العلاج بالقراءة أو «البابليوثيرابيا» (Bibliotherapy) هو أسلوب قديم يعتمد على استخدام الأدب والروايات ضمن خطة العلاج النفسي، عن طريق اختيار القصص والحكايات التي تتناول التحديات والانتصارات النفسية وتخطي الصعاب وتحقيق الانتصارات؛ لتعزيز الوعي الذاتي وتقليل التوتر لدى المريض، وتوفير مساحة آمنة لتفريغ مشاعره ومساعدته على التغلب على أزماته الشخصية والنفسية.
كما أن الدراسات التي أُجريت في هذا الموضوع أثبتت أن للقراءة تأثيرًا إيجابيًا على الصحة النفسية والعقلية، وتساعد على شفاء النفوس عبر آليات عدة. وفي هذا المقال نشرح لك ما هي روايات العلاج بالقراءة، وكيف تشفي النفوس، وما العلاقة بين الأدب وعلم النفس، وما هي مواصفات اختيار الرواية العلاجية، ولماذا نحتاج العلاج بالقراءة في عصر الشاشات والحياة الرقمية؟
كيف تساعد الروايات في العلاج النفسي وشفاء النفوس؟
تعمل الروايات كأداة تكميلية للعلاج النفسي عن طريق اختيار قصص معينة تتناسب مع حالة الشخص والظروف التي مر بها، وتساعده على الشفاء من خلال الآليات التالية:
- تخفيف الاكتئاب والقلق: أظهرت الأبحاث التي أُجريت في مجال العلاج بالقراءة أن القراءة المنتظمة تساعد على تقليل أعراض الاكتئاب ونوبات القلق واضطرابات الأكل.
- التخلص من الضغوط: عندما يتعود الشخص على القراءة فإن دماغه ينتقل إلى حالة التأمل العميق أثناء التعامل مع الأحداث في القصص والروايات، وهو ما يقلل من هرمونات التوتر ويمنحه الشعور بالسلام الداخلي.
- التعاطف مع الذات: الأشخاص الذين يمرون بتجارب يحتاجون فيها إلى التعاطف مع الذات يستفيدون كثيرًا من قراءة الروايات التي تتضمن شخصيات تمر بنفس الأزمات، وبالتالي يشعر الشخص بأنه ليس وحيدًا ويبدأ في تقبل مشاعره.
- الهروب الإيجابي: القراءة أيضًا توفر ملاذًا آمنًا سواء للمريض النفسي أو للشخص العادي لكي يبتعد قليلًا عن ضغوطات الحياة اليومية على المستوى الذهني والنفسي، وتضع بينه وبين الأخبار المقلقة حاجزًا لبعض الوقت.

ما مراحل الشفاء الثلاث عبر قراءة الروايات؟
يمر المريض الذي يستخدم الروايات كأداة تكميلية للعلاج النفسي بثلاث مراحل نفسية أساسية أثناء اندماجه مع الرواية، والتي تساعده في الوصول للسلام والشفاء مع الوقت، وهي كالتالي:
- التماهي والتوحد: في هذه المرحلة يشعر المريض بالارتباط مع بطل الرواية أو الشخص الذي يمر بنفس ظروفه، وهو ما يجعله يدرك أن هناك من يشعر به وأن ظروفه ليست خاصة وإنما يتعرض لها أشخاص آخرون ويستطيعون التغلب عليها.
- التطهير العاطفي: عندما يجد المريض الشخصية الرئيسية في الرواية تقوم بتفريغ مشاعرها عن طريق الغضب أو الحزن أو البكاء، فإنه يبدأ أيضًا في تفريغ مشاعره المكبوتة ولا يقاوم نفسه، وبالتالي يمر بالتفريغ الانفعالي الحاد بطريقة آمنة.
- الاستبصار والبصيرة: عندما يجد المريض أن بطل الرواية وجد حلًا أو استطاع التغلب على مشكلته أو بدأ حياته من جديد بعد فترة من الهزائم، فإنه يبدأ في اكتساب وعي جديد ويتعلم طرقًا جديدة لمواجهة الواقع، وينظر إلى أزمته من منظور خارجي يساعده على تخطي أزمته النفسية.
ما العلاقة بين الأدب وعلم النفس؟
يمكن القول إن هناك علاقة تبادلية وتكاملية بين الأدب وعلم النفس؛ حيث يمنح الأدب علم النفس النماذج الإنسانية الحية، ويمنح علم النفس الأدب أدوات تفسير السلوك البشري وفهم أعماق النفس البشرية. وهي العلاقة التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- وحدة الموضوع: كلاهما يعمل على دراسة الإنسان سواء الأدب أو علم النفس، إلا أن كلًا منهما يستخدم أدوات مختلفة؛ فالطبيب والعالم يستخدمان الرصد والنظريات، والأدباء يستخدمون الخيال والكلمات.
- الأدب كمصدر لإلهام علم النفس: الكثير من علماء النفس الكبار استلهموا نظرياتهم من الأعمال الأدبية الشهيرة سواء المسرحيات أو الروايات، وعلى رأسهم سيغموند فرويد الذي استلهم نظرية «عقدة أوديب» من مسرحية يونانية قديمة.
- الرواية كمعمل للاختبار النفسي: توفر الروايات بأحداثها وشخصياتها والظروف التي يعيش فيها الأبطال بيئة خصبة لعلم النفس لدراسة التصرفات التي يصعب اختبارها في الواقع.
- فهم الدوافع العميقة: من خلال علم النفس يستطيع الكاتب أو الروائي رسم الشخصيات المعقدة والصادقة وإظهار الصراع النفسي الداخلي والاضطرابات التي تحرك تلك الشخصيات.
ما هي مواصفات اختيار الرواية العلاجية؟
بالطبع، لا تصلح أي رواية للاستخدام كعلاج نفسي لأي حالة نفسية، وإنما يخضع الأمر لمعايير دقيقة تشبه الوصف الطبي بناءً على حالة المريض وتوقيت العلاج. وبالتالي، يجب الوقوف على المواصفات والمعايير التالية عند اختيار الرواية العلاجية:
- الملاءمة والمطابقة: المعيار الرئيسي هو أن تعكس الرواية الأزمة الحالية التي يمر بها الشخص، سواء الحزن أو البحث عن الهوية أو الفقد أو الغربة أو الطلاق. كما يُفضل أن تكون الشخصيات متقاربة في العمر والبيئة والظروف.
- الواقعية والتوازن: يجب أن يتم اختيار الرواية بشكل واقعي ومتوازن بحيث لا يكون البطل مفرط المثالية أو أن تقدم الرواية حلولًا سحرية غير واقعية حتى لا يصاب المريض بالإحباط. كما يجب أن تكون نهاية الرواية مناسبة للعلاج، حيث الأمل وإظهار القدرات والصمود والنهوض بعد الانكسار.
- الأسلوب واللغة: من الأفضل أن تكون الرواية ذات لغة انسيابية ودافئة تستطيع صياغة المشاعر المعقدة ببساطة، بجانب إيقاعها المناسب الذي يساعد المريض على الهدوء النفسي ولا يدفعه إلى التشتت والقلق.
- مراعاة المثيرات النفسية: بالنسبة للأشخاص الذين مروا بصدمات قاسية، يجب مراعاة أن تكون الرواية خالية من الصدمات المتطابقة، أو ألا يكون وصف الصدمة أو الحادث بالتفصيل حتى لا يتعرض المريض لانتكاسة نتيجة استعادة الأزمة أو الحادثة التي مر بها.
- البعد عن السوداوية المطلقة: بالطبع يفضل الابتعاد تمامًا عن الروايات ذات النهايات المأساوية، والتي تنتهي بالاستسلام للمرض أو الانتحار، وهو ما قد ينعكس سلبًا على المريض الذي نسعى لعلاجه.

لماذا نحتاج جميعًا إلى العلاج بالقراءة في عصر الشاشات والحياة الرقمية؟
بالفعل، كلنا نحتاج في هذا العصر إلى العلاج بالقراءة كضرورة نفسية وعقلية ملحة للأسباب التالية:
- التخلص من التشتت الرقمي: تحتاج عقولنا للابتعاد قليلًا عن المحتوى السريع والقصير الذي أصابنا بالتشتت وضعف الانتباه؛ حيث القراءة العلاجية تعيد ترتيب الدماغ على التركيز العميق.
- الهروب الآمن: مع هذه الجرعات الكثيفة والمتتالية من الأخبار المقلقة والمقارنات الاجتماعية الظالمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي ترفع لدينا مستوى القلق والتوتر، نحتاج إلى الانعزال عن الإنترنت والدخول في ملاذ آمن من خلال الكتب والروايات.
- إحياء التعاطف الإنساني: مع تزايد ضغط وسائل التواصل الاجتماعي التي تربطنا بالعالم ظاهريًا وتزيد من شعورنا بالوحدة والعزلة داخليًا، يحتاج الناس إلى القراءة للتعامل مع المشاعر الإنسانية من خلال الأبطال والأحداث والصراعات بعيدًا عن الخوارزميات الجافة.
- تنظيم كيمياء الدماغ: بعد يوم طويل من التعرض للشاشات والضوء الأزرق، يحتاج الشخص إلى قراءة صفحات قليلة من رواية قبل النوم لتقليل مستوى هرمون الإجهاد وتهدئة الجهاز العصبي، مما يساعدنا على الدخول في النوم العميق.
- تحفيز الخيال: بدلًا من الجلوس أمام الشاشات لمشاهدة الصور والفيديوهات الجاهزة والمصنوعة مسبقًا، يحتاج العقل إلى القراءة التي تجبر الدماغ على التخيل والمشاركة في صنع الأحداث وتوقع النهايات ليستعيد خيالنا الحيوية والنشاط المفقود.
وختامًا، يتضح لنا أن الكلمة المكتوبة ليست أداة لتمضية الوقت أو الترفيه، بل هي ترياق حقيقي وبوابتك الآمنة نحو تصالح أعمق مع الذات وفهم خبايا النفس البشرية. اختر كتابًا جيدًا وابدأ في قراءته فهو خطوتك الأولى نحو التعافي والتحرر من أعباء الحياة الرقمية المعاصرة.
يسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات بالأسفل: هل جربت يومًا أن تلجأ لقصة أو رواية لتتجاوز مرحلة صعبة في حياتك؟ وما هي تلك الرواية؟ ولا تنسَ مشاركة المقال مع أصدقائك وعائلتك على منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة والتوعية بهذا الفن العلاجي الرائع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.