رواية الورقة الخضراء .. ملخص أحداثها ورؤية تحليلية

 "إن العدو الأكثر خطورة على الإنسان، هو الأقرب إليه، من يسلم له ظهره دون التفاتة"، لعل هذا الاقتباس يلخص الكثير من افكار ورؤى رواية "الورقة الخضراء". 

شخصيات رواية "الورقة الخضراء"

قبل أن أبدأ حديثي عن العمل الذي انتهيت من قراءته كان عليّ أن أخلع بعض الأقنعة التي ارتديتها طوال رحلتي وأفض عصارة أفكاري أمامي؛ لأرى من هؤلاء الذين شاركوني حياتي الأيام الماضية! ماذا قدموا لي؟ وكيف صنع الكاتب تلك الشخصيات التي أثارت الكثير من التساؤلات داخل عقلي.

الورقة الخضراء.. عندما تتشابه الحقيقة بالخيال

رواية الورقة الخضراء أو كما اطلقتُ عليها "الأرشيف الأخضر" ذلك الصندوق الذي يطوي داخله الكثير من القضايا الشائكة والتي وجدتها متشعبة كخيوط العنكبوت؛ لتظهر لنا خليطا من الصراعات التي ايقظت بؤر مختبئة؛ شملت_ "الأمكنة- والعلاقات- والثقافات المختلفة-ومحاور ومشتقات للرواية الواقعية.

 

الصراع النفسي في الرواية

الصراع النفسي هو أخطر أنواع الصراعات على وجه الأرض؛ كونه يخلق لنا وحوشا بشرية تحمل فوق أكتافها عقولا متيبسة، تمتعض لبعض الأفكار التي تحاول التسلل من بين فكيها، وتلوكنا كالمضغة حتى تستبيح ابتلاعنا.

 وهنا تجلت أفكاري وأنا أقرأ سطور تلك الرواية والتي رايتها تنقل لنا واقعية فكر امتثلت في أحداث واقعية، وقد ناقشت عدة محاور مهمة.. جعلتني أبحث داخل سطورها وأفكارها المتعددة؛ ماذا يريد الكاتب أخبارنا؟

بين النفسي والفانتازيا في الرواية

خلال قراءتي لم أشعر إنني خارج العمل للحظة، بل كنتُ يقظة أثناء انتقالي من حدث لآخر ونجح الكاتب في أن يحافظ على الموازنة بين واقعية الراوية فيما يخص الشق الدرامي والنفسي وبين الفانتازيا الواقعية.

اقرأ أيضاً نظرة في رواية الشتاء الأسود

 

فالعمل لم يكتف بعرض أحداث درامية مثيرة؛ بل قدم لنا رسالة مهمة وسلط الضوء عليها من خلال قانون "الورقة الخضراء" الذي تم طرحه واقعيا في جنوب افريقيا، وتحديدا " دولة بوتسوانا الواقع على حدودها واحدة من قبائل "البوشمن" القاطنة في صحراء كالاهاري".

سنجد البوشمن في الرواية مثالا واقعياً وحياً لتمثيل قانون" تعدد الأزواج" والذي من خلاله تم اصطياد العقول الهشة والضعيفة، والتي كان لنا معها لقاء كشف عن العديد من الصراعات الدرامية والنفسية؛ ولهذا سوف أفرغ سطور الرواية ونرى ماذا وضع يوسف حسين لقرائه داخل الورقة الخضراء؟

ملخص رواية الورقة الخضراء ليوسف حسن

لقد كانت تلك الوثيقة ما هي إلا سلاحا قُدم باسم المساواة بين الرجل والمرأة، وجعلتنا نفكر عن ماهية وأبعاد ذلك القانون.

 وهنا سنتوقف قليلا.. ونتساءل "هل مثل هذا القانون يمكن طرحه بين المجتمعات الشرقية"؟ 

سنجد الجدال حول تلك النقطة منقسما لعدة أراء؛ فطرح تلك الورقة لم يكن عبثا ومن قرائتي للعمل شعرت بخديعة هذا القانون وأنه فخا يحاول أن يجردنا من القيم والمبادئ التي يحاول البعض التمرد عليها باسم التقدم الحضاري ومواكبة العصر لتأتِ قوى خفية وتحاول تدمير عقولنا والقضاء على ما تبقى منا. 

فقد قدم العمل صراعاً حياً، غُلفت محاوره؛ من حيث الإسقاطات والحيثيات الفنية والدرامية.

فنقرأ عن قانون تعدد الأزواج والذي لم يكن بالفكرة الجديدة ولم يعط له الكاتب أهمية قصوى بقدر الفكرة المطروحة من خلفه؛ ووجدته يقدم وجبة أدبية اختار مكوناتها ببراعة واحترافية حيث كانت شخصيات العمل لهم عامل أساسي من حيث رسم ملامحهم وسلوكياتهم والتحليل النفسي لكلُ منهم. 

وقد انقسمت الرواية لشقين:

الشق الأول: واقعية الصراع الاجتماعي والطبقي والنفسي

ومن خلالها تم الكشف عن بعض الظواهر السلوكية والأخلاقية ومحور تقديمها فيما يخص العمل والتي اضافت للرواية أكثر من رؤية؛ لنرى قباحة الحداثة وديستوبية الواقع الذي نتعايشه ونحن غافلين.

فكيف كشفت تلك الوثيقة عن هذا الوجه؟؟

التلاعب بالعقل سلاح ذو حدين ولكي تهزم عدوك عليك أن تقرأ أفكاره أولا وبين أيدينا هنا سنرى العدو الأخطر والأكثر فتكا بنا! "كيف يمكن أن تغتالنا أفكارنا؟ وكيف يمكن لأفكار وعادات مجتمع خاطئة أن تنمو داخل عقولنا حتى تتحول لورمٍ يصعب استئصاله.

طرحت الرواية واحدة من تلك الأورام، والتي تم طرح أساسياتها على ركائز مؤكدة، ثبتت مدى واقعية تلك الأفكار.

وقد مثلت كل شخصية دورها بإتقان، حيث حملوا أعمدة الفكرة بشكل كامل وصحيح.

  أولى الشخصيات التي واجهتني ولامستُ فيها العطب الشديد سواء نفسيا أو اجتماعيا أو فكريا، شخصية "داليا" حيث كانت تلك الشخصية هي العامل الرئيسي في لعبة الصراع الأزلي بين الخير والشر والخطأ والصواب.

فقد جعلتنا نصوب أنظارنا نحو عمق القضية، لنعود بها ونرى الفقر الذي يعانيه المجتمع الشرقي من "الثقافة الدينية" والتي يتم استغلالها بشكل جذري؛ فنرى تشتت الكثير من العقول، وبشكل خاص أصحاب التحرر الفكري..

فقد قدمت لنا الشخصية فئة تميزت بالفكر المادي والتحرر النسوي الذي أخذ منصة داخل الكثير من المجتمعات في الوطن العربي، وأصبحت لهم نافذة خاصة لتلصص على بعض القوانين ومحاربتها بشكل عنفواني.

وقد نقل لنا الكاتب مثالا ليبرهن لنا على مدى هذا التشوه والتعفن الذي أصابنا.

فقد جاءت تلك الشخصية بمزيج مركب ونجح القلم في رسم ملامحها بدقة سواء داخليا أو خارجيا حيث تمثلت في صور القوى الفكرية والجسدية.

وكان لنا معها لقاء في بداية العمل وهو الدور الذي قدمته داليا الشيمي تلك الناشطة التي ارتدت عباءة التحرر الفكري وجسدت الدراما الواقعية وتحليلها النفسي حيث أظهرت إحدى القوى والتي تبين من خلالها مدى الانحلال الفكري والأخلاقي أمام المادة.

رسم شخصيات الرواية

وهنا لم يكن رسم تلك الشخصية عابرة، أو مطابقة للمواصفات الفنية للدور الذي تقوم به، لكن ظهرت براعة القلم في طرح وجه اجتماعي ونفسي؛ وكما كتب فرويد عنها فقد مثلت "قوة الأنا".

وقد انعكست أعراضه وجاءت بمساحة فكر محدود لم يتخطى القالب الموضوع فيه وحسب المكانة التي مثلتها؛ لنجد تخطي لكل الخطوط الحمراء داخل قوقعة اجتماعية فاسدة.

وخلال رحلتي مع تلك الشخصية والتي بدت معقدة نوعا ما فقد وجدت نقلة جريئة تظهر طبيعة مختلفة سواء فنياً أو درامياً أو اجتماعياً، فنحن لن نقابل تطويرا لسلوك الشخصية التي معنا، بل ستغامر أفكارنا معها وتحول جديد للكشف عن الوجه الثاني من شخصية داليا وهذا ما يسمى الضلع الثاني من التابوت النفسي.

لنجد أنفسنا نسبح داخل الادغال وبشكل يجعلنا نكاد نفقد عقولنا.

كيف انتقل الكاتب من تلك البيئة التي رسمها لنا كمجتمع متحضر لبيئة صحراوية تتصف أحداثها بالفانتازيا الواقعية. 

تلك البيئة التي تم بناؤها على أساس صور اجتماعية حقيقية وموازنة بين الواقع والخيال؛ لنتعرف بشكل أكثر واقعية على قبيلة البوشمن وماذا يحدث معهم؟ 

تاريخ قبيلة البوشمن في الرواية

نجح الكاتب في أن يقدم لنا مجتمعان تشاركا في الأحداث وفقا لحبكة شديدة ربطتهما بشكل وطيد دون إسهاب.

تلك المنطقة التي اظهرت لنا الشخصية الثانية "ساسانا"، لقد تم استنساخ تلك الشخصية من داخل "داليا" وكأننا نقف أمام مرآة سحرية تعكس لنا الجانب الآخر منا.

وقد تم ظهورها عن طريق إحدى ممارسة الطقوس الخاصة بأهل تلك المنطقة حيث كانت للفانتازيا هنا واقع حقيقي، وقد تدرج هنا "السحر الأسود" كنوع من الجذب لظهور شخصية ساسانا. وبناءها دراميا بشكل دقيق جدا.

"چوك" ترشح لك: أفضل الكتب لعام 2020 حتى الآن ، وفقًا لـ Amazon

 

 

 

بعض المشاهد جاءت بشكل متوازي بين داليا وساسانا وشعرت إنني أمام إحدى الشخصيات المتجسدة سينمائيا.. لا انحراف عن المشهد أو التشتت.

صنع لنا الكاتب شخصية الهو من خلال هذا الوجه؛ لنرى وجهان لعملة واحدة برع القلم في وصفهما معا فقد قدمت ساسانا شكل جديد من القوة، ولكنه ليس ببعيد عن داليا؛ وكأنهما مرتبطتان بخيط واحد. 

فنرى إن ساسانا هي الروح الغاضبة التي تسكن داليا ومع توافر العوامل الدرامية والفنية التي قدمها الكاتب استطاعت التحرر لتعود وتنتقم وهنا تكمن جملة الكاتب" إن المرأة عند الانتقام لا يؤمن شرها".

فنجد رسالتين واضحتين قدمتهما لنا تلك الشخصية:

الأولى: في مارست دورها وكأنها أشبه بقطعة شطرنج، أوخلية خاملة يتم تحريكها وفقا لقواعد اللعبة.

والثانية: هي موجة الغضب الكامنة والتي اطلقت شرارة الانتقام دون وعي أو فكر وكأن الروح تسير داخل نفقُ مظلم، تبحث عن الوجه الحقيقي الذي شوهه المجتمع؛ وخلال رحلتها بثت فيها الروح ولكن" هل تذبح الشاه بعد سلخها".

الشق الثاني من الرواية

"نحن البشر وُلدنا على التمني وسنموت عليه" ذلك المعنى هو شكل من الصراع، كم منا وقع فريسة له وحاول أن يتسلل بعيدا متمنيا أن يحصل على القوة اللازمة للبقاء وكأننا أمام نقيض يسكن داخلنا وفي صراعِ دائم.

داخل هذا الصراع المخيف صنع لنا الكاتب شخصية ليلى والتي أنعكس عليها جزء من واقعيتنا.

حيث قدمت صورة القيم والمبادئ والحكمة والذكاء، فقد اتخذها الكاتب سلاحا لمحاربة صورة الفساد ودليل واقعي للوجه الآخر من أسلحة العقل.

 وقد حملت ليلى الضلع الثالث من التابوت النفسي ألا وهو "قوة الأنا العليا" واستكمالا لحلقة الصراع الدائر داخل العمل.

حيث امتلكت مقومات القوة النفسية اللازمة التي تتناسب مع شخصيتها.

و قد نرى تناقض بينها وبين داليا ولكن كانت هنا براعة قلم استطاع أن يقدم شخصية واحدة متفرعة لثلاث صور وهم (داليا_ ساسانا_ ليلى) تلك الشخصيات هي شخصية واحدة فرعها الكاتب بشكل درامي ونفسي وهذا ما أبرز جمال تلك الحياكة الأدبية الرائعة والتي نالت إعجابي، فنجد حبكة كاملة لصناعة عمل روائي اكتمل جانبه الفني.

"الرجال عندما يحبون يرتكبون الحماقات"

هنا سنلقي الضوء على شخصية لن تكون المرة الأولى الذي نرى ملامحها بين أعمال يوسف حسين أو قد نصادفها كثيرا في واقعنا وبشكل متكرر.

وقد تكون تلك الشخصية هي ممثلة لصوت الباطل والذي كان موجودا بين سطور الرواية حتى السطر الأخير وهذا من خلال الانفعالات والنتائج التي رأيناها خلال الأحداث.

شخصية "عمر"

من الشخصيات التي شملت أكثر من تحليل، تركيبة معقدة، يتسم بالنرجسية، فحبه للسلطة والسيطرة والمال جعلاه أن يكون عرضة لخيار واحد فقط.. ألا وهو البقاء للأقوى. 

حيث مَثل ستار الغيمة التي وقعت على عقل داليا ومن هم على شاكلتها من العقول الضعيفة والهشة ومصيدة للإيقاع بكل ما هو مخالف وصحيح، لتسير الأمور وفقا لقوانينه الخاصة وحكمه وسيطرته.

ومع هذا لكل انسان نقطة ضعف وامتثلت تلك النقطة لديه عند ظهور ساسانا أي "داليا"، لتتحول الفريسة إلى صياد وتنتهي المباراة للأقوى.

القضايا النفسية والاجتماعية في الرواية

 ولكن الكاتب لم يجعلنا ننحاز لأي طرف من الفريق وجعل الصراع يسير وفقا للاختيار.

هنا لم ينته صراع العمل في بث الداء وظهور أعراضه النفسية والاجتماعية وكشف الستار عن كل البقاع الفاسدة بل جاءت شخصية "الشيخ مراد" والذي مَثل صوت الحق.. أي العامل الديني والواعظ لكل ما يحدث.

حيث كان متواجدا خلال الأحداث بشكل مباشر أو عن طريق الترابط بين الشخصيات، لنرى عصاه مرفوعة دائما في وجه الباطل، حيث مَثل صوت الضمير الذي نخشى مواجهته.

نهاية رواية الورقة الخضراء

تلك لم تكن نهاية بل كانت بداية لصراع جديد ونقطة تجعلنا نقف منتظرين ماذا سيحدث لتلك العقول الوامضة بالأفكار الرجعية والتي تنادي بحرية مصطنعة؟؟ هل هناك ولادة جديدة ستجعلنا نقدم جيلا يفقه ما يحدث فوق مسارح الحياة المتعددة؟ 

تلك النهاية لم تكن خاتمة العمل بل كانت إنطلاقة لتجعلنا نفكر ونتريث قليلا في نظرتنا للأمور والحكم عليها ونرى ماذا يحدث من خلف الستار؟؟ 

القضايا التي تناقشها الرواية

• العمل ناقش واحد من القضايا الشائكة والتي يمكننا أن نطلق عليها قضايا العصر، ودمج عدة محاور اجتماعية جاءت مواكبة لبعض الأحداث، كما لم يخل من العامل الديني الذي كان أساس لردع بعض الأفكار وهدمها.

• قُدم العمل بأسلوب مباشر، خالي من التعثرات اللغوية 

• جاءت الأفكار في موضعها مع مراعاة البيئة المحيطة التي نشأت داخلها الأحداث 

• تم تصوير صراعات العمل والشخوص بشكل جيد وفي موضعها الصحيح.

• الصراع النفسي والطبقي جاءا بشكل متوازٍ ومناسب للشخصيات.

• بعض الشخصيات مثل (كمال- صوفيا-توماس) تلك الشخصيات لم يتم رسم مساحة كافية لهم ولكنهم كانوا عوامل مساعدة لتنشيط الصراع ووصوله للنهاية.

وهنا نستكمل قولنا "إن العدو الأكثر خطورة على الإنسان، هو الأقرب إليه، من يسلم له ظهره دون التفاتة، ربما تكون نفسه، أو زوجته، أو حتى ابنه... إلخ. 

مراجعة كتاب لياقات الكاتب

 

 

 

غلاف الرواية

وقد جسد الكاتب قوة المادة من خلال غلاف العمل والذي حمل ركيزة الصراع الاجتماعي، ألا وهي العملة النقدية، كما جاءت الشخصية المرسومة على الغلاف مطابقة للعامل النفسي والوصفي لبطلة العمل).

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة