رواية «الصبيان ».. ج2

نبدأ من حيث انتهينا في الجزء السابق..

....

عاد نادر إلى المنزل، فوجد أمه تقف على الباب تنتظره بقلق، وعندما وجدته يجري فرحًا ويصيح: لقد نجحت يا أمي… أطلقت الزغاريد وتهلَّلت فرحًا وراحت تردد: الحمد لله يا ولدي.. ثم راحت تحتضنه وتقبِّله. خرجت سامية أخته من غرفة المطبخ وراحت تقبله هي الأخرى، راحت الأم سريعًا تعد أكواب الشربات بطعم الورد، توزعه على الجيران الذين تجمعوا لتهنئتهم بالنجاح، أخذ نادر كوبًا من الشربات وصعد إلى جدته السيدة فاطمة في غرفتها بالطابق العلوي للمنزل.

الجدة تجاوز عمرها ثمانين عامًا، ولكنها تتمتع بصحة جيدة وذاكرة حديدية، تعيش في عالم آخر غير عالمهم، تعيش مع ذكرياتها الطويلة للأحداث التي مرَّت بها منذ أن كانت طفلة صغيرة في القرية، كانت متعتها الوحيدة أن تحكي لنادر عن جده سالم شريك حياتها الذي رحل عن الدنيا منذ سنوات وعن طفولتها وشبابها.

عندما صعد نادر إلى الدور العلوي وجد الجدة تجلس في الغرفة بجوار الشباك الخشبي الصغير تطل منه على الشارع وعلى البيوت المقابلة لمنزلهم، وجدها نادر شبه نائمة، تتدثر بشال كبير من الصوف يغطي رأسها وتلفه على كتفيها، تمسك مسبحة بيضاء في يدها تتمتم بصوت خافت بأوراد تعلَّمتها منذ الصغر تدعو بها الله. ما أن أحست بوجود نادر في الغرفة حتى حدقت بعينيها ناحيته وقالت: تعالَ يا نادر يا ولدي أين كنت؟

قال لها نادر: لقد نجحت يا جدتي وحصلت على الشهادة الابتدائية.

فقالت له: نجحت في المدرسة؟ مبارك يا ولدي، تعالَ اجلس هنا بجواري، وأشارت بيدها على وسادة من القطن بجانبها.

أعطاها نادر كوب الشربات وقال لها: أحضرت لك شراب الورد الذي تحبينه، ثم ناوله لها.

قالت له: اجلس يا نادر.. جدك سالم كان سيفخر بك وبنجاحك.

قال لها: احكي لي عن جدي سالم يا جدتي، هل كان يشبه والدي؟

قالت: نعم يا ولدي، كان يشبه أباك تمامًا.. وقد ورث أبوك عنه كل شيء، حبه للعمل والأرض، وأخلاقه وطيبته، حتى صوته وطريقة كلامه عندما يتكلم أشعر بأن جدك هو الذي يتكلم. ثم قالت له: تعرف يا نادر، أنا فخورة بك لأنك نجحت في المدرسة، أريدك أن تذهب إلى الجامعة التي يحكون عنها في المدينة.

قال لها نادر: نعم يا جدتي أنا أريد أن أعيش في المدينة.

قالت له: المهم أن تكمل دراستك وتتعلم وتصبح دكتورًا أو مهندسًا… كان جدك يقول التعليم هو المفتاح الذي يفتح كل الأبواب. 

ثم راحت تروي له عن كُتاب القرية الذي كان يذهب له أطفال القرية ليتعلموا القرآن والقراءة والكتابة. قالت له: إن جدك سالم كان ذكيًا، حفظ القرآن وهو في سن التاسعة، واحتفل به شيخ الكُتاب وأهل القرية احتفالًا كبيرًا لفَّ القرية كلها، صوته كان جميلًا، حتى إن كل العائلات كانت تطلبه ليقرأ لهم القرآن. ذات مرة عرضوا عليه أن يذهب ليقرأ في الإذاعة، لكنه كان يحب الأرض والزراعة ولم يترك القرية يومًا.

قاطعها نادر قائلًا: أنا أحفظ سورة الفاتحة، وقل هو الله أحد، وسورة الملك مثل جدي، ولكني لا أحفظ أكثر من ذلك. لماذا لم يتعلم جدي في المدرسة؟

ابتسمت الجدة وقالت له: لم يكن في القرية مدرسة، بل كانت المدرسة بعيدة، في المركز، وجدُّك كان يعمل في الأرض، لكنه أيضًا تعلَّم من شيخ الكُتاب الأدب والشعر والأخلاق، نحن كنا نتعلم من الكبار، ينقلون لنا ما ورثوه من خبرات وتجارب في الحياة، كانت البيوت مثل المدارس، يعلم الآباء الأبناء ويربونهم كي يكونوا صالحين.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

رواية ممتعة تعود بنا إلى الزمن الجميل
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا حزيلا لك تحياتي 🌹🌹🌹🌹🌹
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة