رواية ابْن المَصْلوبة


الحلقة (1)

أشعلتْ هُدى عود ثقابٍ عند عتبة باب الظّلام الكثيف؛ هدى طفلةٌ بقلبٍ ساطع، مخلوقٍ من بهجتنا الأزليّة، كان رأسها بريئاً، لكنّه مسكونٌ بتساؤلٍ ثائرٍ قلِق: "تُرى؛ ماذا يخفي صندوقها القديم الموروث عن أمّها"؟

بحدسٍ لم يخطئ، عرفت هدى أنّ جدها دسَّ المفتاح بين بقايا كتابٍ بهتت حروفه، وتآكلت أوراقه، مُلقى في حجرةٍ مهجورة.

ريحٌ عاصفٌ تزمجر، الباب ضيقٌ منخفضٌ والحجرة رزيّةٌ متعفّنةٌ في بحر رطوبةٍ خانقةٍ تغرق في بردٍ قاسٍ ممتد، انطفأت شُعلة العود الصغيرة قبل أن تصل يد الطفلة المرتجفة إلى المفتاح الصدئ.

تعثّرت قدم ابنة الأحد عشر عاماً بكتلةٍ حجريّةٍ ضخمةٍ مُسنّنة، فكادت أن تهوي على وجهها، لكنّها استردت ثباتها، وحفظت اتّزان جسدها اللدن الممتلئ بشهوة طفولةٍ مشوّشة.

 مدّت ذراعها، وتحسّست أناملها المكان لعلّها تصل إلى المفتاح المدفون في الكتاب المُهترئ القديم، جالت أصابعها بين الأشياء المبعثرة في فوضى تختبئ فيها أمواس حلاقة أخٍّ لها، كانت ذكورته قد شرعت تعلن عن نفسها، خنقت صرخة ألمٍ لكيلا تفضح جرأتها المبكّرة.

أدمى الموس الذَّكريّ العريان إصبع التًشهد في يد هُدى اليمنى؛ سال دمٌ غزيرٌ منه، أحسّت بدفئه يغطّي راحة يدها.

حاولت أن تُشعل عود ثِقابٍ جديد، أخرجت عُلبة عيدان الثّقاب من جيب ثوبها المشدود على صدرٍ بدأ يُنْبِئ قبل الأوان بأنوثةٍ واعدة.

لم تعد عِيدان الثِّقاب صالحةً للاستعمال بعد أن تخضَّبت بدمٍ لا يزال ينزف من إصبعها، ويزحف إلى الكفّ الناعمة.

ضمَّت كفَّها الغريق في دمه إلى بطنها، فتخضّبت بدمٍ زاد فانساب فمرّ بزاويتها المختومة المحجوبة بغلالةٍ من قماشٍ أبيضَ شفّاف، فتلطَّخ البياض الأزليّ بموسٍ؛ أدْمَى البراءةَ الربانيّة في بحر الظّلامة الذُّكوريَّة.

لم يتوقف نزيف الدّم الأنثوي البِكر، أمّا هُدى فحملتها ملاك الرحمة إلى نومٍ عميقٍ شفّافٍ فوق الأرضيَّة العارية الخشِنة للحجرة التي يصلها بالسّماء المطلقة نافذةٌ تعوَّدت هدى أن تنام دون أن تغلقها.

قبل بزوغ فجر يومٍ جديد، عقدت هيئة ذكور أسرة الطّفلة جلسة محاكمةٍ عاجلةٍ قررت حرمان هُدى من متابعة دراستها، وحبسِها في ركنٍ من الحجرة التي كانت لا تزال راقدةً فيها، مع إغلاق النّافذة بالطّوب الأسود، وإغلاق الباب من الخارج بالمفتاح الذي دسّه الجدّ في جيب سرواله، وبعد تلاوة القرار المنسوخ عن أصلٍ مكتوبٍ منذ أزمان، بدأ الشُّروع الفوري في تنفيذه.

وفي دقائق قليلةٍ كان الطّوب غيرُ المُنسّق قد بدأ يحجب هُدى وراء كثافةٍ مظلمةٍ تمتد جُذورها إلى قاع عصور الغاب البشرِي!

تململت الطّفلة في مرقدها، ولكنّها واصلت النوم: "لم يبدأ النًهار بعد!"؛ قالت لنفسها. والحُلْم الذي رأته بهيجاً وتمنّت لو عاودها؛ فلم تكن قد شاهدت غِزلاناً تمرح في البَرِيِّة الربَّانيّة الحُرّة المُتنوِّرة من قبل، لديها ولعٌ بهذا الحيوان الجميل النّافر الذي ينطلق في الأفق المكاني والزماني المفتوح، كما تعرف من مطالعاتها الواسعة، هي شغُوفةً أيضاً بزوجين من حمام يُعشعشان في ثغرةٍ أعلى الجدار الشرقي لغرفتها، مع زغلولين لا يزالان زُغْبا؛ وهي شَغوفةً بجروةٍ صغيرةٍ لا تكاد تفارقها.

هدى وحماماتها وجروتها أعضاءٌ في أسرةٍ مُتحابّةٍ مبتهجة، تُجمع معهم شجرةٌ من الورد الجُوري البلدي ذات أغصانٍ تتزيّن بورودٍ ذات ألوانٍ ساطعة، رائحتها طيّبة ونفّاذة، وثُعبانٌ أبيض لامع الجلد يسكن الحجرة التي صارت منذ اليوم سجناً جسديّاً للفتاة الصّغيرة.  

أطلقت الجَروة صوت نُباحٍ حزينٍ خافِت بدرجةٍ لم تُقلق نومَ هُدى، وهدل زوجا الحمام، وزقْزق الزغلولان، وصادف ارتفاع فحيح الثعبان وإحكامه الالتفاف على بيضٍ وضعته حيّةٌ واستأمنته عليه، وسَعَت في الواسع.

وفي وقت الفجر قبل الصّباح الأول للسجينة هُدى، أبرزت وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة والمقروءة الموالية لسلاطين العالم خبراً قال: إنّ أجهزة أمن الكرة الأرضيّة، وفي تنسيقٍ غير مسبوقٍ بينها؛ أُجهضت أخطر مؤامرةٍ كان هدفها الإطاحة بعروش الملوك جميعهم الوطيدة والقديمة؛ وذلك قبل لحظاتٍ وجيزةٍ من تنفيذها، وأعلنت بياناتٌ رسميّةٌ صدرت في كلّ العواصم: "أنّ عناية اللّه وحده أنقذت الشّعوب كلّها من كارثةٍ كادت أن تسحق الكيان البشري برمته، وأن تُهدم إنجازاته الحضاريّة الذُّكوريّة كلّها".

 داعبتها غزلان المنام مرّةً أخرى.

الغزلان تنطلق ببهجةٍ في وادٍ أخضر مُزهرٍ ظليلٍ تجري فيه أنهارٌ تنساب برقّةٍ على أنغام موسيقى كونيّةٍ تحت سماءٍ مفتوحةٍ مُشرقةٍ مُضيئةٍ صافية!

بقلم الكاتب


مفكر وأديب واستشاري نفسي روحي وأساليب حياة سليمة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مفكر وأديب واستشاري نفسي روحي وأساليب حياة سليمة