رهانات الفلسفة عند ألان باديو

ألان باديو هذا المثقف الماركسي الذي ولد في مدينة الرباط 1937م، حتى اصبح أستاذاً في كليّة الدراسات العليا الأوروبيّة، وكرسي فلسفة سابقاً في المدرسة الاعتياديّة العليا (ENS  ).

أمّا تصنيفه الايديولوجي فهو يعد من أتباع الماركسيّة يحسب "على أقصى اليسار، ويتبنّى النهج الاشتراكي" لعل هذه المرجعيّة كان لها الأثر القوي في مواقفه و انحيازه النقدي وقد ظهر هذا بعمق في مؤلفاته التي ناهزت الخمسين مؤلف، وعلى الرغم من تنوع المجالات والمعالجات التي قدمها في مشارب شتّى ما بين (الفلسفة والنقد والسياسة والسينما والروايّة والمسرح). إذ هناك ( العديد من مقالاته، حول الشعر، التحليل النفسي، الرياضيّات والسياسة. وكان أيضاً عضواً دائماً في الأكاديميّة الفلسفيّة البرازيليّة يعد الآن أحد أعظم الفلاسفة الفرنسيين الأحياء في الجامعات بل في جميع أنحاء العالم، فللرجل أعمال فلسفيّة لا تخلو من الجدّة والأصالة، كما يتمثّل ذلك في كتابه "الكينونة والحدث"، وفيه يبلور مفهوماً جديداً للحدث على نحو مبتكر. ومفاد رأيه أنّ الحدث هو ما يولِّد الأثر ويخلق الحقائق، وعلى نحوٍ قد يغيّر علاقة المرء بوجوده، بأبعادها الأربعة؛ المعرفيّة، والسياسيّة، والعشقيّة، والفنيّة)؛ لكن توصيف جهده بالتجاوز لا يعني التحليق في سماء المتعاليات، ولا الانسلاخ عن الطبيعة؛ فالفرد في النهاية هو أناه، أي خصوصيته وفرادته. وما يتعدى الأفراد أو الجماعات، إنما هو الحيّز العمومي والوسط التداولي أو الوسيط المفهومي والمجال التواصلي، أي ما يتيح التوسط والتبادل بين البشر. لكن  يمكن القول أيضاً إنّه"بيان من أجل الفلسفة " (1989م)، وهو من الأعمال التي ترك فيها "باديو"،  توقيعه بعمق على مفاهيم الوجود والحقيقة؛ لكن بالتأكيد لم يكن تكراراً لما هو سائد، فقد عرف بتفرده لما هو سائد ومهيمن. ولعل هذا يمكن تلمسه في مؤلفاته التي تبين انحيازه و اختلافه أيضاً عن غيره مثلما تبين رؤيتهُ النقديّة، ولعل من علامات تميزه الاثرين المبرزين له وهما الكائن والحدث (1988م) ومنطق العوالم (2006م). الى جانب كتابه الصغير العلاقة الملغّزة بين الفلسفة والسياسة (باريس 2011م) وهذهِ ثلاث دراسات وقد كانت المرجعيّة الحاضرة في هذه البحوث الثلاثة التي تضمنها كتابه هذا، مرجعيّة " آلتوسير" وقد تكثفت في مقولته ألمعروفة: "الفلسفة صراع طبقي داخل النظريّة". وقد تجلّت تلك المقولة في عدهِإنّ وظيفة الفلسفة بالدفاع عن "العدالة "؛ لأنّه يرى الفلسفة بوصفها فعلاً ديموقراطياً يبشّر بقدوم مدينة فاضلة. ولعل هذه الرؤيّة كانت حاضرةً في دعوته إلى توحيد الشعر والفلسفة، ويعلل هذا بعد الفلسفة، فيها من الشعر أكثر مما فيها من المفاهيم النظريّة الواضحة.

ولعل هذا يقارب التصور الماركسي الذي يربط النظريّة بالممارسة ويبتعد عن المثاليّة والتجريد. لكنّه عاش مساره تحت شعار رومانسي: "شهوة إصلاح العالم"، لعل هذا التوصيف للفلسفة يحضر بقوّة في كتاب عنوانه: "القرن"، نجده يقارب التاريخ مقاربةً مختلفةً ما نجده في الفلاسفة المتبقين الذين قاربوا التاريخ مقاربة السلطة ممثّلةً بالحكام وهمّشوا الشعوب الأخرى اذ اختصر بعض "فلاسفة" القرن العشرين على الهتلريّة والستالينيّة وما يقبل بالاشتقاق منهما، بحق أوبغير حق، وهم بهذا مازالوا ينظرون إلى النظرة القديمة للتاريخ بالطريقة نفسها؛ كونه تاريخ سلطة وليس تاريخ شعوب مهمشة. لكن بالمقابل كان باديو يتصور أنّ للمثقفين والعلماء هم علامات بارزة في هذا القرن فيرى أن الثورة الروسيّة والصينيّة والفيتناميّة، وثورات كاندينسكي في الرسم وإيزنشتاين وتشابلن في السينما، وفرويد في التحليل النفسي وأينشتاين في الفيزياء، وكافكا في الرواية، الأمر الذي عيّن "القرن" سيّداً على الأزمنة.

فانه هنا بحسب ما يبدو قريب من نظريّة التاريخ الجديد في تصوراتها للتاريخ وان اختلف بخصوصيّة ميزته عن غيره، ولعل هذا يظهر في ملامح من فلسفة التاريخ إذ يرى حضوراَ للفرديّة في تغير الأحداث من خلال فهم خاص للبطل والبطولة فهي بنظرهِ: " فعلً مضيء، يقهر في الإنسان جوانبه الحيوانيّة ويكشف عن إمكاناته المبدعة، فعل منفتح على اللامتناهي، طالما أنّ في الأنسان عطباً يجب التحرر منه، وهي إمكانيّة إنسانيّة أكيدة ترجمتها الثورات بلغات متعدِّدة". ونجد في مقاربته إلى العلاقة بين الفلسفة والسياسة كما تجلّت في كتابه "العلاقة الملغّزة بين الفلسفة والسياسة" اذ يقارب مفهومين هما (المحارب والجندي) مقاربةً مميزةً يظهر فيها الاختلاف الكبير بين حقبة الاقطاعيّة والفروسيّة والملكيّة وبين الحقبة المعاصرة، اذ يرى اختلافاً كبيراً بين المفهومين.

اذ ارتبط الأول بقيم النبالة والحكم الملكي، مساوياً بين البطولة و "المجد" الشخصي، فهو يبدأ بنفسهِ  وينتهي بها ساعياً وراء الفخار والتمجّد والاستعراض الذاتي. لذا يبدو بعيداً عمّا يدعوه الفيلسوف بالحريّة المبدعة، ذلك أنه مدفوع إلى بطولته باعتبارات اجتماعيّة أو بشروط وراثيّة، يفعل ما اختير له أن يفعله، وينجز ما دُفع إليه منتهياً، غالباً، إلى موت أقرب إلى العبث، يخدم الأفراد ولا يعرف نبل القضايا الإنسانيّة. ومع أن المحارب مرتبطٌ، أدبياً، بمقولة الملحمة، التي لا ينقصها البعد الإيجابي، فإن بطولته زائفة ولا كثافة فيها؛ بسبب المنفعة التي تصاحبها.

اما الجندي الذي يأتي ويذهب ويقاتل ويموت ولا يسأل العرفان من أحد. على خلاف المحارب، الذي يمارس بطولة قوامها الزهو والطاعة والمكأفأة المتعالية، المتوجة بثناء أرستقراطي، ينتمي الجندي إلى عالم دنيوي بسيط ، لا يهجس كثيراً بعطايا السلاطين ومرّات الآخرة، فهو امتداد للجموع البشريّة المقاتلة، بل أنه تجسيد لما هو جماعي وتضحيّة نبيلة من أجل أهداف جماعيّة. يتجلّى هذا الفعل البطولي، رمزياً، في نصب "الجندي المجهول"، الذي يظل مجهولاً على الرغم من الطقوس التي تحتفي به، كما لو كان روحاً سعيدةً متناثرةً في الفضاء، رمزه يغني عن اسمه ويدع الأسماء للأبطال الزائفين. بل أن جوهره ماثل في غياب اسمه، وهو موزّع على جدليّة شجاعة الموت والخلود. إنه المجد الديموقراطي الذي يعيشه بسطاء لا يبحثون عن المجد، يأتون إلى المعارك بقيم مجيدة وملابس فقيرة ولا يعودون منها، وقد لا يظفرون بقبر أحياناً، تاركين وراءهم حكايات أو ما يشابه الحكايات واللهب الصامت في مكان ما. شيء قريب من خلود يقول به الشعراء، لا يستأنس بأمس ولا يلوّح لما يأتي، ملتفاً بأصداء غامضة تحرّض العادلين ولا تنتظر العدالة. والفعل في تقشفه الحزين سياسي، على الرغم من صمته، جاء من جموع ترغب بالوقوف وترك أمامها ما يدعو إلى انبثاق جديد.

لقد كان لتلك الرؤية كثافتها في تجليّات نقديّة قويّة ومتماسكة اتجاه رؤية تبدو تلفيقيّة تكمن بعمق فيمَ هو معلن بوصفه مفاهيم  بديهيّة يقرّ بها في كثير من الشعارات التي يرددها الفلاسفة والأدباء والصحفيون، فهي لا تعدو أن تكون مجرد خطاطةً تلفيقيّةً تكمن خلف شعارات عموميّة غير متماسكة. تحاول تعرية هذا الادِّعاء بمطرقة نقده بلا مواربة على أمجاد (تاريخ الحريّة والإخاء والمساواة ) في فرنسا، بقوله "ثمّة تاريخان متضافران لفرنسا، يتوازى فيهما التمرد الثوري العظيم مع الرجعيّة الوسواسيّة المتشككة".

فهذا النقد يقارب تلك المفاهيم والشعارات التي تبدو يوتوبيا تقوم على التعميم مثل: ("مصطلح "الإخاء" هو أكثر مصطلحات شعار الجمهوريّة غموضاً. يمكن أن نتناقش حول "الحريّة"، لكننا نعرف ما هي. ويمكن أن نُقدِّم تعريفاً دقيقاً تماماً عن ماذا تعني "المساواة"؟ لكن ماذا يعني "الإخاء"؟ هذا يمس من دون شك قضيّة الاختلاف").

وهو  مازال هنا يقارب الفلسفة مقاربةً يساريّة الا أنّها لا تخلو من شعريّة عميقة تمنح حق الاختلاف المبدع الذي يبعد التمركز والتفرد والقسوة ولعل هذا يظهر جلياً في كتابه الأتيقا" اذ أن مفهوم الذات الذي يستحدثه باديو فليست ذاتاً سيكولوجيّة ولا ذاتاً تأمّليّة (على طريقة ديكارت) ولا هي بالذات المتعالية (على طريقة كانط). إنّها ذاتٌ ناجمةٌ عن لقاء حبّ بما هي ذات تفيض عن المُحبَّين. وذات المسار الفنّي ليست ذات الفنّان أو العبقريّة إذ تكون على وفق عبارة لباديومن ضمن كتابه الأتيقا "النقاط –الذوات هي الآثار الفنّيّة" .

اما في كتابه "في مدح الحب"  والصادر  في عام 2009م ، الذي هو بالأساس كتاب حواري للآخر فيه حضور وفيه أيضاً جدليّة فلسفيّة تقوم على شاعريّة الحب والآخر اذ  يرى "أن الشخص الذي لا يتخذ الحب نقطة بداية له لن يعرف أبدا ما هي الفلسفة". فهذا الجزم في العلاقة بين معرفة الحب ومعرفة الفلسفة وغياب تلك المعرفة تفضي الى الجهل في جوهر الفلسفة، مقاربة رائعة تزيل طابع التجهم من على الفلسفة والحب وتغادر الفلسفة كونها حواراً داخلياً في عقل الفيلسوف الى حضور الآخر بوصفه طرفاً مشاركاً في انتاج معرفة الحقيقة. مقاربةً جميلةً وعميقة في احترامها للأخر. وبالآتي الانتقال من صنميّة الهويّة الى انفتاح الغيريّة عبر تلمس طرق أكثر حريّة وإن كانت أكثر مغامرةً وخطراً؛ الا أنها في كل الأحوال أفضل من التنعم في ظل الراحة ولعل هذا الاستنتاج يظهر في ما يطرحه من تساؤل حواري مع الآخر بقوله: أن "الحب هو بناء الحريّة. ستسألني: أي نوع من الحريّة؟ حسناً، أنا أعني الحريّة في نقطة محددة تماماً: ما نوع العالم الذي يراه المرء حين يختبره من وجهة نظر اثنين وليس واحداً؟ كيف يصبح العالم حين يختبره ويمارسه ويعيشه من وجهة نظر الاختلاف وليس الهويّة"؟.

إذ ان باديو هو أحد آخر عظماء جيل ثورة الـ 1968م، وأحد أشرس منتقدي رطانة الشعارات الفرنسيّة وتقلّبات مفكّريها، وأحد أكثر «المتخشّبين» عناداً في الإصرار على أهميّة الشيوعيّة والماويّة والماركسيّة حتى لو بقي وحيداً بعد رحيل معظم مجايليه، وارتداد معظم من تبقّى. لا يستطيع أشدّ منتقديه إنكار أهميّته في الحقول الفلسفيّة والسياسيّة، ومن هنا تنبع خطورة أفكاره وأهميّتها في زمن الرأسماليّة والاستهلاك.

على الرغم من الحضور القويّ لباديو في الساحة الفلسفيّة الفرنسيّة منذ الستينيّات، تأخّر اسمه في الظهور عالمياً حتى نهاية التسعينيّات، حين صدرت الترجمة الإنكليزيّة لكتابه «بيان من أجل الفلسفة» (1989م)، ثم تلاحقت الترجمات بسرعة كبيرة، بعدما أدرك الجميع أنّهم أمام عقلٍ فكريّ فريد يتوازى لديه عمق الفلسفة ونظريّاتها المتشابكة، مع سلاسة الأفكار والطروحات.  إذ عدّه بعضهم النسخة الفرنسيّة من الفيلسوف السلوفينيّسلا فويجيجك؛ ولكنّها النسخة الأعمق والأهدأ،  من دون التنازل عن شراسة النقد عندما يتطلّب الأمر ذلك.

يبدأ هذا الكتيّب الصغير (وهو حوار أجراه نيكولا ترونغ مع باديو) بعبارةٍ لرامبو «إنّ الحبّ، كما نعلم، يجب أن يُبتكَر من جديد»، ثم يمضي باديو ليطرح أفكاره بشأن الحب في زمن الاستهلاك، ومكانة الحب في الفلسفة والأدب، وعلاقته بالسياسة والفن. ينطلق باديو من مقدّمته الأخيرة التي يكرّر فيها رؤيته لماهيّة الفلسفة والفيلسوف، حين يؤكّد على أنّ الفيلسوف يجب أن يكون "عالماً بارعاً وشاعراً هاوياً وناشطاً سياسياً، بل وعليه أن يقبل حقيقة أنّ حقل الفكر ليس محصّناً أبداً أمام انقضاضات الحب".

وهو يشكك إلى حد كبير في المفهوم الحديث للفلسفة السياسيّة ويطالب بطريقة جديدة لربط الأعمال الفكريّة للفلسفة والممارسة السياسيّة. من أجل تجنب الفظائع من الناحيتين العلميّة والفكريّة للحداثة، يجادل باديوفي أنّ نظريّة الموضوع السياسي يجب أن تبدأ من موقف أبعد من السياسة. يطور باديو نظريّة ما بعد السياسة للموضوع، التي تقع نقطة انطلاقها في طوبولوجيا سياسيّة لا يمكن تصورها.

وهكذا يأتي  بعده هذا الكتاب " في مدح الحبّ" لسنة 2009م ثمّ يأتي كتابه الآخر حول السعادة الحقيقيّة سنة 2015م وفيه يكمل ما جاء في كتابه السابق فتغدو" السعادة" لديه "قيمة نضاليّة تجد متعتها القصوى في طلب المستحيل  وفي اللقاء بالحدث انبثاقها ومسارها وفي إتيقيا الحقيقة أفقها الكبير." .

يصرّ باديو على جعل الحقيقة طلباً لما هو غير موجود. إنّها تحدث ضرب صُلب من "البريق لظاهر لم يكن وجوده ظاهراً للعيان- في السياسة: العبيد القدامى أو العمّال المعاصرون. وفي الفنّ ما لم يكن ذا شكل ويقع تحويله فجأةً. وفي الحبّ ضرب من الشرخ في صلابة ذات الفرد عبر اثنين.".في الوقت الذي يكون به .

من أجل عرض فكرة السعادة كما أرادها ألان باديو كآخر فلاسفة العالم الحالي وأكثرهم قرباً منّا- نحن الساكنين قلب تاريخ زلازله أكثر من نهاراته الهادئة وتعاسات شعوبه أكثر من لحظات سعادتهم- سنكتفي بقطاف أربع أطروحات نراها كافية لترجمة عمق السؤال الفلسفي الجديد عن السعادة:

أوّلاً علينا أن نتمسّك بالرغبة في الفلسفة من أجل تمييز السعادة الحقيقيّة عن سعادة الإشباع؛ لأنّ الفلسفة هي ضرب من "التمرّد المنطقي" ثم انها قائمة على المنطق وهي بذلك لا يمكن أن تكون إلاّ كونيّة في عمقها و الثالث إنّ الفلسفة إنّما هي مغامرة ومخاطرة من أجل البحث عن حقيقة ما وسط هذا العالم المسكون بالزيف والكذب والمغالطات.

لكنّه يؤكد من ناحيةأخرى على أن هذا العالم فقد براءته وقدرته على المجازفة وصار فيه البشر مجرّد كائنات هشّة تطلب الأمن والحياة الهادئة التي تخلو من كلّ رغبة في المستحيل أو في اللامتوقّع. هكذا إذن تواجه الرغبة في الفلسفة أربعة تحديّات هي: (سيادة السلع التي لا تلائم الرغبة في الثورة ولا تمنح غير إشباع لا ينتهي لرغبات الأفراد كما لو كان سعادة.  وهيمنة وسائل التواصل بطابعها اللامنطقي، كونيّة المال بدلاً عن كونيّة القيم والحساب والأمن بدلاً عن الرغبة في المخاطرة(.

ثانياً: في أنّ السؤال عن السعادة يقتضي من الفلسفة عدم التخلّي عن مطلب الحقيقة.

ثالثا: أن تكون سعيداً هو أن ترغب في تغيير العالم.

يميّز ألان باديو في مقاربته للعلاقة بين الفلسفة والسعادة بين ضربين من الفلسفة: (فلسفة الفلاسفة من قبيل التأويليين والتحليين والتفكيكيين وفلسفة المضادّين للفلسفة من قبيل باسكال وروسو ونيتشه وفيتغنشتاين). هؤلاء الذين تتعالى أصواتهم ضدّ الفلاسفة، - إذ يضحي ديكارت في عينيّ باسكال "غير نافع وغير ذي يقين" ويصبح فولتار وديدرو وهيوم لدى روسو "فاسدين ومتآمرين" ويصبح الفيلسوف نفسه لدى نيتشه "مجرم المجرمين"، وتصبح الميتافيزيقا نفسها لدى فيتغنشتاين "مجرّد ضروب من اللامعنى"، - هؤلاء مضادّون للفلسفة من داخل الفلسفة، والمقصود بالفلسفة الكلاسيكيّة القائمة على "البحث عن الحقيقة" وعلى الإي مان بأنّه ثمّة حياة حقيقيّة وسعادة حقيقيّة على الفلسفة أن تضطلع ببناء مفهوم كبير لها. إنّ هؤلاء المضادّين للفلسفة هم في إعتبار باديو، كتّاب كبار، إن لم يكونوا فلاسفة، وهو أقلّ ما يُقال فيهم. لكنّ فيلسوفنا ألان باديو هذا المحبّ للمفهوم والشغوف بالحقيقة والنسق، لا تستهويه هذه "الأناشيد المذهلة والمغويات اللاحمة".

إنّ السعادة إذن هي وليدة لقاءات. لقاء حبّ مثلاً. وليست نتاج اًلإشباعات. ذلك؛ لأنّ الذات لا يمكنها أن تجد سعادتها أي حياتها الحقيقيّة في الحياة السائدة، إنّما عليها أن تلتقي بها في خضمّ الحياة وفي عمقها. اللقاء بحقيقة حبّ أو بحقيقة سياسيّة أو فنّيّة أو علميّة: تلك هي السعادة.

ذلك أنّ "الوجود قادر على ما هو أكثر من مجرّد استمراره". تلك هي القاعدة الذهبيّة التي يخرج بها الفيلسوف ألان باديو من مروره عبر ركح من أسماهم بالمضادّين للفلسفة.

نعم، نحتاج إلى تغيير العالم من أجل أن نكون سعداء. تلك هي أهمّ أطروحة يقترحها علينا ألان باديو في هذا الكتاب. لكن من أجل إنشاء فلسفة في السعادة لا تقوم على مفهوم كسول يجعل منها مجرّد تعاطف مع نظام العالم أو مجرّد قناعة بما تمنحك الأقدار، يقترح علينا باديو مفهوماً طريفاً وغير مسبوق للسعادة. هو مفهوم يمكننا وصفه بالمفهوم النضالي للسعادة.

إنّ العلاقة بين مفاهيم الذات والسعادة والحقيقة هي علاقة وثيقة في تصوّر باديو لأنّه من أجل تغيير العالم ينبغي اقتراح مفهوم جديد للذات ليس هو المفهوم التقليدي لها إذ تكون قواماً للحقيقة وضامناً أنطولوجيّا لها. الذات هنا هي ذات السعادة أي ذات التغيير. وهو ما يقوله باديو من ضمن الحوار المذكور أعلاه الذي أجراه معه دانيال سعيد: "إنّ الذات تتغيّر، لا لأنّها ترى ما لا يوجد، إنّما لأنّها تجرّبُ أنّه ثمّة شيء آخر. إنّ ما ليس هو المهمّ. ذلك أنّ ظهور ما ليس إنّما هو أصل كلّ اقتدار ذاتيّ حقيقيّ!". بل وأكثر من ذلك "لأننا نحن لاشيء، لكننا كلّ شيء إذن.

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة