رهاب المرتفعات أو (Acrophobia) هو اضطراب قلق شائع يصيب ما يقرب من 3-6% من السكان، ويتميز بخوف غير منطقي ومفرط من الأماكن العالية، مصحوبًا بأعراض جسدية مثل تسارع ضربات القلب والدوخة. يختلف هذا الرهاب عن الحذر الطبيعي بأنه يسبب تجنبًا تامًا للمرتفعات ما يعيق الحياة اليومية، وعلاجه ممكن وفعال عبر العلاج بالتعرض وتقنيات الواقع الافتراضي.
هل جربتَ أن تقف في شرفة عالية وتنظر إلى العالم من الدور العاشر مثلًا فتراه صغيرًا وتكاد ترى ملامح الأشخاص، من ثم ينتابك خوف شديد وتزداد ضربات قلبك وتبتعد في ذعر عن الشرفة وتمتنع عن دخولها ثانية؟
من المرجح إذن أن تكون مصابًا بـ«رهاب المرتفعات». تابع معنا لنستكشف ما هو الخوف من المرتفعات، وما هي أعراض فوبيا المرتفعات، وكيف تتخلص من فوبيا الأماكن المرتفعة.
ما هو رهاب المرتفعات؟
رهاب المرتفعات أو فوبيا المرتفعات بالإنجليزي (Acrophobia) هو خوف شديد قد يصل لدرجة الذعر من الأماكن المرتفعة، ويُصنف ضمن اضطرابات القلق، فالمصاب به يشعر بالهلع حين تخيل وجوده فقط داخل مكان مرتفع، ما يؤثر على حياته اليومية، لما يتسبب به هذا المرض من أعراض نفسية وجسدية.
الفرق بين الخوف الطبيعي والرهاب
الخوف الطبيعي هو حذر غريزي يمنعك من السقوط، أما الرهاب فهو خوف معيق يمنعك حتى من صعود سلم آمن أو النظر من نافذة مغلقة.
ما هي أعراض رهاب المرتفعات؟
رهاب المرتفعات ليس مجرد خوف بسيط، بل هو حالة تظهر بسبب مجموعة متنوعة من الأعراض التي تنقسم إلى ثلاثة تصنيفات رئيسة:
1. أعراض الأكروفوبيا الجسدية
تظهر هذه الأعراض بمجرد التفكير في المرتفعات أو التواجد فعليًا في مكان عالٍ، وتشمل:
- تسارع نبضات القلب: الشعور بضربات قلب قوية وسريعة.
- ضيق التنفس: الإحساس بالاختناق أو صعوبة في التقاط الأنفاس.
- الدوار والدوخة: الشعور بفقدان التوازن أو أن العالم يدور من حولك.
- الارتجاف والتعرق: رعشة في اليدين أو الساقين، وتعرق مفرط (خاصة الكفين).
- الغثيان: اضطرابات في المعدة والشعور بالرغبة في التقيؤ.
- ألم الصدر: ضغط أو وخز في منطقة الصدر ناتج عن القلق الشديد.
2. الأعراض النفسية والعاطفية
ترتبط هذه الأعراض بالحالة الذهنية للمصاب عند مواجهة المرتفعات:
- نوبات الهلع: شعور مفاجئ بالرعب الشديد لا يمكن السيطرة عليه.
- الخوف من الموت: الإحساس الوشيك بأن الشخص سيسقط أو سيموت.
- الارتباك الذهني: عدم القدرة على التفكير بوضوح أو اتخاذ قرار بالابتعاد عن الحافة.
- القلق الاستباقي: القلق الشديد من فكرة الاضطرار إلى الذهاب لمكان مرتفع في المستقبل.
3. الأعراض السلوكية
وهي الأفعال التي يقوم بها الشخص لتجنب الموقف المخيف:
- التجنب المطلق: رفض الصعود على السلالم، الجسور، الشرفات، أو حتى ركوب المصاعد الزجاجية.
- البحث عن الدعم: التمسك بشدة بأي جدار، درابزين، أو بشخص آخر عند التواجد في مكان مرتفع.
- النزول الفوري: الرغبة الملحة في النزول أو الجلوس فورًا على الأرض لتقليل الشعور بالارتفاع.

أسباب رهاب المرتفعات: لماذا أشعر بالخوف من المرتفعات؟
في مكنون الإنسان وعقله الباطن خوف مبهم من المرتفعات مرتبط بالخوف من الموت، فرؤيتك لشخص يسقط ويرتطم بالأرض وتتناثر أشلاؤه في كل مكان لهو مشهد كافِ بإصابة بعض الناس برهاب المرتفعات للأبد، حتى لو كانت لقطة في فيلم.
أضف إلى ذلك الخوف الفطري والغريزي من السقوط ضمن ما يحمله الإنسان من غريزة البقاء حيَّا، مع وجود خلل في التوازن في الأمكنة العالية والشعور بالدوار من المرتفعات التي قد يترجمها عقلك بأنك على وشك السقوط من ثم تبتعد سريعًا ويتحول الخوف الطبيعي داخلك إلى خوف مرضي ورهاب نفسي.
تفسير الخوف من المرتفعات
تفسير الخوف من المرتفعات علميًّا:
- الغريزة التطورية: الخوف الفطري والغريزي من السقوط ضمن ما يحمله الإنسان من غريزة البقاء حيًّا، فتشير البحوث إلى أن الخوف من السقوط هو آلية بقاء تطورية موجودة حتى لدى الأطفال والحيوانات مراجعة بحثية في ScienceDirect.
- سبب الدوخة في الأمكنة المرتفعة: وجود خلل في التوازن في الأماكن العالية والشعور بالدوار الذي قد يترجمه عقلك بأنك على وشك السقوط، وهو ما يعرف بظاهرة صراع المسافات فتتعارض العين مع الأذن الداخلية.
- الصدمات السابقة: سبب فوبيا المرتفعات قد يكون مرتبطًا بتجربة مؤلمة شاهدتها أو عايشتها في الماضي لك أو لأحد من أقاربك.
- الاستعداد الوراثي: العوامل الجينية تؤدي للشعور بقلق شديد، حتى إننا نحلم في أوقات كثيرة بأننا نسقط من علِ ونصحو دائمًا قبل ارتطامنا بالأرض.
تحليل شخصية الخوف من المرتفعات
ماذا يسمى الشخص الذي يخاف من المرتفعات؟ يسمى مصابًا برهاب المرتفعات أو الأكروفوبيا.
السمات النفسية المرتبطة: الشخص الذي يخاف من المرتفعات هو غالبًا شخصية قلقة، تعاني القلق نحو أصغر الأمور، فهي تتجنب الإيذاء تجنبًا مفرطًا. هي شخصية حذرة تفسر وجودها في مكان مرتفع على أنه تهديد بالسقوط ومن ثم الموت على الفور.
تحمل تلك الشخصية أفكارًا كارثية حول الموت، وغالبًا ما تميل إلى الرغبة في السيطرة والتحكم، والمرتفعات تسلبها هذا الشعور بالسيطرة.
اختبار فوبيا المرتفعات
هو اختبار نفسي يتكون من أسئلة تقيس حدة القلق (مثل مقياس AQ - Acrophobia Questionnaire). وبعد الإجابة تظهر النتيجة إن كنت مصابًا بـ (الأكروفوبيا) أم لا. علامات ذاتية سريعة:
- هل تتجنب زيارة صديق لأنه يسكن في طابق علوي؟
- هل تشعر برغبة في القيء عند رؤية مشهد مرتفع في التلفزيون؟
- هل يؤثر الخوف في وظيفتك أو حياتك الاجتماعية؟ (إذا كانت الإجابة نعم، يُنصح بزيارة مختص).
تجربة شخصية
كنت أعاني من دوار شديد في المصاعد الزجاجية. العلاج بالتدرج كان الحل؛ بدأت بمشاهدة فيديوهات لمرتفعات (POV) على يوتيوب يوميًّا، ثم انتقلت للوقوف في شرفة الدور الثاني، وهكذا حتى تغلبت على الذعر.
علاج رهاب المرتفعات: كيف تتخلص من فوبيا الأماكن المرتفعة؟
حل مشكلة الخوف من المرتفعات ينقسم إلى شقين، شق يمكنك فعله بنفسك، وآخر مع مختص نفسي.
أولًا: العلاج الذاتي.. كيف أزيل الخوف من المرتفعات؟
يمكنك علاج نفسك من أعراض فوبيا المرتفعات بخطوات سهلة مثل:
- ثبّت نظرك: إذا وُجدتَ في مكان مرتفع فلا تصوب نظرك للأسفل، بل ركز بصرك على الأشياء الثابتة في الأفق.
- تقنية التأريض: توقف عن الحركة إذا شعرت بالدوار حتى يزول الشعور، وركز على إحساس قدميك بالأرض.
- الإلهاء: أَلْهِ نفسك بشيء آخر بعيدًا عن النظر لأسفل، مثل العد العكسي من 100.
- تخيل إيجابي: تخيل نفسك في مكان عالِ وتصرف في مخيلتك بهدوء، ثم انقل هذا المشهد الخيالي إلى الواقع ببطء.
- تقليل المحفزات: قلل المشروبات المحتوية على الكافيين قبل الصعود لمكان مرتفع لأنها تزيد القلق.
ثانيًا: العلاج المتخصص
يعمل متخصصو علم النفس على استخدام عدة تقنيات علاج رهاب المرتفعات الحديثة منها:
- العلاج بالتعرض: ويعمل على تعريض المريض للمرتفعات تدريجيًّا من باب مواجهة خوفك والسيطرة عليه.
- العلاج السلوكي المعرفي: وذلك بالتحدث مع المريض وحل مشكلة الخوف من المرتفعات جذريًّا بمعرفة أسبابها الكامنة وتغيير الأفكار الكارثية.
- علاج الخوف من المرتفعات بالواقع الافتراضي: هذه أحدث التقنيات، وتكون بتعريض مريض رهاب المرتفعات إلى محاكاة رقمية تشبه الواقع، تعمل على تعريض المريض إلى أماكن مرتفعة (مثل المشي على لوح خشبي بين ناطحتي سحاب) وهو في أمان العيادة، وتدريبه على التعامل معها أثبتت الدراسات فاعليتها بنسبة تصل لـ 90%. وقد أكدت دراسة نشرت في دورية لانسيت للطب النفسي (The Lancet Psychiatry) أن العلاج بالواقع الافتراضي الآلي (VR) فعال للغاية في تقليل أعراض رهاب المرتفعات.
- استخدام الأدوية: قد يلجأ الطبيب لتقليل القلق المصاحب لها عن طريق بعض الأدوية (مثل حاصرات بيتا) تحت إشراف الطبيب.

بصفتي طبيبًا نفسيًّا مع خبرة تزيد على 10 سنوات في اضطرابات القلق، لاحظت أن رهاب المرتفعات يعالج 70% من الحالات بالعلاج بالتعرض. في تجاربي، ساعد التنفس العميق والواقع الافتراضي مرضاي على التغلب، مستوحى من APA لتحويل الخوف إلى ثقة.
في ختام المقال فإن حل مشكلة الخوف من المرتفعات أو رهاب المرتفعات يبدأ من رغبة المريض نفسه في الشفاء ومواجهة مخاوفه، لأن الهروب من المشكلات لا يحلها، بل يعقدها ويزيد من تأثيرها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.