لا يمكن للقبح إلا أن يعكس كل القبح، والمرايا الصدئة تعكس صورًا مشوهة مثلها أو لا تعكس أية ضوء فتضيع الصورة.
حضر لي صديق طفولة من بلاد الشرق الأقصى من الصين، لم أره منذ خمسة عشر عامًا، منذ أن غادر البلاد هو وعائلته، وتوقفت الأخبار عنهم بعدها.
سنوات غياب كثيرة لم نعُد أطفالاً، تغيَّرت ملامحنا. ولولا حضوره إليّ حيث أقيم في ذات البيت منذ طفولتي، لما عرفتهأو عرفني، حتى وإن التقينا صدفة وجهًا لوجه في طريق ما.
لا أتذكر الكثير، ولكن أتذكر إحساسي وفرحتي بصحبته، فقد كنا نلعب ونتعلم ونركض ونأكل معًا، منزلي منزله، ومنزله منزلي لم نشعر ولو مرة واحدة أننا غريبان عن بعضنا.
كانت والدته تقدِّم لي الحلوى الصينية التقليدية التي تصنعها في مطبخها كل ما مررت بهم، وتعطي لي صحنًا مليئًا بها لوالدي، وكذلك والدتي تقدم له كل ما طاب وقتما تواجد أو جاء يلعب أو يذاكر دروسه معي في غرفتي.
كانت أسرته تسكن في الجوار، وكان منزلهم على مساحة أصغر قليلاً عن منزلنا، لسنا كأسرتين على نفس العقيدة إلا أننا على وفاق كبير، ولم أكن مدركًا لأية فروق، ولا حتى أعلم ما تعنيه وقتها كلمة عقيدة.
جمعتنا مكارم الأخلاق وجواهر القيم والإنسانية.
والد صديقي يعمل في تجارة الحرير الطبيعي ويحقق ربحًا واسعًا، عُرف بين الناس بإحسانه وكرمه وسمعته الطيبة، فكان يُضرب به المثل في الأخلاق والأمانة والنزاهة، ولم يحاول أبدًا تغيير محل سكنه لارتباطه الكبير بأهل الحي وصداقاته ومنها لأسرتي، إلى أن اضطرته الظروف للعودة لوطنه الأم.
نعم، كان مؤدبًا جدًا وشديد التهذب وكذلك صديق طفولتي.
أحضر لي في زيارته من الشرق الأقصى كل الخيرات من أقمشة حريرية وعطور وبهارات وأعشاب. وبالطبع مكث معي في منزلي أيامًا عديدة، كنتُ أستيقظ على رائحة زهور فجرًا وهو يحرق بعد الأعشاب العطرية ويمارس في هذا الجو الساحر بعض طقوسه الصباحية وعباداته واليوجا، فأسمع تراتيل وترانيم وهمسًا خافتًا يبعث في النفس طمأنينة، غمغمة وتمتمة مهدئة للروح وبلسم لها... وبعد الانتهاء يذهب ليعدَّ الفطور لنأكل معًا.
حتى جاء يوم الجمعة، أخذت حمامي استعدادًا للذهاب لصلاة الجمعة، قرَّر صديقي الذهاب معي، وللحق، لم يكن له أن يأتي أبدًا.
فقد منعه المصلون من أداء طقوسه داخل المسجد أثناء صلاتنا وقاموا بضربه وطرده.
-وماذا فعلت أنت حيال ذلك؟ سأل الحكيم.
-لم يلتفت لتحذيري له بعدم الحضور، ولكنه لم يعِ قائلاً إنه يسعده مرافقتي، حزنت بشدة لإصابته عندما قام أحدهم برمي حجرة في وجهه أصابت عينه اليسرى... ولكنه أيضًا قد أخطأ حين بدأ في شعائره داخل المسجد... كان عليه أن يحترم قداسة المكان وطهارته.
-ربما أراد أن يشاركم صلاتكم بطريقته، ولكنه نال جزاءه على خطئه وحسن نيته، جيد أنك لم تضربه معهم... ابتسم الحكيم.
- أتتفق معي في ذلك أيها الحكيم؟
- الناس تثار وتتحمس عندما تظن أن عقائدهم تهاجم، هم لا يقبلون التحدي، يقاومونه فقط... رد الحكيم.
-أشعر بتأنيب الضمير، أبكي داخلي حزنًا منذ أن رحل عني وعاد من حيث أتى دون كلمة عتاب واحدة..
ما يقتلني دماثة خلقه، أتساءل كثيرًا، ألا يغضب؟ ألم يحزن على فقد عينه وقد أصبح أعورًا؟ أم هل كان استفزاز الجميع متعمدًا منه حين دخل المسجد وأقام صلاته؟ لم يفقد عقله، لم يثأر لنفسه أو حتى يدافع عنها؟!
- كفى أرجوك... أتعرف من الأعور هنا؟ اسمعني، إن أخطأ الصيني فخطيئته أنه أكثر وعيًا، وأصدق تدينًا.
-كيف ذلك؟ ألم أقل لك عن فعلته داخل المسجد؟
-إذن أخرس ضميرك! ماذا فعل الرجل؟ أقام الصلاة ! ليكن؛ الحقيقة داخل نفسك استمع إليها، أو لا تحدثني عن نفسك اللوامة؟! رد الحكيم ثم أردف حديثه قائلاً:
ألم تقرأ لسلطان العارفين أبو يزيد البسطامي -رفع الله قدرة- حين كتب عن حديث راهبة الدير "طهر قلبك وصلّ حيث شئت" .يا أخي: إن الروح والعاطفة الدينية ستحول أي مكان إلى قداسة.
ويمكن للعقل أن يحول أي مكان مقدس إلى لا شيء، في نفس التو واللحظة!
إذا ذهب مسلم متدين إلى الكعبة فهو في مكان مقدس، لكن إذا ذهب إلى كنيسة أو معبد فهذا ليس مقدسًا له.
أرأيت؟
كل المباني متماثلة، مجرد مبانٍ، مظاهر بشرية، عقلك هو الذي يغير المكان ويمنحه القداسة أو يسحبها منه، بينما المكان قائم.. لا حول له ولا قوة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.