القرن التاسع عشر، وما أدراك ما القرن التاسع عشر في مصر؟ هذا القرن كان بمنزلة الخط الفاصل بين تاريخ مصر القديم وتاريخها الحديث، ونشأة مصر التي نعرفها الآن، الأمر يشبه انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في الألفية الجديدة، أو يشبه هوجة الذكاء الاصطناعي التي نعيشها الآن من افتتاح باب العلوم والفنون والآداب على مصراعيه، وكل ما تشتهيه النفوس من معرفة.
واليوم نتحدث عن نشأة الفكر الإصلاحي في مصر، ومن هم رواده، وماذا قدموا له، وماذا واجههم؛ لذا تعال نستمتع بالمعرفة معًا.
ما الفكر الإصلاحي؟
الفكر الإصلاحي ببساطة هو اعتقاد أو فكر يدعو إلى إصلاح الشيء بدلًا من إلغائه، مثالٌ بسيط من الحياة اليومية على ذلك، فلو تعطلت سيارتك فبدلًا من أن تتركها أو تبيعها كخردة، يمكنك ببساطة أن تذهب بها إلى ورشة إصلاح السيارات، هكذا هو الأمر.
من أبرز رجال الإصلاح في مصر؟
ظهر في مصر رجال عدة يدعون إلى الإصلاح ويحاولون نشره في أنحاء البلاد جميعها، وكان المحرك الأساس لدعوتهم للإصلاح هو سؤال واحد يتناقلونه بينهم، ألا وهو: لماذا سبقنا الغرب؟ لماذا تقدم العالم الغربي في النواحي والعلوم والآداب والحياة كلها؟ لماذا نحن في القاع الآن بعد أن كنا نقود العالم؟ وكان على رأس هؤلاء العلماء:
محمد عبده
إذا سألتك من رائد الإصلاح الديني فبالتأكيد ستكون الإجابة محمد عبده، لما له من إسهامات جليلة، صُدم محمد عبده بتقدمات الغرب في نواحٍ حياتية واجتماعية وفكرية، لكنه لم يقف مكتوف اليدين، فألَّف كتبًا منها كتاب اسمه تفسير المنار، لكنه توفي قبل أن يكمله، وحاول أيضًا إصلاح الأزهر الشريف وكذلك القضاء والتعليم، وقدم مذكرة إلى اللورد كرومر الحاكم الإنجليزي في مصر.

وأدرك أيضًا أن اللغة وعاء العلم وحامي الثقافة؛ لذا أنشأ جمعية تهتم باللغة العربية، ودعا إلى الوحدة الاجتماعية، أي إلى اجتماع الدين والوطن، وأن كل المصريين تظلهم مظلة واحدة، واسم تلك المظلة مصر.
علي مبارك
أحد رواد التعليم في مصر، أسهم على نحو كبير في حداثة البلاد، وأسند إليه تخطيط القاهرة، ويكفي أن تخطيطه هذا ما زال قائمًا ويعمل بكفاءة في مصر، أسهم ببلاغة في تحسين التعليم، وألف عددًا من الكتب، ومنها الخطط التوفيقية.

رفاعة الطهطاوي
كان رفاعة الطهطاوي أحد الملتحقين بالجيش المصري في عهد محمد علي بعد تخرجه من الأزهر، وعمل في الجيش إمامًا، وكان من ضمن الملتحقين ببعثة محمد علي التعليمية للطلبة لكي يستكملوا دراستهم في فرنسا، فكان دور الطهطاوي لا يزيد على كونه إمامًا وواعظًا للطلاب، لكنه لم يكتفِ بذلك، فتعلم اللغة الفرنسية وأدى امتحان الترجمة ونجح فيه، وألَّف كتابه الشهير (تخليص الإبريز في تلخيص باريز).

وبعد عودته عمل في الترجمة في مدرسة الطب، وهي كلية الطب حاليًا، وبعدها أسس مدرسة الألسن، وعلى الرغم من كونه أزهريًا ضليعًا باللغة العربية، فإنه أراد للمصريين أن يتعلموا اللغات الأخرى؛ لتتفتح عيونهم على الحضارات الأخرى، وأنشأ مجلة روضة المدارس وهي مجلة مصرية للأطفال، كان الهدف منها نشر العلوم بين المصريين جميعهم، وألَّف أيضًا الأناشيد للأطفال، وكان يوزعها أسبوعيًا على المدارس.
جمال الدين الأفغاني
وضع جمال الدين الأفغاني يده على مسألة لم تلق اهتمامًا جيدًا ممن حوله، وهي ببساطة أن يهتم المسلمون بالمستوى الحضاري والروحي حتى لا تنهشهم أيدي الاستعمار من الدول الغربية، فدعا إلى تطوير التدريس وإدخال العلوم المتنوعة إلى المدارس، وشجع على تعلم الفلسفة وقال إن العقل وما ينتج عنه يقبله الإسلام ويناسب المبادئ الإسلامية الأساسية.

كل هؤلاء السالف ذكرهم هم فيض من غيض، فقد كان ذلك العصر يمتاز بالتجديد والتطوير في أوضاع البلاد وفي الفكر، ومقالنا هذا دعوة للترحم على هؤلاء الذين مهدوا لنا السبل لحياة أفضل، ولإحياء ذكراهم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.