رواية الرعب القادم الجزء الرابع

ففتح زجاج النافذة وأحضر كشافاً صغيراً، وبدأ ينظر موجهاً كشافه لكل الاتجاهات..، ولكن لم يصل لشيء 

وقبل أن يدخل يده الممسكة بالكشاف من النافذة إلا ووجد يد رهيبة تمسك معصمه بقسوة 

فصعق ناجي وتخشب هاربة دمائه من عروقه.. حاول أن يخلص يده من تلك اليد، ولكن بلا فائدة وكأنها كماشات حديدية

اقترب صاحب اليد من الضوء بداخل النافذة...، ذلك الشيء الذي كان معلقاً على حائط البناية من الخارج وكأنه حيوان من الحيوانات القارضة.

اقترب صاحب اليد من وجه ناجي الذي أغمض عيناه في رعب لا يوصف وكأنه طفل صغير يشاهد مشهداً لفيلم مرعب ولا يستطيع أمام فظاعة الموقف والفزع والرعب، غير أن يغلق عيناه.

شعر ناجي بأنفاس ذلك المخلوق الممسك بمعصمه تحف وجهه

كانت أنفاسه باردة كبرودة القطب الشمالي...، ورغماً عن رعبه وأصالة فزعه التي كانت ضاربة في هيكله الإنساني.

فتح ذلك المنحوس ناجي عيناه وهو يرتعش ويكاد قلبه أن يتوقف أو يقفز من بين أضلعه من شدة وسرعة ضرباته.

نظر ناجي للممسك بيده ليصرخ بشدة صرخة رهيبة من شناعة المسخ السابح أمامه في الهواء..!

وأصبح المشهد كأنه لقطة من فيلم يعاد ثم يعاد ثم يعاد... .

ناجي لا يسكت ولا يتعب من الصراخ، والشبح أو العفريت أو المسخ لا يترك يديه... "وكل منهم رأسه وألف سيف لكلامه هو الذي يجب أن يمشي".

وفجأة صرخ الشبح في ناجي صرخة أرعبته وجعلته يبلع صراخه في قلبه

صرخ الشبح وهو يقول لناجي في ضيق واضح: "يكفي صراخ صراخ، يكفي" أنت ماذا... ألا تتعب!

نظر ناجي بشدة لذلك الشبح فتأكد أنه ينظر لشبح امرأة وليس رجل.

أكمل الشبح كلامه بصعوبة بذلك الفم الخاوي من الأسنان، وذلك الفك الساقط

قائلاً: ما الذي تفعله في الدنيا يا ناجي؟؟

رد ناجي وهو كالنائم المرعوب من ذلك الكابوس الزاحف نحوه قائلاً: إلى الآن أنا بخير...، لكن من حضرتك، من أنتِ يا خالتي؟ وتعرفينني من أين!!

ضحك الشبح بشدة قائلاً: ليس وقت الكلام الآن... كي لا يطرق الجيران عليك الباب فقد أقلقتهم بشخيرك...، اسمعني جيداً اذهب وسافر إلى بلدكم الذي فى الصعيد، وهناك ابحث في غرفة النوم التي في بيتك وسوف تجد دولاباً من الدواليب الذي في غرفة النوم في الأسفل مذكرات جدك.. وسوف تعرف كل شيء منها.

فجأة سمع ناجي خبطات متسارعة على باب شقته فنظر للشبح السابح في الهواء فلم يجده.لقد اختفى أو تبخر أو ذاب، المهم أنه خرج من إطار المشهد الآن وأصبح البطل وحده.

تنفس ناجي بصعوبة غير مصدق لما حدث معه، وبعد ثوان قليلة أسرع ففتح باب الشقة، ليجد جيرانه متلهفين منزعجين من أجل صرخاته التي رنت في منتصف الليل، ولم يكن يعلم ناجي ولا حتى مؤلف القصة هذه بأن تلك الصرخات لم تكن سوى البداية، بداية الطريق الذي وجد بطلنا نفسه في أحداث لم يكن يريد أن يكون في وسطها، ولم يكن المؤلف يريد ذلك أيضاً  ولكن ماذا سوف نفعل.....، هذه هي الدنيا أيها المسافر وحدك...، ومعك عفريت.

استقل ناجي قطار منتصف الليل بعدما حصل على إجازة طويلة من العمل وجلس في مقعد رقم 13 من مقاعد أول عربة مكيفة...، وهام مع أفكاره وسبح وغطس أيضاً، باحثاً عن سر كل أحداث الأيام الماضية وكيف أن تلك الاحداث التي حدثت معه لم تحدث طيلة أعوامه كلها.. فحياته كانت سلسله متصلة من الفتور والملل..، فاليوم مثل الأمس، وغداً سيكون مثل اليوم الذي كان مثل الأمس، ولكنه كان يعيش على الأقل بعقله، أما الآن فقد تغير كل شيء، وأصبح بطلنا المنحوس يعيش أياماً هي الكوابيس بعينها...، لا يعرف لما يحدث معه كل هذا وكل تلك الأحداث لا تتوافق مع بعضها إلا في شيء واحد، وهو حدوثها بعد مقتل صديق عمره فهمي.

كان صاحبنا منشغلاً بكل تفكيره وروحه مع تلك الأحداث، ويحاول أن يجد سبباً مقنعاً غير أصالة نحسه فلم يلتفت للجالس جواره إلا بعد ما سمع تلك الكحات الرهيبة التي تخرج من حنجرة ذلك العجوز الذي يناهز عمره المائة عام وأكثر...

نظر ناجي بأشفاق للعجوز فوجده سيختنق من شده الكحات فقال له: هل هناك أمر ما يتعبك يا جدي؟

نظر العجوز بعيون إنسان مات منذ أمد..، فعيونه ليس بها بريق الحياة بتاتاً..، وهو ما جعل ناجي ينتفض رعباً، ولكنه تماسك قائلاً لنفسه: هذا من فعل الأوهام والأحداث والظروف التي يمر بها

تكلم العجوز قائلاً: لا يا بني..، أنا فقط بحاجة إلى كوب من الماء من أجل أخذ حبة الدواء التي لدي، ليلعن الله المرض وكبر السن 

تلفت ناجي حتى لمح جهاز للمياه بآخر العربة فقال للعجوز: حسناً ثانية واحدة.

وقام من مكمنه وذهب محضراً المياه للرجل.

ولكنه عندما عاد وجد الرجل ليس في مكانه، ووجد نافذة القطار الذي كان العجوز يجلس بجوارها مفتوحة

فارتعب ناجي بشده ناظراً من النافذة..، ووجد العجوز هذا سابحاً في الهواء وابتسامة رهيبة ماكرة ترتسم على شفتيه، فسقط الكوب من بين أصابع ناجي الذي جلس في تعب من تلك المواقف التي ستتسبب في انتحاره أو جنونه أو أيهما أقرب

فأصبح عقله لا يستطيع أن يبرمج بداخله كل تلك الأحداث المرهقة والمتعبة، بل إن الأحداث مرعبة حتى الموت

عاد ينظر للشبح الطائر في الخارج، ولكنه لم يجده في الهواء بل وجده يجري بسرعة رهيبة..، كأنه صاروخ مجنون يهم أن يصطدم بالقطار ليفجر

كان ناجي يشاهد هذا السباق الغريب بين القطار وبين ذلك المرعب الذي يعدوا كالقذيفة بجوار القضيب

حتى أحس بيد تمسك بكتفه، فانتفض ناجي ناظراً خلفه، ووجد مفتش القطار وهو يقول لناجي: إذا تكرمت هل من الممكن أن تقفل النافذة...، من الممنوع فتح النوافذ

أشار ناجي ناحية العجوز قائلاً: ألا ترى ما أشاهده في الخارج؟ 

تلفت المفتش للخارج ملوحاً: هل ترى لأول مرة الغيطان والخضرة

رد ناجي بنفاذ صبر صارخاً في الرجل: أيها الرجل هناك حاجة أخرى غير الخضرة والغيطان، انظر جيداً....

عاد المفتش للنظر خارج النافذة واشرأب برأسه بشدة، وفجأة أتت يد رهيبة قابضة على رقبة المفتش خاطفة جسده لخارج القطار...، فصعق ناجي وهو يرى الرجل يدهس تحت عجلاته الرهيبة فصرخ بش غير مصدق لما يحدث أمام عينيه 

تماسك ناجي بسرعة، وقام من مكانه وسحب يد الطوارئ للقطار فهدأ القطار وتوقف، وحصل هرج ومرج لكل ركابه

نزل ناجي بسرعة من القطار باحثاً عما تبقى من جثة الراحل المغفور له المفتش فلم يجد شيئاً، بل وجد بعض الركاب ومعهم السائق وهم يجرون ناحيته صارخاً فيه السائق: ماذا هنالك أيها الأستاذ؟؟..، كيف تشد زر الطوارئ هكذا...، لله الحمد أن القطار لم ينقلب

رد ناجي في تردد قائلاً: إذا سمحت إن المفتش قد وقع واندهس تحت العجل

نظر السائق بشدة لناجي هاتفاً فيه: ما الذي تقوله أنت، أم أنك قد شربت شيئاً ما أم أنك تشعر بالهلوسة؟!!

صرخ ناجي في السائق قائلاً: أنا متأكد من كلامي.

فصرخ أيضاً السائق: وأنا متأكد أنك إما شخص تهلوس، أو مجنون...، السيد المفتش يقف أمامك ها هو 

وفعلاً أشار للرجل الواقف بجواره.... فصعق ناجي 

ناظراً للمفتش قائلاً: نعم هذا هو المفتش الذي وقع من النافذة..، واندهس تحت عجلات الحديد!!

كيف هذا؟!!...، لقد شاهدته وهو يموت..، وهو يتقطع تحت العجلات!!..، هذا ليس ممكناً!!!

وضرب السائق والمفتش كفاً بكفٍ على شباب هذه الأيام، والذين قامت الأفلام بتخريب عقولهم

وبعد أخذ ورد، عاد الجميع للقطار وسار في طريقه

جلس ناجي منهك النفس والقوة من تلك اللعنات التي تنهال عليه من كل جانب

وغفل صاحبنا دقائق قليلة، حتى سمع صوت صرخات تتعالى من الركاب ففتح عيناه ليجد القطار يقف والجميع يهرول للخارج

فخرج معهم وهو لا يعرف ما الذي حدث

واقترب ناجي من تلك الحشود الواقفة...، ثم نظر بصعوبة..، إلى ما ينظر إليه الجميع

وسقط المنحوس فاقداً للوعي من هذا المنظر البشع للمفتش الذي تقطعت أوصاله، ودهس تحت عجلات القطار وللمرة الثانية.

يتبع...

بقلم الكاتب


كاتب و روائي و باحث هاوي عما هو وراء الكون و ما وراء الطبيعة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Apr 6, 2021 - زين العابدين طالب عواد
نبذة عن الكاتب

كاتب و روائي و باحث هاوي عما هو وراء الكون و ما وراء الطبيعة