أشهر الروايات غير المكتملة: كيف صنع الموت شهرة كافكا وبروست؟

حققت عدة أعمال أدبية غير مكتملة شهرة استثنائية بعد وفاة أصحابها، مثل «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست وأعمال فرانز كافكا و«البحار» لهيرمان ملفيل، إذ نُشرت اعتمادًا على مسودات أو مخطوطات تركها الكتّاب خلفهم. وفي حالات عديدة تجاوز تأثير هذه الأعمال شهرة أعمال مكتملة أخرى، ما أثار جدلًا مستمرًا حول مشروعية نشر النصوص غير المكتملة أو استكمالها بعد رحيل مؤلفيها.

شهد تاريخ الأدب على عدد من الأعمال الروائية والقصصية التي رحل أصحابها دون إكمالها، وربما حققت هذه الأعمال شهرة كبيرة تجاوزت روايات عالمية شهيرة مكتملة، سواء كانت للأديب نفسه أو لغيره من الأدباء.

وقد تنوعت الأسباب التي أدت إلى عدم اكتمال هذه الأعمال الأدبية، فبعض الأدباء عاجلهم الموت، وبعضهم أنهكه المرض المزمن، فلم يتمكن من إكمال العمل، كما أن بعض الأعمال قد توقف أصحابها عن إكمالها على أمل العودة إليها مرة أخرى، إلا أن الظروف لم تسمح بذلك، لتدخل هذه الأعمال في الأخير إلى سلة الأعمال غير المكتملة، والتي أثار معظمها جدلًا حول نشرها أو عدم نشرها، وهل يُسمح لكتاب آخرين بإكمال الأعمال غير المكتملة؟ أم تُنشر هذه الأعمال على حالتها.

وفي الحقيقة، فإن نشر الأعمال الأدبية بعد موت أصحابها غالبًا ما يحقق ردود فعل قوية ومبيعات عالية، ويلقى اهتمامًا كبيرًا من قبل النقاد والقراء، ربما لأن الموت يضفي على الأعمال وصاحبها كثيرًا من الإثارة والغموض، خاصة في ما يخص الأسماء الأدبية المعروفة، والتي يشعر القارئ بأنه قد فقدها إلى الأبد، وبالتالي، فإن رواية أخيرة تُنشر بعد وفاة صاحبها قد تكون أشبه بلقاء الوداع، أو تمنح فكرة للقراء والنقاد عما كان يدور بذهن الكاتب في أيامه الأخيرة.

ومن بين الأعمال الروائية والقصصية العديدة التي لقيت شهرة كبيرة بعد وفاة أصحابها، رغم أنهم رحلوا قبل إكمالها، نقدم لك بعض النماذج التي لا تزال تحظى بانتشار كبير وتحقق مبيعات عالية.

رواية «البحث عن الزمن المفقود».. مارسيل بروست

تُعد رواية «البحث عن الزمن المفقود» للكاتب الفرنسي مارسيل بروست من أهم الروايات الكلاسيكية في تاريخ الأدب، والتي ألّفها الكاتب في 7 أجزاء بلغت نحو 4300 صفحة، وبها من الشخصيات ما تجاوز 2000 شخصية، وهو ما يجعلها من الروايات الملحمية التي حظيت بشهرة كبيرة ومكانة هائلة في الأدب العالمي، رغم أن الكاتب مارسيل بروست لم يتمكن من إنهاء النسخة النهائية من الرواية وتركها على هيئة مسودات.

وبعد وفاة الكاتب مارسيل بروست، راجع أخوه روبرت بروست المسودات، ونشر الرواية التي تتناول السيرة الذاتية لمارسيل بروست، واستعاد عددًا من الذكريات التي تظهر بصورة واقعية، وتتداخل مع كثير من الشخصيات والحكايات الفرعية التي تملأ الرواية، وتجعل منها عملًا ضخمًا يحتاج إلى جهد كبير في قراءته، وفي ربط الشخصيات والأحداث بالخط الأساسي في العمل السردي.

ومن الغريب أن المترجم السوري إلياس بديوي، الذي عمل على ترجمة رواية البحث عن الزمن المفقود لمارسيل بروست في ثمانينيات القرن الماضي، قد ترجم بالفعل 3 مجلدات من بين الأجزاء السبعة، إلا أنه توفي قبل أن يترجم العمل كاملًا، كما حدث لكاتب العمل الذي توفي قبل إكماله.

رواية «البحار الوسيم».. هيرمان ملفيل

ومن الروايات القصيرة التي حققت شهرة كبيرة وتعد ضمن روايات عالمية مشهورة، رواية البحار للكاتب الأمريكي هرمان ملفيل، والتي عمل عليها الكاتب منذ عام 1888، قبل أن يتوفى عام 1891 دون إتمام الرواية التي اكتشفها (رايموند ويفر) على هيئة مخطوطة، وهو يحضِّر سيرة ذاتية عن الكاتب هيرمان ملفيل.

ونتيجة هذه  المصادفة، نُشرت رواية البحار في لندن عام 1924، وحازت الرواية إعجاب النقاد والقراء، وحققت مبيعات كبيرة ووصفوها بأنها تحفة فنية وأدبية، ومع الوقت أصبحت رواية البحار من أهم أعمال الأدب الأمريكي، وما زالت تحظى باهتمام كبير حتى الآن.

يذكر أيضًا أن رواية البحار قد اقتبست عدة مرات إلى أعمال سينمائية ومسرحية، أول مرة عام 1951 في مسرحية حملت الاسم نفسه، ونالت جائزة دونالدسون لأفضل مسرحية، قبل أن تُقتبس مرة أخرى إلى عمل في الأوبرا، واقتبست إلى رواية سينمائية عام 1962، وترشح الفيلم لجائزة الأوسكار في العام نفسه، وهو النجاح الذي لم يره الكاتب هيرمان ملفيل الذي مات قبل إتمام الرواية.

رواية «اعترافات فليكس كرول».. توماس مان

في عام 1954، نُشر الجزء الأول من رواية «اعترافات المحتال فليكس كرول» للكاتب والروائي الألماني الكبير والحاصل على جائزة نوبل توماس مان، والتي تعد محاكاة ساخرة للسيرة الذاتية التي كتبها غوته بعنوان «من حياة الشعر والحقيقة» وهي الرواية التي لم يكملها توماس مان بسبب وفاته عام 1955.

وبعد وفاة الكاتب، لم يُتخذ أي قرار بشأن إكمال الرواية، واستقروا في النهاية على نشر الرواية بصورتها غير المكتملة، والغريب أن الرواية لقيت قبولًا كبيرًا وحققت نجاحًا ملحوظًا رغم كونها غير مكتملة.

وقد ظهرت شخصية فيليكس كرول، التي تقوم عليها الرواية، في قصة قصيرة أخرى قد كتبها توماس مان عام 1911 في كتابه المعروف باسم «قصص ثلاث عقود» إلا أنه عاد في روايته «اعترافات المحتال فليكس كرول» لتوسيع القصة وإضافة مزيد من الأحداث، إلا أن القدر لم يمهله لإتمام الرواية، ورغم ذلك فقد كتب لها الانتشار والنجاح.

رواية «مُحضّر الأرواح».. فريدريش شيلر

ومن أعمال الكاتب الألماني فريدريش شيلر، تأتي رواية «محضر الأرواح» كإحدى الروايات غير المكتملة، والتي نُشرت في عدة أجزاء منذ عام 1787 وحتى عام 1789، وحققت نجاحًا ههائلًا نظرًا لجو الرواية الذي يقوم على استحضار الأرواح والمؤامرات، وهو ما أدى إلى استقطاب جمهور عريض، ومنح الكاتب فريدريش شيلر شهرة كبيرة أكثر مما حظي به في أي وقت في حياته.

تدور أحداث رواية محضر الأرواح حول جمعية سرية ذات اتجاه يسوعي، تسعى لتحويل أمير ألماني ذي اتجاه بروتستانتي إلى الكاثوليكية، وتناقش الرواية مجموعة من الفلسفات الدينية والتاريخية، وتظهر عددًا من الآراء التنويرية والنقدية للدين والمجتمع.

والغريب أن الرواية التي حققت نجاحًا كبيرًا لم تكتمل بسبب الكاتب نفسه الذي لم يكن يحب الرواية بالقدر الكافي، ولم يكن مقتنعًا بالأسلوب الأدبي الذي كتب به الرواية، وبالتالي فإن بنية الرواية على المستوى الفني ليست بنية موحدة، وتتراوح في بعض أجزائها ما بين الحوارات والنثر الخطابي والنثر المسرحي، إلا أنها في الأخير تعد من الروايات الرائجة والتي استُلهمت في عدد من الأعمال الدرامية على مدار القرن العشرين.

رواية «ماريا».. ماري وولستونكرافت

من الأعمال الكلاسيكية الرائعة في الأدب العالمي والتي تتناول حقوق المرأة عمومًا والمحاولات النسوية للتحرر والمساواة في القرن الـ18، تأتي رواية (ماريا) أو (مظالم النساء) للكاتبة البريطانية الشهيرة مارين وولستونكرافت، أحد أهم الأعمال الروائية غير المكتملة التي حققت نجاحًا كبيرًا.

كانت الكاتبة قد نشرت بعض الأعمال ذات الطابع الثوري، والتي تحمل فلسفة سياسية تدافع عن حقوق المرأة وتنتقد مؤسسة الزواج في بريطانيا في تلك المرحلة من القرن الـ18، وتنتقد كذلك القانون الذي يحمي حقوق الرجل ويطغى على حقوق المرأة، ثم جاءت هذه الرواية بعنوان «ماريا» أو «مظالم النساء» على الطريق نفسه، إلا أن الكاتبة توفيت قبل إتمام الرواية.

وفي عام 1798، نشر ويليام جودون، زوج الكاتبة ماري وولستونكرافت، الرواية التي حققت نجاحًا كبيرًا وردود فعل هائلة، نظرًا لأنها تتناول قصة حياة امرأة حُجزت في مستشفى الأمراض العقلية، وكان زوجها السبب في ذلك، وهو ما فتح الباب على المظالم التي تتعرض لها النساء في المجتمع الإنجليزي في ذلك الوقت.

«أعمال فرانز كافكا»

ومن بين الأعمال الأدبية التي نُشرت بعد وفاة أصحابها تأتي أعمال الكاتب التشيكي الألماني الشهير فرانز كافكا، بصفتها أكثر الأعمال شهرة وتأثيرًا في الحركة الأدبية العالمية، إذ كان الكاتب فرانز صاحب مدرسة الكتابة الكابوسية، وأحد أفضل وأشهر الأدباء الذين يكتبون بالألمانية في فن الرواية والقصة القصيرة.

الغريب في قصة فرانز كافكا أنه لم ينهِ أيًّا من أعماله الروائية الثلاثة التي حققت شهرة كبيرة بعد ذلك، بالإضافة إلى حرق معظم أعماله الروائية والقصصية قبل موته.

وبعد ذلك عثر صديقه ماكس برود على ورقة كتبها فرانس كافكا وهو يعاني المرض في نهاية حياته، قال فيها إنه يرجو إحراق كل أعماله التي لم تكتمل، إلا أن ماكس برود لم يحترم وصية كافكا ونشر كل أعماله، ومن بينها (مجموعة القصص غير المكتملة لفرانز كافكا) وذلك حبًا في صديقه وتقديرًا للقيمة الأدبية الكبيرة لهذه الأعمال.

ومن أشهر هذه القصص والروايات التي تضمنتها أعمال كافكا غير المكتملة رواية (أمريكا) التي نشرت أيضًا تحت اسم (الرجل الذي اختفى)، وقد كتبها فرانز كافكا ما بين عام 1911 وعام 1914، ونُشرت أول مرة عام 1927، وقد تضمنت الرواية حكايات وتفاصيل عن أقاربه الذين عاشوا في أمريكا، وهو ما كان يجعل كافكا دائمًا يشير إلى هذه الرواية بعدِّها روايته الأمريكية.

كما منح ماكس برود صديق فرانز كافكا جامعة أكسفورد المخطوطة الأصلية للرواية، والتي أوصى كافكا بعدم نشرها، والتي نشرت دون إكمالها وحققت نجاحًا كبيرًا، وأصبحت إحدى كلاسيكيات الأدب العالمي وأحد أهم أعمال فرانس كافكا على الإطلاق.

في النهاية، تظل هذه الأعمال الأدبية الناقصة شاهدًا على أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى كلمة (النهاية) ليفرض وجوده. لقد منح الموت هذه المخطوطات والمسودات بُعدًا دراميًا وغامضًا، وكأنها رسائل وداع سرية صاغها العبقري في لحظاته الأخيرة ورحل ليترك للقارئ متعة التخيل وإعادة البناء.

شاركنا رأيك في التعليقات: هل ترى أن نشر الأعمال غير المكتملة هو إنصاف للمؤلف وتقدير لإرثه؟ أم أنه انتهاك لخصوصيته الفنية؟ ولا تنسَ مشاركة المقال مع أصدقائك من عشاق الأدب لتشاركوهم هذه المتعة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة