رواية "السلطان".. روايات رومانسية ج3

(شاطئ البحيرة)

منذ أيام لاحظت الجارية أن السلطان أحياناً يختفي..

وهذا بشكل ما أصبح غير محبب لها، فحتى أقرب معاونيه لم يحطهم علماً أين يذهب..

فقرّرت تتبّعه لغرض أن تنال عيناها أبصاره، وينعم قلبها بالتمعن في حلو محياه..

وما إن خرج جموع رجال من قاعة اجتماع السلطان بوزرائه، حتى انتفضّت مختبئة بآخر الممر الذي تقبع القاعة بأوله..

انتظرت مغادرتهم وترقّبت خروج مبعثر نبضاتها، وها هو مرادها يُنال بالتقاط هيئته الهادئة مثيلة هدوء تعابيره..

يحادث أقرب معاونيه ومساعده يوشان، الذي وقف أمام السلطان حاجباً الرؤية عنها بجسده، لتعبس رقّة ملامحه، وتكنّ بعض الحقد لمساعد السلطان كونه يحجب عنها الرؤية ويراه هو.. 

لم يلبث الوقت للحظات إلّا ويوشان يودّع السلطان..

فيسير الأخير بالاتجاه الذي يخفيه عن أنظار الجارية لتسارع برفع ثوبها ذات الطيّات الناعمة..

بشكل بسيط وتهرول وراءه بمسافة شبه بعيدة لكيلا تُكشف وتوقفت، حالما توقفت خطوات السلطان الشاب..

أمام شاطئ يُذيب الرّوح بجماله المحبب للأعين، سرحت بنظرها حول جمال ما حولها غافلة عن تلك البسمة، وتلك الأعين التي لمحتها، وما أعادها من شرودها سوى الهمسة الخافتة..

"أحدهم يتطفل هنا"...

انتفضّت بفزع مبتعدة عن السلطان بضع خطوات كثيرة، تنظر له بهلعٍ فكيف أصبح خلفها وهي تقسم أنه كان أمام ناظريها، وثانياً لقد كُشفت..

وما إن أدركت ذلك حتى عانقت أنظارها الأرض محرجة من فعلها، فالسلطان سيغضب بلا شكّ..

أقدمت للتبرير بقولها: "أقسم أنا فقط أردت رؤيتك، أعتذر إذا برغبتي إزعاج لجلالتي"..

- "لا حاجة لقولكِ، فأنا راضٍ برغبتك التي أتاحت لعيناي رؤياكِ

أدارت وجهها عنه بعد ما رأته يُثبت مقلتاه عليها، حمحمت لطرد خجلها وأردفت:

- "يبدو أنك تأتي كثيراً إلى هنا جلالتي"...

همهم لها مقترباً بخطواته وأدلى بسؤاله وَدَّ وبشدة إدراك إجابته "أتعجبك مراقبتي؟، أتشتاقين لرؤيتي؟

أو لها الإنكار، تبعثُر ملامحها وتلعثم لسانها خير دليل على ذلك، ولكن ليست بجرأة للتصدي بكلامه..

فحاولت قدر ما استطاعت التعبير عن مكنونها..

- "ليس الأمر كذلك، فـ..فقط أحب رؤيتك، وعيناي تتوق أبصارك كلما ابتعدت عن مداها".

أرضته الإجابة، وأدلعت لهيب فرح بقلبه فسَعُدَ كيانه، وأجابها لكن بطريقة يهواها كله مجيباً على سابق سؤاله:

- "آتي إلى هنا حينما أكون بمزاجٍ متأمل، ويبدو أن عيناي تاهت بتأمل زهرة تقطر رقة تروقني"...

(برج النجوم)

كَثرت اللقيا بين الجارية الجديدة وجلالته، أو لنقل جلالة قلبها، القرب محبب لكليهما، فجلالته يأنس بصحبة ناعمة الهدوء والرقة..

وتُنار روح الجارية بحلاوة القرب لرجلها، فأجل أصبحت في السر تنسبه لنفسها، ويا للأماني ألا ليتها تُحقق...

وكانا كسابق الأيام القليلة منذ يوم الشاطئ، ترافق السلطان في مفضل أماكنه والأحاديث بينهم تُحكى..

رغم أن الغيرة أصبحت تتملكها بشدة مذ أن السلطان لطيف مع كل نساء القصر، بل وبعضهن اعترفن له..

حتى إن بعض الأميرات كن هن من عرضن عليه الزواج، وذلك يغيظها ودوماً تقول في نفسها، لا أعلم لما يجيبهم 'سأفكر'، هل سيتزوجهن كلهن مثلاً لما لا يرفض بهدوء وحسب..

بعلية المنارة خاصّة علماء الفلك في القصر كان يجلس كلاهما بشرفة منظار النجوم..

وكعادة داومت عليها الجارية فتطهو ما رغب ولذّ لجلالته التذوق، التفاح المنقوع بماء الورد والعسل..

كان يزور ثغر جلالته من صغير أناملها بخجل تلبية لطلبه..

وذلك لم يزده إلّا شروداً بها، وهل للتهرّب من نظراته لها مَفر؟

فها هي تخلق حديثاً تطلب به تخفيف سطو سوداء عيناه عنها..

- "يبدو أنك تحب الأماكن الهادئة جلالتي، فأنا أراك لا تختلي بنفسك سوى بأشباه مكان كهذا" .

يغمض عينيه متمعناً في تراتيل حروفها بصوتها الندي على مسمعه، وليس له غير الإجابة بغزل يرضيه بخجلها؟

- "ومن لن يحب الهدوء المريح بليلة تتلألأ بها النجوم في السماء، مع عذوبة ورقة وردة أذابت قلبي".

ابتسمت وتورّد قطنتيها ناله جلالته ورضى، ومع هروب مقلتيها من سلطة خاصته اتلت:

- "في كل مرة أعرفك بها أكثر يزداد انبهاري بك أكثر أجدك مسالماً لحد بعيد، لا أستعجب حب رعيّتك الكبير لك جلالتي

لكنه لا يصعب عليه جذب رقيق نظراتها لخشونة ودفئ خاصته بقوله: "أما أنا فانبهاري بكِ كان عندَ أول لمحةَ 

أدْرَكَتْكِ فيها عيناي، كنتِ كالإبرة المفقودة وسط كومة قشٍ وـنا من وجدتها، ويحي لنبضٍ هزّني عند رؤية بائعة القماش".

"أتريدين الاقتراب أكثر، لرؤية النجوم".

ـــــــــــــــــــــ

سلامي.

 

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة