في غرفة الضيوف يجلس أبو عبد اللطيف وإلى جانبه أم عبد اللطيف تعاين الهدايا التي أحضرها، وتريها لأمل، ونبيل وسيف وفيصل وعبد اللطيف يبتسمون، وهو يتحدث عما مر به في سفره.
تنزل سعاد وبيدها سارة تسلم على حماها ويمد يده ليحمل سارة، يحملها تبتسم، ويداعبها بلطف، يتناول لعبة على شكل بطة تصدر صوت بطة إذا ضغط عليها، فتعقد حاجبيها بضيق، وتتنفس بكدر، تحدجها أم عبد اللطيف بنظرة حادة، وعبد اللطيف يومئ برأسه بانزعاج.
تشعر بالغربة بينهم، تشرد ثواني وهي تفكر بذكرى العيد حين جلب لها والدها لعبة عروس بشعرها الأشقر، وكم كانت أمها تخيط للعبتها فساتين وتلبسها إياها، تنحدر دمعة دافئة على وجنتها، تشيح بوجهها، تأخذ سارة وتصعد إلى غرفتها، تضع سارة في مهدها وتغطيها، تدير ظهرها وتقعد على الكرسي، تفتح التلفاز وتسند رأسها إلى الخلف.
عند الساعة العاشرة يدلفان إلى غرفة النوم، أم عبد اللطيف تجلس على السرير يبدو عليها الانزعاج، يخلع ثيابه ويعلقها على الوتد خلف الباب، يجلس في جوارها بانبساط لتعقب بغيظ:
- هل رأيت زوجة عبد اللطيف، مغرورة بنفسها، لا أدري علام؟
تفرد رجليها وتعقدهما وتهزهما بتوتر، ويجيبها:
- يا بنت الحلال، هذه فتاة مسكينة على نيتها، دعيها وشأنها، كان الله في عونها، أهلها تخلوا عنها..
تحدق به بحنق:
- حميد ما بالك؟ دع النفس تطيب عليك، أي مسكينة هذه؟ نحن المساكين، انظر حياة ابنك، حوّلتها إلى نكد وغم.
يثب قلبه خوفًا محاولًا ترضيتها:
- عفيفة، هدئي من روعك، أخاف عليك، أريحي بالك.
- حسبت أنك تقف في صفها، لم تعرف أمينة كيف تربيها.
- نعم، صدقت يا أم عبد اللطيف، تربيتها فاشلة، لقد ابتلينا بها والله.
- أتحسر على نفسي وأنا أنظر إلى كنات أخواتي متوافقات معهن كالحرير على البدن.
- أم عبد اللطيف، دعينا ننسى مشكلات الأولاد، لقد اشتقت إليك، يكزها بكوعه، ألم تشتاقي لي... ها؟
تزفر زفرة طويلة:
- أوووه يا حميد، أين أنا وأين أنت؟
تدير وجهها إلى الجهة الأخرى مغمغمة بعبارات غير مسموعة، ويتربع ويثني رجله يسندها على قدمه، ويضرب بكفه على ركبته مزمجرًا.
الساعة الواحدة صباحًا، عبداللطيف غارق في نومه، وهي تحدق بالأخبار، أصوات الأطفال والنساء تتعالى، بيوت مهدمة وسيارات الإسعاف تنقل الجرحى والضحايا، رجال من الدفاع المدني تنتشل الجثث من تحت ركام البيوت والمنازل محدثة نفسها بحزن:
- إلى متى هذا الظلم؟ بئس متاع الدنيا الذي يجعلنا نتخلى عن إخوتنا، الهم واحد والله يا إخوتي، اللهم فرجها عليَّ وعليهم...
يفز من نومه، ويتثاءب ويهرش شعره:
- أريد أن أنام، أطفئي التلفاز وهذه الأنوار...
تحدق به وتشمئز وتلوذ بالصمت، ويقطب حاجبيه باستهجان:
-لماذا لا تردي؟ ها...
- اخفض صوتك كي لا توقظ سارة.
- ما الذي تشاهدينه على التلفاز؟
يتطلع ويصوب نظره إلى التلفاز:
- آه الأخبار، بالله عليك دعينا من النكد، يا ألله، كم تحبين الغم والنكد؟
ترد بانفعال:
- ابق أنت للنوم والأكل ودع هذه الأمور للرجال.
- أف لك ولكلامك، اللهم مرّر هذه الليلة على خير.
- اقرأ أيضاً رواية الأيام بيننا الجزء الأول
- اقرأ أيضاً رواية «الأيام بيننا ج151».. روايات اجتماعية
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.