الروافد الثقافية والصورة الأدبية في كتاب البخلاء للجاحظ

قبل قرون من اختراع الكاميرا، كان الأديب الموسوعي الجاحظ يلتقط (صورًا فوتوغرافية) لمجتمعه باستخدام سلاح الكلمة، يُعد كتابه الشهير (البخلاء) أكثر من مجموعة من النوادر الطريفة، بل هو معرض فني متكامل لشخصيات ونماذج إنسانية، رسمها الجاحظ ببراعة منقطعة النظير. لم تكن هذه القدرة على التصوير وليدة الصدفة، بل نتاج تفاعل عميق بين موهبته الفذة، وبراعته اللغوية، ومجموعة من الروافد الثقافية والاجتماعية الغنية.

يستكشف هذا المقال تلك المصادر التي استقى منها الجاحظ مادته، ليكشف لنا كيف تحولت تفاصيل الحياة اليومية في العصر العباسي إلى صورة أدبية خالدة.

كيف يجسد الأديب مادته؟

إن الحديث عن روافد وآليات تكوين الصورة وفقًا لمصادرها التي يستقي الأديب منها مادته، يحيل إلى أمر مهم مؤداه أن على الأديب أن يتسم بخصال ثلاثة ليجسد عبرها أسلوبه الفني وتميزه الإبداعي.

الأمر الأول هو الروافد الثقافية التي تؤثر في الأدب الإنساني.

والأمر الثاني البراعة اللغوية التي تجسد حساسيته الخاصة في التعاطي مع مادة الأدب.

والأمر الثالث هو الموهبة وإخراج مادته الفنية بصورة لها سماتها المتفردة فنيًا وجماليًا.

وهذه السمات الثلاث نلحظها في أدب الجاحظ في كتابه البخلاء، ومن المهم الحديث عن مصادر أو روافد التصوير الأدبي لديه.

وتتحدد ملامح الصورة القصصية بأنها «تهتم بعنصر القص وبالحدث كما هو وليس بتطوره، والشخصية فيها نموذجية لعيِّنة من شرائح المجتمع».

إن كتاب البخلاء يصنف ضمن ما يُعرف بالصورة القصصية، فهو نقل حرفي لصورة المجتمع، «فتظهر قصصه وكأنها صورة فوتوغرافية تعرض التفاصيل بدقة عالية».

كتاب البخلاء ووصف المجتمع

 وتُعد الصورة الأدبية من القيم الأساسية في الأعمال الأدبية، فهي الوسيلة في إظهار التجارب الشعورية بما تحويه من أحاسيس ومشاعر، وأفكار وخواطر.

إن اللغة فكر العقلاء وإحساس الأحياء، وكل منهما في تقلب مستمر وحركة دائمة.

إن النقد العربي القديم لم يكن ببعيد عن الاحتفال بالصورة، فهناك نص نقي للجاحظ ويُعد أقدم نص ذُكرت فيه الصورة، أشار فيه الجاحظ إلى حقيقة الفن الشعري عندما قال: «إنما الشعر صناعة وضرب من الصنع وجنس من التصوير».

وهذا النص يدل على أن المقصود من التصوير هنا «الصورة» الشعرية التي ربطها أغلب النقاد القدامى بالألوان البلاغية من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز.

والتصوير الفني هو أحد جوانب الصياغة الجمالية، فبه يمكننا استخراج العواطف والأحاسيس الكامنة في الوجدان، والتعبير عنها بأرقى الأساليب الكتابية.

الروافد الثقافية

الحياة أحد العناصر المؤثرة في الأدب الإنساني، والاحتكاك والاندماج في حياة الناس له أكبر الأثر في التكوين الأدبي للأديب؛ لأنه يستمد مادة أدبه من هذه المخالطة للناس والاحتكاك بالعامة.

ولا بد من مخالطة أفراد المجتمع على اختلاف طبقاتهم، حتى يكون للأديب القدرة على وصف هذه الحياة بشتى أطيافها، ووصف هيئات الناس، من مآكلهم، ومشاربهم، ومذاهبهم وطريقة كلامهم.

وكان الجاحظ يستعين في تصوير تلك المظاهر بعدد من الروافد الإنسانية والطبيعية، وفي كتاب البخلاء نقف عند الروافد الثقافية التي أثَّرت في تصور الجاحظ فاستمد منها مادته التصويرية، وتتنوع هذه الروافد تبعًا لعوامل عدة، أبرزها البيئة التي عاش فيها الجاحظ وثقافة عصره.

بيئة الجاحظ وشخصيته الثقافية

وُلد الجاحظ في مدينة البصرة، التي كان أوج ازدهارها في زمن العباسيين، فقد شكَّلت مركز تجارة العرب البحرية التي بلغت الصين، وكانت مركزًا للنشاط المالي بفضل اليهود والمسيحيين والبورجوازيين الذين ينحدرون من أصل غير عربي.

وقد نمت لدى الجاحظ نزعة التطرق إلى كسب العلوم والثقافة والمعرفة منذ الصغر، فلم يكتفِ بتلقف الفصاحة ورواية الآثار الأدبية من الأعراب، بل كان إلى جانب ذلك يعجب ويلذ له أن يشهد حركات عقولهم، وهي حركات ماهرة، يصغي إلى نوادرهم وطرائفهم.

ويمثل كتاب البخلاء للجاحظ عمومًا تجسيدًا لثقافة الجاحظ بطبيعة الشخصيات التي يخالطها في بيئته المحيطة، عربًا أم فرسًا، فنراه يضم معلومات شتى بعضها إلى بعض عن تلك الشخصيات، يجمعها موضوع وتندرج تحت فكرة واحدة، كحديثه عن طباع الرجل المرزوي إذا ما طرأ عليه أحد الأضياف: «يقول المرزوي للزائر إذا أتاه، وللجليس إذا طال جلوسه: تغديت اليوم؟ فإن قال: نعم، قال: لولا أنك تغديت لغديتك بغداء طيب، وإن قال: لا، قال: لو كنت تغديت لسقيتك خمسة أقداح. فلا يصير في يده على الوجهين قليل ولا كثير».

طبيعة العصر

إن انتشار الثقافة الفارسية كان نتيجة التواصل بين العنصر العربي والفارسي، لتلبية حاجات حضارية وثقافية، فقد اتسعت الأقطار الإسلامية وتكاثرت الرحلات واستوطن العرب مناطق مأهولة بالعجم والعكس بالعكس.

ثقافة بخلائه

كثيرًا ما كان يروي الجاحظ بلسان صاحبها، فنجده على صعيد الشكل يذكر الاستخدامات اللغوية التي كانت سائدة في عصره، والتي شاعت فيها الصيغ الغريبة التي دخلت العربية بفعل التوسع الثقافي والحضاري. 

وإنما يوردها ليلائم بين الأسلوب وطبقة المتكلم، ولا ينطبق على الألفاظ بل ينسحب على التراكيب.

ومن قبيل الأفكار الشائعة عن المذاهب الفلسفية والدينية في ذلك العصر مما تأثر به عموم البخلاء واتخذوه وسيلة في إثبات مواقفهم، ما ورد عن رجل كان يغشى طعام الجوهري، وكان يتحرى وقته ولا يخطئ، فإذا دخل القوم يأكلون قال: «لعن الله القدرية، ما كان يستطيع أن يصرفني عن أكل هذا الطعام، وقد كان في اللوح المحفوظ أني سآكله؟ فلما أكثر من ذلك قال له رياح: تعال بالعشي أو بالغداة فإن وجدت شيئًا فالعن القدرية والعن آباءهم وأمهاتهم».

والقدرية فئة ضالة نفت القضاء والقدر، وقالت إن الإنسان هو المسبب والمقدر لأفعاله، وهو المسؤول عنها.

الروافد التراثية

يأتي لفظ (تراث) من ناتج حضارات قديمة ورثتها للأجيال الحديثة، حيث تتكون من تجارب القدماء وأفكارهم ورغباتهم في شتى الميادين العلمية والفكرية واللغوية، وغيرها من النواحي المادية والنفسية.

وينسحب مفهوم التراث بشكل كبير على التقاليد المعيشية، والتعبيرات الثقافية للمجموعات، والأفراد، والعمليات الإبداعية، والمعرفية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.