رواية «الصبيان ».. ج1

قرية «شمندي» قرية صغيرة من قرى محافظة الدقهلية في الريف المصري، تُطل على نهر النيل، وتبعد عن مدينة القاهرة نحو مئة كيلو متر، يعتمد أهلها على الزراعة، وعدد سكانها لا يتجاوز عشرين ألف نسمة، بيوتها صغيرة لا تتعدى الدورين أو الثلاثة، معظمها مبني من الطوب اللبن والحجارة، شوارعها الترابية ضيقة حتى تكاد البيوت تلامس بعضها بعضًا، يتزاحم فيها البشر مع الحيوانات التي يربيها المزارعون في حظائر ملاصقة للبيوت. 

نادر، ابن الحاج حسنين الذي بلغ الثانية عشرة من عمره، يعيش في أحد بيوت القرية مع والده ووالدته وأخته سامية وجدته لأبيه السيدة فاطمة. 

الحاج حسنين والد نادر يعمل بالفلاحة في قطعة الأرض التي ورثها عن جده، ووالدة نادر السيدة إحسان ربة منزل ترعاهم وتصنع لهم الخبز والطعام، وترعى شؤون المنزل، وأخته سامية تكبره بسنتين لكنها لم تلتحق بالمدرسة؛ فأبوها يرى أنها من الأفضل أن تبقى في المنزل، تساعد أمها في أعمال المنزل، فهي تقضي معظم وقتها مع أمها وجدتها أو مع صديقاتها من بنات الجيران في انتظار أن تتخطى سن المراهقة وتتزوج كعادة بنات القرية.

نادر فتى قوي، درَّبه أبوه منذ الصغر على ركوب الخيل والرياضة، فكان يتمتع بجسم مشدود وعضلات أكبر من أقرانه؛ وهذا ما جعله مصدر حماية لأصدقائه عندما يتعرضون للتنمر أو مشكلات مع الآخرين، لكنه كان دائمًا يضيق بالبيت الصغير وشوارع القرية الضيقة غير الممهدة وملابس أهل القرية التقليدية، بل وبلهجة أهل القرية البسيطة.

وكان يجلس دائمًا أمام شاشة التلفاز يشاهد البيوت الفاخرة والشوارع النظيفة والسيارات الفارهة في الأفلام والمسلسلات، وبخلاف عشقه للتلفاز كان يحب أن يذهب إلى الحقل مع أبيه، يستنشق الهواء ويشعر بالفضاء الواسع، هناك كان دائمًا يغلبه النعاس وينام في هدوء. كم تمنَّى أن يبني أبوه بيتًا في وسط الأرض ليعيشوا فيه بعيدًا عن بيوت القرية، لكن هذا لم يكن ممكنًا حسب قوانين المحافظة كما أخبره والده.

يوم نجاحه في السنة الأخيرة من المرحلة الابتدائية ذهب يركض إلى الحقل ليبشر أباه، فوجده كالعادة يجلس تحت المظلة الخشبية في وسط الأرض، يرتدي جلبابه الأبيض وعمامته البيضاء، يمسك في يده كوب شاي يرتشف منه رشفات متقطعة يتلذذ بها، وأشعة الشمس تسقط على وجهه وتُظهر تجاعيد وجهه الذي اكتسب سُمرة من أشعة الشمس. كان وجهه يشبه الأرض في سُمرتها وخطوطها المتعرجة.

ما أن اقترب نادر من أبيه وأخبره بنجاحه حتى تهلَّل فرحًا، وراح يقبِّله ويثني عليه. بعدها مباشرةً طلب نادر من أبيه أن يفي بوعده له بالحصول على التليفون المحمول الذي وعده به حال نجاحه، وأن يذهب في رحلة إلى المدينة مع أصدقائه في المدرسة حسن وعبد الهادي.

والد حسن صاحب محل بقالة صغير في القرية، ووالد عبد الهادي سائق يملك سيارة أجرة ينقل بها الركاب من القرية إلى المدينة. ونادر وأصدقاؤه يقضون معظم الوقت مع بعضهم بعضًا، يلعبون الكرة أحيانًا ويمشون عند شاطئ النهر أحيانًا أخرى.

وعده أبوه أنه سيرتب له رحلة إلى المدينة أولًا، ثم يشتري له التليفون في وقت لاحق. وجم نادر قليلًا، وأحسَّ من كلام أبيه أن تحقيق أمنيته سيستغرق وقتًا وقد لا يتحقق، فكم من مرة وعده أبوه بعد النجاح في كل سنة أن يأخذهم في رحلة إلى المدينة، ولكنه تعلَّل بعد ذلك بالأرض ورعاية الأرض ولم يفِ بوعده، لكنه منَّى نفسه هذه المرة بأنه قد كبر وحصل على الشهادة الابتدائية، وهي شهادة كبيرة تستحق المكافأة.

يتبع...

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

في انتظار بقية الرواية الممتعة
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا لك خالص تحياتي
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة