سوف نعرض في هذا المقال تحليل رواية المعطف وهي رواية قصيرة، للكاتب الروسيّ نيقولاي غوغول، وتُصنّف الرواية بأنها خيال ووالله إنهم يكذبون؛ فهي أقرب ما يكون للواقع، واقعي، واقعك، والواقع بشكلٍ عام.
هذا العالم يسرق معاطفنا ويُسلمنا للبرد..
هذا العالم يصرخ فينا ويُرهبُنا إذا سألناه يومًا أن يرد لنا معاطفنا المسلوبة وينهرنا ويزجرنا ويرعبنا ويُسلمنا للموت..
إنه لأمر جيّد أن الشتاء فعليًا لم يأتِ بعد؛ فكفى ببرد هذا العمل الأدبيّ توغلاً في باطن قلبي من قبل الجسد..
اقرأ أيضاً تحليل قصيدة سحيم عبد بني الحسحاس.. نموذج من الشعر القديم
تحليل رواية المعطف
بطل القصّة هو أكاكي أكاكيفتش رجل بسيط، موظف مهنته النسخ، والكاتب يذكرها صراحةً أنه صاحب خط جميل، أما ما لم يذكره الكاتب صراحةً أنه إلى جانب خطه الجميل يملك قلبًا جميلاً..
أكاكي من فقراء روسيا يرتدي على الدوام ثيابًا رثة، وربما كانت ثيابه وطيبة قلبه وشيء من الخنوع بشخصيته دافع لمعاملة من حوله من موظفين وكتبة له باستخفاف شديد..
وسخرية دائمة من أكاكي ومعطفه المهترئ، حتى إن البعض كانوا يحذفون بالأوراق في وجهه لينسخها دونما أي احترام أو تقدير..
والعجيب أن هذا الأكاكي لم يكن يستاء، أو يرفض هكذا معاملة، فقط كان وفي بعض المواقف حينما يبلغ الأمر مبلغه من السوء فتُحيل سخرية البعض ما بينه وبين تأديته لعمله بإتقان..
هنا وهنا فقط، يعترض قائلاً..
"دعني وشأني، لماذا تعذبني؟"
كان يقولها بصوتٍ متكسر يجعلك تُشفق عليه، ثم إن الكاتب يسلّط الضوء على موظف جديد كان ينوي أن يسخر هو الآخر من أكاكي لولا أن جملته هذه نزلت على قلبه كالسياط وأشفق كليًا بحال الرجل وكأنه الكاتب أراد أن يُخبرنا أن البعض منا ما زال يملك شيئًا من إنسانية ورهافة شعور..
في البيت يعيش أكاكي بمفرده إلّا لو اعتبرنا أوراقه التي ينسخها رفيقًا ومؤنسًا، يتغدّى أكاكي دونما تذوق فقط حينما يشعر بالامتلاء يُدرك أنه شبع، ومن ثم يقوم بنسخ تلك الأوراق التي يحملها معه من العمل وحتى لو لم يكن لديه عمل لينجزه كان ينسخ من باب الاستمتاع؛ فهو شغوف، محبّ للنسخ..
وبشيء من اختصار، فإن بطل الرواية كان هادئًا، خانعًا، خاضعًا، راضيًا عن كل شيء، وكانت مشكلته الوحيدة أن الصقيع في روسيا لا يرحم وأن معطفه الرث أصبح مُهترئًا إلى حد بالغ السوء..
لذلك قرّر أكاكي أن يذهب لجاره الخياط صاحب العين الواحدة ليصلح له معطفه ويرتقه من جديد..
وقد قرَّر أن لا يعطيه أكثر من روبلين اثنين، ثم إن بتروفيتش الخيّاط قالها بقسوة أشدّ من صقيع روسيا ذاته..
"لكنه في حال متقدّمة من الاهتراء؛ ليس بإمكان الرقع أن تتماسك، من الصعب تسمية هذا بمعطف، هبة ريح واحدة وكل هذه ستتطاير".
ثم إن أكاكي حاول أن يقنعه برتق المعطف من جديد دونما جدوى، وظلّ بتروفيتش يردّدها لن يفلح الأمر وعليك باقتناء معطف جديد يا سيدي..
أنتم حتمًا لا تدركون ما معنى أن يقتني أكاكي أكاكيفتش معطفًا جديدًا، وهو ما سيكلفه حسب كلام بتروفيتش الخياط ١٥٠ روبلا..
لذلك فكأنما دارات الأرض به أثر سماعه لكلام الخياط؛ فهو لا يملك ذلك المبلغ، وفي طريقه للبيت وبعد تفكير طويل قرّر استخدام مدخراته عبر سنوات وهي ما تساوي نصف المبلغ تقريبًا..
أمّا عن النصف الآخر فقد قرَّر أكاكي أن يُقلص مصروفاته اليومية لمدّة سنة على الأقل؛ فمثلاً ينبغي عليه أن يتوقف عن شرب الشاي في المساء، وأن يعيش بدون شمعة، وإن كان عليه أن يقوم بنسخ شيء فليذهب إلى مالكة الدار ويعمل هناك، وأن يطأ الأرض بخفة كل ما أمكن ذلك، كان يمشي على أطراف أقدامه ليوفر نعلي حذائه و...
وأشياء أخرى يذكرها الكاتب هي في مجملها ثمن الحلم، حلم أكاكي بأن يمتلك معطفًا جديدًا يقيه صقيع الأيام، ثم إنني حاولت اختصار تلك الحالة الرّائعة التي عاشها أكاكي متوشحًا بحلمه قبل أن يتحقّق فوجدت أن في ذلك هدرًا عظيمًا لروعة الوصف، لذا فإليكم وصف الكاتب..
"وكانت أفكاره مُنصبة على المعطف الذي سيمتلكه يوما ما، ومنذ تلك اللحظة أصبحت حياته أكثر ثراء.
وكأنما قد تزوج كأنما أصبح يلازمه شخص ما، كأنما لم يعد وحيدًا على الإطلاق ، بل أن رفيقًا لطيفًا وافق أن يرافقه في مشوار حياته، ولم يكن هذا الرفيق سوى المعطف ذي اللبادات الصوفية والحشوة القطنية السميكة والبطانة المتينة التي لا تعرف البلى، وأصبح أكاكي أكثر حيوية، بل وأصبحت شخصيته أكثر صلابة كشخص حدّد لنفسه هدفًا وسعى إليه.
لقد اختفت الحيرة والتردد، باختصار ذلك الجانب المتلكئ من شخصيته من تلقاء نفسها".
مهلا، هل شعرتم بما أشعر به؟
هل أدركتم أنه كيف لأمل، مجرّد أمل في أن يتحقق شيء ما تريده بقوّة كفيل بأن يُغيّر كليًا حياة إنسان، فيقبل على الحياة بابتهاج وسعادة، وكأنما ولد من جديد!
اقرأ أيضاً تحليل قصيدة الفردوس المفقود للشاعر "إدريس الجاي"
ملخص رواية المعطف
يبدو أن القدر سرّه حال أكاكي وعزيمته فقرَّر مكافأته، فبدل من أن يمنحه مديره في العمل مكافأته السنوية والتي كانت من قبل ٤٠ روبلا كلّها محدَّد لها بنود إنفاق مُسبقة، منحه المدير ٦٠ روبلا ممّا أدّى إلى تقلص مدة الادخار من أجل المعطف من عام كامل إلى ثلاثة شهور..
وقد حدث بالفعل وتحقق الحلم، وصدقوني حينما أخبركم أنني وأنا أتصفح الرواية رأيت أكاكي في معطفه الجديد وكأنما يرتدي روحًا جديدة لا مجرّد معطف، ويكفي أن تقرأ قول الكاتب عن حاله بعد أن ارتدى المعطف قائلاً..
"في تلك الأثناء استمر أكاكي أكاكيفيتش في طريقه إلى المكتب ويخامره شعور غامر بالسعادة، ولم تكن ثانية تمر دون أن يشعر بأن معطفه الجديد على كتفيه، وكان يبتسم عدّة مرات لشعوره بالسرور، وكان للمعطف في الواقع ميزتان: أولهما أنه كان دافئًا، وثانيتهما، أنه جعله يشعر بأحسن حال. "
ودعوني هنا أتوقف قليلاً لأخبركم عن تغيّر نظرة زملاء أكاكي في العمل له، واستقبالهم له بمعطفه الجديد وكأنما فاتح عائد من معركة، من قال إننا نحن البشر نهتم بالجوهر والمظاهر لا تعنينا!
محض كذب وادعاء..
لنركض قليلاً ونسقط بعض الأحداث عمدًا،..
قام رئيس الكتبة بدعوة مرؤوسيه لأمسية في بيته، يحتسون الشاي ويتناولون العشاء وحاول أكاكي التملص ولكن بلا جدوى،
انتبهوا هذا ما زال اليوم الأول في عمر المعطف، ارتداه في الصباح وذهب للعمل ثم عاد للبيت وفي المساء ذهب إلى بيت رئيسه، وفي طريق العودة أوقفه لصان وسرقا حلمه، سرقا المعطف، وأوقعوا أكاكي بعد ركله فأفقدوه الوعي..
فقط يوم وليلة هي عمر حلم أكاكي المُحقق ثم انتهى كل شيء..
وباختصار جرب أكاكي أكثر من طريقة ليستعيد معطفه، بلا جدوى وكانت أسوأ محاولاته هي أن ذهب لرجل يقال إنه رجلا مهم وبدون تطويل فإن الرجل المهم يشبه اللصوص، هم يسلبون حلمك ومعطفك وهو سلب أكاكي المسكين كرامته وإنسانيته وأهانه حتى كاد هذا الاكاكي أن يسقط على الأرض مغشيًا عليه..
وعاد إلى بيته في مواجهة الصقيع ولم يمرّ يومان على ذلك إلّا وقد انتهى أمر بطل روايتنا وفارق الحياة على أثر حمى شديدة، يقول الكاتب في ذلك..
"وهكذا زال واختفى إلى الأبد إنسان لم يفكر أحد من الخلق في حمايته، ولم يكن عزيزاً على أحد، ولم يكن أحد يهتم بأمره لا من قريب ولا من بعيد، ولا حتى عالم التاريخ الطبيعي الذي لم يكن ليقاوم غرز دبوس في جناح ذبابة منزلية وفحصها تحت مجهره".
وهنا، علينا أن نقف ونلعن هذه الحياة..
تلك الحياة التي تنجب لنا لصوصًا يسرقون الحلم، والدفا، والحياة من أُناس لم يفعلوا شيء أبدًا سوى أنهم يحيون على تلك الأرض معهم، ونلعن كل رجل مهم وظيفته أن يعيد لنا ما يسلبه اللصوص فلا يفعل، ونلعن قلّة الحيلة التي نقع فيها ونحن نقرأ رواية أو نشاهد نشرة أخبار أو نرى بأم أعيننا شخصًا ما في مكانٍ ما حاله تمامًا كما حال أكاكي أكاكيفيتش..
ويبدو أن نيقولاي غوغول أراد مثلي تمامًا أن يصب غضبه ولعناته على الجميع فلم ينهِ روايته عند ذلك الحد يقول الكاتب..
"ولكن من كان يتصور أن هذا لن يكون آخر ما سيسمع عن أكاكي أكاكيفيتش، وأنه كان مقدّرًا له أن يخلف ضجة بعد عدّة أيام من موته، كما لو كان يحاول أن يعوض ما فاته من أيام قضاها يتجاهله الجميع، غير أن هذا هو ما حدث ليضفي على قصّتنا البائسة نهاية غريبة للغاية وغير متوقعة على الإطلاق.
وبدأت الشائعات تنتشر في أرجاء سان بطرسبرج بأن شبحاً في هيئة كاتب من كتبة الحكومة قد ظهر بالقرب من جسر كاينكين، وحتى أبعد من ذلك، وأن هذا الشبح بدأ يبحث عن معطف مفقود..
ولهذه الغاية فقد كان يشاهد ينتزع شتى أنواع المعاطف من فوق أكتاف أصحابها، غير عابئ برتب أو درجات أصحابها، معاطف مصنوعة من فراء القطط، السمور، معاطف ذات كمادات، معاطف من فراء الراكون أو الثعالب أو الدببة..
باختصار: معاطف مصنوعة من أي نوع من أنواع الفراء أو الجلود التي يستخدمها الإنسان لحماية جلده هو..
وشاهد أحد الكتبة من الإدارة الشبح بأم عينيه وتعرف في الحال على أكاكي أكاكيفيتش"..
وقد بدا لي وأنا أقرأ أن في هذا شيء ما من عدالة سماوية، فأضعف الإيمان كما نقول، أن يسلبهم شبح أكاكي معاطفهم ميتًا كما فعلوا فيه حيا، ثم إن الكاتب حمل لي بين طيّات روايته خبرًا أشدّ بهجة..
ففي إحدى الليالي وكما يقول الراوي..
" شعر الشخص المهم بقوّة عنيفة تسحبه من ياقته. وعندما استدار شاهد رجلاً ضئيل الحجم في بدلة بالية، وانتابه شعور بالرّعب عندما تعرّف عليه في شخص أكاكي أكاكيفيتش، كان وجه الكاتب شاحبًا كالثلج وكان تمامًا كوجه رجلٍ ميت، فاق الرعب الذي انتاب الشخص المهم كل حدود المعقول عندما التوى فم الشبح، تخرج منه رائحة القبور المخيفة، بينما هو ينفخ عليه أنفاسه ناطقا بالكلمات الآتية:
"آه، أخيرا وجدتك!! والآن أطبقت عليك من ياقتك! إن ضالتي هي معطفك!"
وبعدها وبعد أن أثلج نيقولاي غوغول صدورنا توشك الرواية على الانتهاء ويختفي شبح الكاتب نهائيًا وكما يقول الراوي..
" ومن الواضح أن معطف الجنرال من حيث القياس كان الكمال بعينه. "..
فعلى ما يبدو يا سادة أن الرجل المهم كان أشدّ تنكيلاً وظلمًا لذلك المسكين أكاكي..
وكم من رجلٍ مهم في بلادنا العربية ترعى اللصوص بين يديه وتسلبنا معاطفنا وحينما نستغيث به يوبخنا ويزجرنا ويسلبنا كرامتنا وحياتنا في الأخير..
وكم من أكاكي أكاكيفيتش بيننا وفينا!..
ملخصات روايات قد تهمك
وعلى منصة جوك يمكنك الاطلاع عزيزي القارىء على ملخصات كتب وملخصات روايات قد توفر عليك الوقت في قراءة الرواية كاملة مثل ملخص رواية "دون كيشوت".. للكاتب الإسباني ميغيل دي ثربانتس، وملخص رواية "الحب المحرر".. روايات رومانسية ،و ملخص رواية "في قلبي أنثى عبرية" لخولة حمدي.. روايات رومانسية
وفي الختام، نتمنى أن تكون قد استفدت عزيزي القارىء من هذا المقال الذي قدمنا فيه ملخص رواية أماريتا للكاتب عمرو عبد الحميد وإلى لقاء آخر وملخص رواية آخرى على منصة جوك.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.