البحث عن الوجود في الحب: قراءة في رواية الليالي البيضاء لدوستويفسكي

في التاسع من فبراير من كل عام تحل ذكرى وفاة عبقري الرواية الروسية الخالد فيودور دوستويفسكي (11 نوفمبر 1821 – 9 فبراير 1881). ولما كان فبراير هو الشهر الذي اصطلح قطاع كبير من العالم على الاحتفال بعيد الحب في الرابع عشر منه، فإنه يبدو شهرًا مناسبًا لقراءة استعادية متأنية لهذه الرواية القصيرة لدوستويفسكي، التي تتناول موضوع الحب تناولًا عميقًا على الرغم من بساطة أحداثها. وسنعتمد في قراءتنا على ترجمة الشاعر والكاتب المغربي إدريس الملياني (1945 –)، الصادرة طبعتها الأولى عن المركز الثقافي العربي في الدار البيضاء عام 2016.

العزلة في بطرسبرغ

تخبرنا الصفحات الأولى من هذه الرواية القصيرة، التي كتبها دوستويفسكي في بداية حياته الأدبية (1848)، بأن البطل/الراوي الذي يروي الأحداث بضمير المتكلم شخص ذو حساسية شعورية مرهفة على نحو غير عادي، ووعي مختلف عن النمط السائد بين من حوله.

دوستويفسكي

وآية ذلك أنه يخاطب القارئ معلنًا أنه يفتقد الناس في بطرسبرغ، مع أن ثمانية أعوام قد مرت عليه وهو مقيم فيها دون أن تكون له أية صداقات. هو إذن شخص انطوائي، على نحو paradoxal، على الرغم من أنه يحب الناس. ثم يخبرنا بأن المنازل التي يمر بها في شوارع المدينة قد أصبحت صديقة له، تبادله الحديث، وتشكو إليه أحوالها، وتسر إليه بمخاوفها.

هكذا يؤنسن البيوت، ويجعلنا ندرك كم هو شخص خيالي تتجاوز مخيلته حدود الواقع المباشر، يعيش عالمًا موازيًا لواقعنا، وإن كان يتقاطع معه في نقاط كثيرة.

تصف الرواية علاقة الراوي بفتاة يتعرف عليها خلال ليالي سان بطرسبرغ البيضاء، تلك التي يطول فيها النهار للغاية، ولا تكاد السماء تظلم أبدًا، ويتقلص نصيبها من الليل إلى ساعة من الغسق، تبدأ بعدها الشمس في السطوع ثانية.

وهي أيام تمتد من أبريل إلى أغسطس كل عام. هي علاقة تبدأ بأن ينقذها من محاولة سكير ثمل أن يقترب منها في الشارع، ثم تتطور إلى لقاءات تمتد لأربعة ليالٍ، يتصاعد فيها حب الراوي للبطلة (ناستنكا). وتخبره هي عن حبيبها الذي سافر منذ عام، ويفترض أن يعود الآن ليتزوجا. وتنتهي الأحداث البسيطة بأن تترك ناستنكا الراوي حين يظهر حبيبها بعد غياب.

تهيئة خلفية الأحداث

هيأ دوستويفسكي للأحداث من خلال الزمان، والمكان، واللغة. فالمكان هو المدينة التي اعتادها الراوي، لكنها تعيش -ويعيش معها- ظروفًا استثنائية؛ فأهلها قد خرجوا منها، كأنهم هجروها، وبذلك تخلو المدينة لقصة الحب الوليدة، فتبدو وكأنها مسرح خُلِق خصيصًا لهذين العاشقين، فكأن الكاتب قد خلقها خلقًا آخر لهما فقط.

والزمان هو تلك الأيام البهيجة الاستثنائية التي تبدو كأنها لا تنتهي. ولعلنا نلاحظ أن الراوي والبطلة يكرران في التعبير عن الفرح أنهما لم يستطيعا النوم حين عادا إلى بيتيهما، ما يجعل اليقظة معادلًا للفرح. ومن ثم فالنهار الطويل -أو الليل الذي لا يظلم- في هذا السياق هو ابتهاج بالحياة بلا نهاية، كأنه خلود مصغر، وكأننا أمام آدم وحواء في بداية عالم جديد.

وأخيرًا، تأتي اللغة، متمثلة في التشبيه الذي يسوقه دوستويفسكي بين بطرسبرغ وفتاة كئيبة حزينة؛ يأتي الربيع فيتورد خداها وينهد صدرها، حتى يتعجب المرء كيف تحولت هكذا، ثم لا تلبث أن تعود إلى ما كانت عليه من الكآبة في نهاية اليوم. جاء التشبيه في معرض حديث الراوي عن شعوره لدى عودته من الضواحي الريفية إلى المدينة، وهو يهيئنا بهذه الصورة لما ستتمخض عنه قصة الحب الوليدة من سعادة قصيرة له، سرعان ما ستتبخر كما يتبخر الحلم عند أول تماس مع الواقع، ليعود إلى سابق عهده من الكآبة والانطواء.

رجل الخيال الباحث عن وجوده

توجد عدة خيوط متناثرة متضافرة في متن الرواية، سنجمعها واحدًا وراء الآخر، وننظر ما عسى أن تقدمه لنا في النهاية من صورة كلية لهذا الوجود المأزوم.

أولها يتعلق بصيغة السرد. ولدينا هنا صيغتان أساسيتان: واحدة بضمير المتكلم، هي تلك التي يسرد بها الراوي للقارئ أحداث روايته؛ والأخرى بضمير الغائب، هي تلك التي يقرر الراوي أن يحكي بها للبطلة سيرته الذاتية، ممثلة في بضعة أيام من حياته. وهو في هذا القرار يصرح لها بأنه يخجل من أن يكون حديثه عن نفسه بصيغة المتكلم، ولذا يلجأ إلى الغائب، كأنما يضع مسافة بينه وبين ذاته.

والمحصلة المؤقتة لهذا التقابل أننا أمام رجل كان يخجل من أحداث حياته، حتى كأنه يتبرأ منها وهو يحكيها. لكنه في الإطار العام للرواية يواجهنا بأنه يحكي أحداثًا عاشها بنفسه، فكأنه قد تصالح في النهاية، على نحو ما، مع قدره وطريقة حياته وسيرته. ومما يدعم هذه المحصلة أنه يكرر للبطلة في بداية تعارفهما قوله: «ليست لي قصة»، فكأنه يتنصل من وجوده قبل أن يعرفها.

وثانيًا، لدينا التشبيهات والأوصاف التي يخلعها الراوي على ذاته الغريبة في العالم، وأبرزها ما يأتي في بداية حديثه عن نفسه للبطلة، إذ يقول إنه «حالم، والحالم ليس إنسانًا، ولكنه مخلوق محايد…». هكذا ينفي الراوي عن نفسه الإنسانية، وبوصفه نفسه بالحياد ينفي عن نفسه الفعل؛ أي إنه، في التحليل الأخير، يتنصل من وجوده بوصفه كائنًا فاعلًا في العالم.

وثالثًا، لدينا تعامل الكاتب مع اسمي الراوي والبطلة. فالراوي مغفل الاسم إلى النهاية؛ فلا البطلة تناديه باسمه مرة واحدة، ولا غيرها يفعل. وهذا الإغفال يؤدي وظيفتين: فهو يجعل كل عاشق مر بمثل هذه الخبرة يتوحد مع البطل، لكنه -وهو الأهم- يكرس فكرة افتقار الراوي إلى الوجود الحقيقي. إنه حالم فحسب، وما حياته إلا حلم كبير.

ناستنكا: لاهوت الاسم وفلسفة اليقظة

وهذا في مقابل البطلة التي تخبره باسمها من البداية: «ناستنكا»، وهي صيغة التدليل الروسية لاسم «أناستاسيا»، الاسم المأخوذ من جذر يوناني يعني البعث (ἀνάστασις). وخلال حديثهما يظل يردد اسمها بشغف، ويقول إنه لن يمل أبدًا من ترديده. ولا يفوتنا أن لمعنى الاسم تعلقات دينية مهمة، إذ يشير إلى قيامة السيد المسيح من بين الأموات ورفعه إلى السماء.

خيوط رواية الليالي البيضاء

وهي تعلقات لها صداها في الحكاية؛ فالراوي يذكر ضمن حديثه الحالم لناستنكا «إلهة الخيال» من قصيدة لڤاسيلي جوكوفسكي، ويقول إنها ربما نقلته بيدها إلى السماء السابعة البلورية، كما يذكر المصلح الديني التشيكي يان هوس ووقوفه في وجه مجمع الأساقفة، إلى غير ذلك من الإشارات الدينية والتاريخية التي تتشابك مع إشارات من بطون الروايات ومتون التاريخ لتنسج نسيج عالمه الحلمي المتشعب.

والخلاصة أن لقاء الراوي بناستنكا يمثل له شكلًا من أشكال البعث والرفع، وبصياغة أخرى يمثل تحققًا لوجوده الذي ظل يبحث عنه طوال عزلته وانطوائه.

وخامسًا، لدينا وصف ناستنكا لجدتها بأنها ضريرة، ولخادمتها بأنها صماء، وللمستأجر العجوز بأنه أخرس أعمى أعرج، لم يستطع أن يعيش، فمات. هذه الكثافة في وصف العاهات تلفتنا إلى أن الحبيبة الجميلة ناستنكا تمثل وجودًا غريبًا هو الآخر عن محيطها؛ فهي شابة، ومن حولها مسنون، تستخدم حواسها بقوة الشباب، وتطرب لأنها تجد عند الراوي عرامة وصفه وسلاسة سرده المنبثقتين من قوة استخدامه حواسه. والخلاصة أن وجود ناستنكا مختلف عن الوجود في العالم الممل الكئيب الذي يشعر الراوي بغربته عنه، والوصف الأقرب إلى تلخيص وجودها من وجهة نظر الراوي هو أنه «وجود/ مملكة، ليس/ ليست من هذا العالم!».

 الكتابة فعل الوجود الوحيد

وسادسًا، لا يفوتنا أن الدور الإيجابي الذي لعبه الراوي في قصة حب البطلة وحبيبها القديم يتمثل في اقتراحه عليها صياغة رسالة تكتبها له، وحمله هذه الرسالة. ومن ثم فالفعل الوحيد الذي قام به الراوي حقًا هو فعل خلق بالكتابة وحمل رسالة، أما ما عداه فليس إلا حلمًا وخيالًا.

وسابعًا، يحسن بنا ألا نغفل دور الكتب في سياق الرواية؛ فالعالم الخيالي الذي يحكي الراوي تفاصيله المدهشة لناستنكا مبني على روايات ومتون في التاريخ، كما أن ما قرَّب ناستنكا من حبيبها الحقيقي ليس إلا الكتب الفرنسية التي أهداها إليها لتقرأ منها لجدتها. وهكذا يبدو أن الكتابة هي، من عالمي الحلم والحقيقة في هذا السياق، الوشيجة التي تصل بينهما، بمنزلة اللحمة والسدى.

وثامنًا، لا ننسى أن فصول الرواية جميعًا معنونة بالليالي: «الليلة الأولى»، و«الثانية»، إلخ، عدا الفصل الأخير «الصباح»، وهو لا يأتي إلا عقب الفراق. وفي هذا إيحاء قوي بأن لقاءات الراوي بناستنكا، التي لم تقع إلا ليلًا، كانت ذات طبيعة حلمية بوجه من الوجوه، وأن اكتمال يقظته لا يتحقق إلا بعد الفراق.

ميتافيزيقيا العنكبوت: عندما يصبح الخيال سقفًا للحب

وتاسعًا وأخيرًا، توجد ثلاث إشارات إلى شَعْر العنكبوت. أولاها في الفصل الأول؛ يشكو الراوي نمو خيوط العنكبوت في سقف بيته، ويلوم خادمته ماتريونا على ذلك. وثانيتها في حديث الراوي إلى ناستنكا؛ يشبه اجتماع الأشخاص الذين يقابلهم خلال جولاته على ضفة نهر فونتانكا في حديثه الخيالي باجتماع الذباب في شَعْر العنكبوت. أما الإشارة الأخيرة فترد في الفصل الأخير؛ تقول ماتريونا إنها قد نظفت السقف من الخيوط، ويمكن لسيدها الآن أن يتزوج في هذا البيت، غير أنه يتأمل الموقف ويشعر بأن الخيوط تضاعفت مع ازدياد البيت كآبة بعد فراق ناستنكا.

هكذا يبدو أن شَعْر العنكبوت معادلٌ موضوعي لخيال الراوي الواسع، الذي يستوعب كل شيء، ويلتصق بسقف وجوده حتى إنه ليحجب عنه أفق الحياة في واقع الناس ومعهم. ومع أن الفراق كان إيذانًا بانتهاء شَعْر العنكبوت، فقد أدرك الراوي أنه إن تزوج في قابل الأيام فلن يتزوج إلا وحدته وخياله، ذلك الخيال الذي لن يلبث أن ينمو من جديد.

من هذه الخيوط التسعة نخرج بخلاصة تقريبية، مفادها أن الراوي هنا بمثابة تخارج من ذات الكاتب، يعبر عن غربته في هذا العالم المحجوب عن الحياة الحقيقية بعماه، وصممه، وخرسه، وعرجه، ويطمح إلى تحقق لوجوده وحريته من خلال الحب. لكن الحب هنا ليس إلا حلمًا متفلتًا لا سبيل إلى اندراجه في عالم الحقيقة، وهو أقرب إلى محطة من الألم والعذاب قُدِّر عليه أن يمر بها.

من ليالي الحب إلى أسئلة الوجود الكبرى

والدور الإيجابي الذي يكتشفه الراوي بالصدفة، ودون روية، هو دور الخالق بالكتابة وحامل الرسالة، وفي الكتابة وحمل رسالتها يكمن جوهر الفعل الذي نتبين نحن القراء أنه لا يقدر إلا عليه. وأخيرًا، تتقاطع خبرة الحب مع الخبرة الدينية؛ ففي كلتيهما عودة حقيقية أو متخيلة إلى الماضي، وإهابة بالقدر والمكتوب، وشعور بالتسامي والرفع والبعث.

ولا يبعد أن يكون دوستويفسكي في هذا العمل المبكر قد استشرف آفاق رسالته بصفته روائيًا يخلق بالكلمة، ويتناول أسئلة الوجود الكبرى ومسوغات الإيمان بالغيب وتعلق الدين بالأخلاق في أعمال عظيمة مثل «الإخوة كارامازوف» و«الجريمة والعقاب». لقد وقف فعلًا على رؤوس هذه الموضوعات، فيما نعتبره رموزًا بعيدة الغور وفق هذه القراءة، وربطها بخبرة الحب ربطًا بديعًا، مكثفًا، مفعمًا بالألم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة