هذه الرواية لا تحكي عن جريمة قتل بقدر ما تكشف حاجتنا المستمرة إلى القتل بعد وقوعه. الفاطمي لا يُقتل مرة واحدة، بل يُعاد قتله بالسرد، وبالذاكرة، وبالتأويل.
العنوان نفسه جرح مفتوح، لا يحدد زمنًا بل يراكم أثرًا، ويحوِّل الاسم إلى علامة على إنسان قابل للإقصاء في أي لحظة. السرد متشظٍّ، قلق، يرفض الطمأنينة، لأن الغياب لا يُستعاد بحكاية مستقيمة.
الرواية لا تراهن على الحقيقة الواقعية، بل على هشاشتها، وتلجأ إلى الرمز حين تفشل الوقائع في تفسير الألم. أما اللغة، فتتحول من أداة حكي إلى فعل إنقاذ: محاولة أخيرة لحماية المعنى من التبسيط.
الفاطمي ليس بطلًا ولا ضحية فقط، بل مرآة لإنسان يمكن قتله لأنه مختلف أو مزعج أو غير قابل للترويض. لهذا تستحق الرواية أن تُقرأ: لأنها لا تقدم عزاءً، بل تترك السؤال حيًا.
نبذة عن الكاتب
نزار شقرون هو كاتب وشاعر وروائي، وناقد فن تشكيلي تونسي بارز، وُلد في مدينة صفاقس عام 1970.حاصل على الدكتوراه في علوم وتقنيات الفنون (اختصاص نظريات الفن) من المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس عام 2007، ونال درجة التأهيل الجامعي وأصبح أستاذاً محاضراً في عام 2015.

المسيرة المهنية
- عمل أستاذاً جامعياً، وانتُخب مديراً للمعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس عام 2011.
- عضو في اتحاد الكتاب التونسيين.
- له تجربة إعلامية من خلال إنتاج برامج إذاعية ثقافية وفنية في إذاعة صفاقس منذ التسعينيات.
الإنتاج الأدبي والفكري: تتسم مؤلفاته بالتنوع بين الشعر والرواية والنقد، ومن أبرزها:
- في الشعر: «هوامش الفردوس»، «ضريح الأمكنة»، و«ضلالي من هداي».
- في الرواية: «بنت سيدي الرايس»، «الناقوس والمئذنة»، و«دم الثور» (التي تخيل فيها باباً مفقوداً من كليلة ودمنة).
- في النقد والفكر: ركزت كتبه على فلسفة الفن والحداثة المعمارية، مثل «معاداة الصورة في المنظورين الغربي والشرقي» و«نشأة اللوحة في الوطن العربي».
يُعرف نزار شقرون بأسلوبه الذي يجمع بين البحث الأكاديمي الرصين والإبداع الأدبي، مع اهتمام خاص بالتاريخ الجمالي والفني في المنطقة العربية.
«أيام الفاطمي المقتول»: ماذا يفعل القتل بنا حين نقرأ؟
لا تدخل رواية «أيام الفاطمي المقتول» إلى القارئ من باب الحكاية، بل من ثغرة أعمق: ثغرة السؤال.
فمنذ الصفحات الأولى، لا يبدو القتل حدثًا سرديًا مكتملًا، بل حالة معلَّقة، كأن النص لا يريد للميت أن يستريح، ولا للقارئ أن يطمئن.
نحن لا نقرأ عن قتيل، بل نقرأ عن إنسان يُعاد قتله باللغة، وبالتأويل، وبالذاكرة.
هذه ليست رواية تبحث عمَّن قتل الفاطمي، بل عمَّن يحتاج إلى موته، ولماذا يستمر هذا الاحتياج حتى بعد اكتمال الجريمة.
العنوان: حين يتحول الاسم إلى جرح
لا يبدو العنوان «أيام الفاطمي المقتول» توصيفًا زمنيًا بقدر ما هو نصب تذكاري لغوي. فـ «الأيام» لا تُحصي زمنًا، بل تحصي أثرًا، و«الفاطمي» لا يُقدَّم بوصفه شخصية مكتملة، بل بوصفه هوية قابلة للاستنزاف؛ أما «المقتول» فلا يُغلق الدلالة، بل يفتحها على مقتلٍ يتكرر.
العنوان، بهذا المعنى، لا يسمِّي الرواية، بل يستدعيها أخلاقيًا: كيف نكتب عن إنسان بعد موته؟ وهل تمنحه اللغة خلاصًا أم ميتة أخرى؟
السرد بوصفه مساحة ارتباك لا طمأنينة
لا تمنحنا الرواية خطًا سرديًا مريحًا، ولا راويًا يملك الحقيقة كاملة. الأصوات تتقاطع، والزمن يتشظى، والحدث نفسه يبدو كأنه يُروى على استحياء. هذا التفكك السردي لا يُقرأ بوصفه لعبة تقنية، بل بوصفه ترجمة فنية لحالة الفقد.
فالفاطمي، بقدر ما هو مقتول، هو أيضًا غائب، والغائب لا يمكن استعادته بسرد مستقيم. لذلك يختار النص أن يتلعثم، أن يتردد، أن يعيد النظر في نفسه، كأن السرد يعترف ضمنيًا بعجزه عن القبض على الإنسان كاملًا.
الواقعي والمتخيل: حين تفشل الحقيقة وحدها
لا تراهن الرواية على واقعية الحدث، بل على هشاشته. الواقعي هنا ليس ضمانة للصدق، بل مادة خام يعاد تشكيلها داخل تخييل رمزي كثيف.

ما يحدث للفاطمي لا يهم بقدر ما يُفعل به في الذاكرة السردية. بهذا المعنى، لا تكتب الرواية عن واقعة قتل، بل عن فشل الوقائع في تفسير الألم. وحين تعجز الحقيقة المباشرة، يتقدم الرمز بوصفه لغة بديلة للفهم، لا للهروب.
اللغة: حين تصير الكتابة فعل إنقاذ
تتحرك لغة الرواية بين اقتصاد سردي صارم، وانفجارات شعرية مفاجئة. غير أن هذه الشعرية لا تُستخدم للتزيين، بل للتنفس. كأن النص، كلما اقترب من جرح الفاطمي، اضطر إلى تغيير لغته، لأن اللغة العادية لا تحتمل هذا القدر من الغياب.
هنا تتحول الكتابة نفسها إلى محاولة إنقاذ أخيرة: إن لم نستطع إنقاذ الجسد، فلنحاول إنقاذ المعنى من التبسيط.
الفاطمي: من شخصية إلى مرآة
لا يُبنى الفاطمي بوصفه بطلًا، ولا ضحية مكتملة الملامح. إنه أقرب إلى مرآة مكسورة، يرى فيها القارئ شظايا من ذاته، ومن تاريخ يعرفه دون أن يجرؤ على تسميته.
موته ليس استثناءً، بل نموذجًا؛ ليس حدثًا فرديًا، بل صيغة متكررة لإقصاء المختلف، أو المزعج، أو غير القابل للترويض.
وهنا تبلغ الرواية ذروتها الإنسانية: حين نفهم أن الفاطمي ليس شخصًا فقط، بل احتمالًا إنسانيًا قابلًا للقتل في أي وقت.
في السياق العربي: رواية تقاوم الطمأنينة
ضمن سياق السرد العربي المعاصر، تنتمي «أيام الفاطمي المقتول» إلى الروايات التي لا تبحث عن القارئ المطمئن، بل عن القارئ القَلِق.
هي قريبة، في روحها، من الأسئلة التي طرحتها أعمال نجيب محفوظ حول العنف الرمزي، ومن شكوك صنع الله إبراهيم تجاه السرديات الجاهزة، ومن اشتغال إلياس خوري على الذاكرة الجريحة، لكنها لا تشبه أيًّا منها بالكامل.
خصوصيتها تكمن في هذا الإصرار على ترك الجرح مفتوحًا، دون وعد بالشفاء.
لماذا تستحق هذه الرواية أن تُقرأ؟
لأنها لا تمنحنا عزاءً، ولا تقدم إجابة. لأنها تذكِّرنا بأن القتل لا يحدث مرة واحدة، وأن الإنسان قد يُقتل بالتأويل كما يُقتل بالفعل.
«أيام الفاطمي المقتول» ليست رواية عن الموت، بل عن صعوبة أن نكون أحياء داخل اللغة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.