روايات


أســـرارٌ مِـــن المــــاضــي.

الجــزء الأول

لــــم أصــدق مــا حصــل، لــم أتخيــل أن هــذا هـو السـبب ولــم أحـلُـم بـما حصــل بالنـــهــايـة...

أنا محمـد شابٌ في العشرين مـن عمـري مـن أصـولٍ عربيَّة، من وطـنٍ تركع له الأوطان، إذا جاع أهلها يأكلون الطين نعم أنا من فلسطين، تلك العروس التي تربعت على هذه الأرض، الجنةُ الثّانية، الدُرةُ الثّمينة.

نشأتُ وترعرعت في أسرةٍ جميلة، من الطبقة المتوسطة أنا طالبٌ جامعي في السنةِ الثانيةِ على التوالي كنت مهتمّا بدراستي كثيراً ومنهمكاً بها، فمن المعروف عني أنني مجتهد وأحبّ التعلم والتعليم.

لم أخبركم عن عائلتي... لدي عائلة صغيرة أخي عمر ستة عشر عاماً وتوأمه نور، وأنا الشقيق الأكبر لهما، ووالدتي التي تبلغ من العمر 32 عاماً، أما بالنسبة لوالدي فلا أعلم أين هو؟ وهل هو على قيد الحياةِ أم لا؟ كل ما أعلمه أن اسمه أمجد وقد سافر وأنا في الرابعةِ من عمري وكانت أُمي حاملةً بعمر ونور.

فالبداية كانت أمي حزينة جداً، لانقطاع والدي المفاجئ ولا أنفي أنها بقيت حزينة، ولكنها كانت تخفي ذلك عني.

وبعدما اختفى والدي الَّذي قالت أمي بأنه قد سافر، عشنا حياة صعبة لم نكن نجد ما نأكله فأمي كانت يتيمة، وليس لديها أخ أو قريب، وأنا كنت طفلاً لا أفقه في هذه الدنيا شيئًا سِوى أني أريد أن أنام وألعب وآكل، وأمي كما أخبرتكم حاملاً ومتعبة كثيراً، لذا لم نجد من يصرف علينا أو يتكفل برعايتنا، وقضينا حياتنا في منزل صغير تركه لنا والدنا.

أُمي امرأة قويّة، وتلك الأيام أثبتت لي ذلك حيث فعلت ما لم يفعله الرجال ووقفت في وجه الصعاب وسارت بطريق مكفهر واصلة بنا إلى النورِ حاملةٍ بقلبها أعباءَنا وهمومَنَا مُنشِئة منا رجلين وصبية يشهد لأخلاقهم كل من تعرَّف عليهم.

خلال مسيرتي التعليميَّة مررت بأيامٍ صعبة قاسية؛ فقد كنت أدرس وأعمل في نفس الوقت، وكانت أمي أيضاً تعمل بالخياطة في المنزل، ومع مرور الوقت أصبح لدينا اسم كبير في الأسواق، فأمي كانت موهوبة جداً بالخياطة والتطريز والنسيج.

أما بالنسبةِ لعملي فقد بدأت العمل بسن الثانية عشر، قبل أن يتطوّر عمل أمي حيث كنا نحتاج لمال يغطي على احتياجاتنا لذا اضطررت للعمل، وبدأت العمل سراً، حيث عملت عملاً صغيراً جداً فقد كنت تارة أبيع الماء على المارين وتارة أخرى أبيع الجرائد وأحياناً أقوم بتنظيف السيارات وهذا كله دون علم أمي أردت تحمّل المسؤولية أردت التّخفيف عن أمي وإزاحة بعض الأثقال عن كتفيها.

طبعاً وكما تعلمون هذا العمل بسيط وليس به أرباح لذلك ذهبت لجارنا أبي الأحمد وأقنعته بأن أعمل عنده بأجرٍ محدود فاعترض على ذلك وقال إنه سيعطيني ما احتاج من مال.

فقلت له إني لا أحتاج المال فحسب وإني أريد تحمل المسؤولية.

فوافق على هذا ربما تعاطفاً معي، وقلت له أن يبقي هذا سراً بيننا، وألا تعلم به أمي، وأن آتي إليه كل يوم بعد العودة من المدرسةِ لِأُساعِده في منجرته فلم يكن له أولاد سوى أحمد، والَّذي لقي مصرعه في حادثِ سير. 

أصبحت أذهب إليه كل يوم بعد المدرسة وأثناء انشغال أمي وأساعده في العمل والتنظيف، وبعد مرور الوقت أضحيت أتعلم بعض الأعمال وأتقن القليل منها، واستمرّت الأيام على هذه الوتيرة إلا أن جاء يوم كنت جالساً في حجرتي منهمكاً بدراستي جاءت أمي غاضبة جداً وقالت لي بصوت حادٍ:

محمد..

قلت: نعم يا أمي؟

قالت: ما هذا الَّذي تفعله ما هذه المهزلة، ولمَ تفعل ذلك؟ هل أبخلُ عليك بشيء قل لي؟

قلت متلعثماً: ماذا تقصدين؟

قالت: أنت فاهم ما أعني.

نظرت لها ببراءة.

فقالت بغضب أكبر أجبني.

قلت: لا لا يا أمي أنت لا تبخلين عليّ بشيء، لا بل أنت كل شيء ولكن أنا رجل أردت تحمل المسؤولية، أردت مساعدتكِ ظننت أنك ستبتهجين ولكن.. (قلت ذلك بحزن وأسى).

نظرت لي أمي بعطفٍ وحنان، وقالت لي: أنت رجلي أنت رجل شجاع وابتسمت برضى وذهبت.

شعرت براحة وسعادة لا توصف، أمي قالت إني رجل وشجاع أيضاً يا لهذا الوصف كم أحببته!

-استمرت حياة العائلة على هذا الحال، الأم تعمل ومحمد يدرس في الصباح ويذهب للعمل عند أبا أحمد في منتصف اليوم، أما عمر ونور فكانا يدرسان بأفضل مدرسة، وكانا بقمة السّعادة؛ لأن أمهم لم تجعلهم يحتاجون لشيء ومنحتهم جميعاً كل ما تملك من حبّ وحنان، لدرجة أنهم كادوا أن ينسوا أن عائلتهم ناقصة؛ لأن أمهم غطت ذلك الفراغ الكبير.

بعد عدّة سنوات تخرجت من الثانويةِ بامتياز وبعلامة عالية لا أستطيع أن أوصف لكم تلك الفرحة الَّتي شعرت بها فبمجرد أني رأيت درجتي نسيت كل التعب والشقاء، وعمّت السعادة منزلنا ودفأته فكم كان متعطشاً للسعادةِ! وكم كان جائعًا لتذوق حلاوة الفرح!

والآن قد جاء دور الأحلام وبدأت أعد نفسي لأحقق طموحاتي وطموح والدي، الَّذي قالت أمي أنه تمنى لو أن يراني طبيباً ناجحاً.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

مقال رائع
ارجو ان تقرأ مقالتي وتعطيني رأيك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب