت بها أجيال من عائلته. تلك الدار التي تعادل الوطن في رمزيتها، ولا ينبغي عليه أن يضيعها كما فعل أجداده وآباؤه. لذلك يقرِّر أن يحتفظ بها، وأن يحييها ويرمِّمها ويعيد تجميع السلالة فيها.
يستعيد كريم الرحيمي علاقته بالأشياء في تلك القرية، فيستأنس بالحشائش والغيوم والشمس الحارقة والشجيرات والتضاريس، ويصاحب الهدهد في نبشه للأرض وفي خربشاته على أديمها. إنها فعلًا رحلة استعادة لوطن مسلوب ضيَّعته الصراعات السياسية والأطماع الشخصية والأوهام. وبين هذا وذاك تنفتح الرواية على تاريخ حافل مرت به اليمن في عصرها الحديث، شهدت فيه تقلبات نجحت الكاتبة حورية الإرياني في تكثيفها في مخيِّلةٍ بكلها وساردها كريم الرحيمي، وهو يستعيد ذكريات الماضي ويرمِّم ذاكرته كما يرمِّم بيت الأجداد.
شخصيات الرواية بين الجنون والمعاناة
تتزاحم شخصيات كثيرة في متن الرواية، ولكننا نظل محكومين دائمًا بوجهة نظر كريم إليها. وهي شخصيات تنتمي إلى فرعين من عائلته الموسعة: فرع الرحيمي من جهة الأب، وفرع المشجبي من جهة الأم. ويمكن التوقف عند فئتين من هذه الشخصيات: مجانين العائلة ونساؤها.

أمَّا المجانين، فعلى رأسهم «المشجبي» الذي عرَّفته الرواية في ص 44 بالقول: «هو ذلك الذي باع أرض والده. ومن مال الأرض سافر وترك زوجته وأولاده الصغار دون مال أو راعٍ... ليغيب سنين طويلة، وحين عاد كان قد فقد نصف عقله». وعاش على وهم الريالات المخبوءة في مكانٍ ما، وهو الوهم الذي كاد كريم الرحيمي نفسه أن يبتلعه حين نبش القبور وتوهم للحظات أنه عثر على كنز جده المشجبي.
ذلك أن الجنون متوارث في هذه السلالة؛ إذ أصيب والد كريم بالجنون أيضًا بعد أن خسر دكانه وتجارته. ولعله لهذا السبب قرَّر كريم أن يحمي نفسه بالكتابة ويعوذها بتدوين الحكاية، إذ صرَّح في بداية الرواية قائلًا: «سيكون جنونًا إن تحدثت مع نفسي، لكن لو كتبت سأبدو محترمًا».
وأمَّا النساء، فهي الشخصيات الغالبة على الرواية التي تقدم لنا نماذج من نساء مكافحات، مثل رحمة التي لاحقها عار أبيها المشجبي، والحاجة نعمة التي حاولت أن تكون امتدادًا لصورة أبيها الشيخ صادق الذي كان من أعيان البلدة، أو مسك أم البنات التي همشها عدم إنجاب الذكور.
وقد اختزلت الكاتبة حورية الإرياني فيهن كل أشكال المعاناة: من مواجهة سلطة مجتمع ذكوري لا يرحم، ومن صراع اجتماعي ضد الفقر والخصاصة من جهة، وحول النفوذ والسلطة داخل العائلة من جهة ثانية، ومن معاناة تفاصيل الحياة اليومية والأشغال المنزلية والولادة والفقد والغربة.
طرافة الحوار وتعدد الأصوات في الرواية
اختارت الكاتبة حورية الإرياني أن يكون الحوار في أغلبه بلهجات يمنية محلية. وقد أسهم هذا الاختيار في إضفاء واقعية على الأحداث والشخصيات وإكساب عوالم الرواية هويتها الثقافية والاجتماعية. ولكنه، بالتوازي مع ذلك، يفسح المجال لما يسمى «البوليفونية»، أي تعدد الأصوات؛ فيكون السرد والوصف فصيحين، والحوار عاميًّا أقرب إلى جذور الشخصية، ما يضفي مزيدًا من الحيوية على الوقائع.
خاصة أن الحوار الذي بنته الكاتبة في أغلبه حوار منتج يدفع بالصراع وينمي الأحداث ويطور الحبكة ويمثل مرجعية ثقافية تجذر الشخصية في بيئتها المحلية اليمنية التي انطلقت منها الكاتبة وكثفت فيها كل الأبعاد الإنسانية الممكنة.
فعبَّرت الحوارات عن حالات نفسية كالقلق والشعور بالغبن والحيرة، كما عبرت مقاطع حوارية كثيرة عن التصادم بين الأجيال داخل عائلة الرحيمي، أو عن صراعها المحموم من أجل النفوذ، أو عن علاقاتها الحميمية التي يعكسها دفء المفردات والأمثال. وعمومًا استدعت الكاتبة في هذه الحوارات العامية عبق التاريخ الاجتماعي في اليمن وثراء التراث المحلي، فكانت الرواية من هذه الجهة احتفاءً بالثقافة الشعبية اليمنية، من خلال تثمين لهجاتها المحلية وإبراز ما فيها من غنى معجمي وعمق تعبير وطاقات إيحائية قد لا تتوافر عليها الفصحى.
الواقعية السحرية في الرواية
يمكن تصنيف هذه الرواية ضمن تيار الواقعية السحرية التي دشَّنها أدب أمريكا اللاتينية، وخاصة روايات غابريال غارسيا ماركيز، وهي تعني -في أبسط تعريفاتها- المزج بين الواقع والفانتازيا والتداخل بين الحقيقة والعوالم العجائبية. وهذه مؤشرات نعثر عليها في أحداث الرواية وفي أمكنتها وشخصياتها. فالإطار المكاني الذي احتضن الوقائع، وهو الدار الكبيرة، يتحول إلى ما يشبه «منزل الأشباح»، إذ يتراءى شبح الجد المشجبي للسارد من حين إلى آخر ويحاوره، كما في هذا المقطع من الرواية، ص 50–51:
«شعرت بثقل القلم على أصبعي ووضعته. سمعت حشرجة من الزاوية. صوبت نظري جنب أبيها المشجبي».
فسألت: «من؟».
أتى صوته صارمًا:
«امسح واكتب: دُفنت رحمة جنب أبيها المشجبي».
اقتربت من الزاوية لأنظر إلى وجه من يخاطبني، فلم أجد أحدًا.
وفي سياق آخر من الرواية نظفر بهذا المقطع الذي ينتقل فيه المشهد من الواقعية إلى خيال عجيب، ص 209:
«دخلت ريم من الباب، تقدمت نحوي، جلست أمامي، ووضعت في يدي قلمًا لأكتب لوجه ما زال يسكن الزاوية.
كان يجلس متقرفصًا وهو يضحك، فمه كمغارة سوداء تجذبني إليها، وبياض عينيه الكبيرتين يخيفني. قررت أن أواجهه فسألته:
«من أنت، يا هذا؟».
لم يغيِّر ضحكته المستهزئة، بل رفع رأسه يومئ لي بأن الإجابة عندي، وقال:
«أنا المشجبي».
بل إنَّ الرواية تنتهي ونحن لا نعرف هل عثر كريم الرحيمي على ريالات جده المشجبي، أم أن ما حصل من نبش القبر واستخراج الصندوق هو مجرد حلم أو وهم.
الكتابة فعل مقاومة ضد النسيان والضياع
عمومًا تبدو هذه الرواية مثيرة في لغتها المراوحة بين الفصحى والعامية المحلية، وفي عوالمها الأخَّاذة التي تمزج بين الواقع والخيال العجائبي. وقد استطاعت الكاتبة حورية عبدالسلام الإرياني أن تُطوِّع كل ذلك لتجعل من رحلة ساردها وبطلها كريم الرحيمي رحلة ترميم لوطن جريح عانى طويلًا من الانقسام والصراعات.
وحسب كريم الرحيمي أنه احتفظ «بالدار الكبيرة»، وأنه نجح في ترميم ذاكرته وتبديد أوهامه وأوهام أسلافه ممَّن ضيَّعوا عقولهم وأرضهم وكنوزهم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.