رمضان في السودان: عادات وتقاليد فريدة ومذاق سوداني أصيل

يمثل شهر رمضان في السودان حالةً اجتماعيةً وروحيةً تتجاوز مجرد الصيام، حيث تتحول الشوارع والبيوت إلى ساحات مفتوحة للكرم والتكافل. يتميز السودانيون بطقوس لا تجدها في بلد آخر، تجعل من الشهر الكريم موسمًا لتمتين الروابط الأسرية والاجتماعية في أبهى صورها.

تتميّز أجواء رمضان في السودان بعادة «الضرا» حيث تُفرش موائد الإفطار في الشوارع ويُستوقف المارّة والمسافرون لإلزامهم بمشاركة الطعام، مع حضور مشروب الحلو مر المصنوع من الذرة المُنبتة والتوابل على كل مائدة.

رمضان في السودان عادات وتقاليد

عبر مختلف الدول والبُلدان المُسلمة في العالم، يستقبل المسلمون شهر رمضان استقبالاً حاراً يعكس هوية البُلدان وثقافاتها المُختلفة عن بعضها البعض، والسودان هو إحدى الدول الإسلامية التي تظهر نشوة ترحيبها، وتُطفِي طابعها الخاصّ تماشياً مع قدوم هذا الشهر الفضيل.

ولعلّ من الظواهر المتوارثة في المجتمع السوداني في شهر رمضان هو خروج الأُسر، والعائلات السودانية إلى الساحات والطرقات العامة للإفطار عند تلك الساحات، كعادة متوارثة توحي بكرم هذا الشعب، وتعكس ترابطه، فيكرمون المارّة عند حضرتهم، بموائد من الأطعمة والمشاريب، ولِينٌ من القول.

هذا ويجدر بالذكر استقبال النِّساء لهذا الشهر من جانب الأطعمة والمشروبات، ببعض الأطعمة المحلية الشعبية، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع قدوم شهر رمضان، كمشروب "الآبريه"، والأكلات كالعصيدة بالتقلية.

 في رمضان يعود الغريب عن منزله ليقضي أيام هذا الشهر وسط أهله، ويتعرّف المسافر على مجتمع طريقه.

في رمضان تجلس "التّومة بت الزين"، مع "فاطنة" على بساطٍ واحد، ويأكُلن عند إناء واحد.

في رمضان يجلس "أوهاج" بيمين "أبّكر" وبشمالهم "العجب"، ويأِمّهم كوكو، لصلاة المغرِب بعد الإفطار.

في رمضان لا تُخصص الشوارع لأبنائها، فالكل فيها، والكل ابنها.

 والكثير من ممّا لا يتأتى لي ذكره.

الجميل في الأمر أن هذا الشهر يأتي ليُحيي الترابط بين شعوب الإسلام، كأنه يذّكرهم بأعظم ما مرّ على دينهم، كأنه يعيد فيهم روح أُخُوّة الإسلام، والظّفر بثواب ركن عظيم من أركان الدين الإسلامي.

كيف يكون رمضان في السودان؟

يبدأ الاستعداد لرمضان في السودان مبكرًا منذ شهر شعبان، حيث تفوح رائحة خبيز الآبري من المنازل، ويتم تجديد أواني المطبخ. ومع ثبوت رؤية الهلال، تخرج المسيرات الصوفية (النوبة) وتضرب الطبول ابتهاجًا. رمضان في السودان ليس صيامًا خلف الأبواب المغلقة، بل هو شهر التواجد في الفضاءات العامة، حيث تغلب عليه الروح الجماعية والبساطة الشديدة.

رمضان في السودان هو شهر التواجد في الفضاءات العامة

عادات وتقاليد الإفطار الجماعي (ضرا الشارع)

تعد عادة الإفطار الجماعي في الشوارع (أو ما يعرف بالضرا) هي العلامة الفارقة لرمضان في السودان. قبيل الأذان، يخرج الرجال والشباب حاملين صواني الطعام (البروش) ليفرشوها في الشوارع والميادين العامة، ومن أعظم تقاليد هذه العادة اعتراض طريق السيارات والمارة وإلزامهم بتناول الإفطار، فلا يسمح لمسافر أو عابر سبيل أن يكمل طريقه وقت الأذان دون أن يشاركهم الطعام، إيمانًا منهم بأن بركة الطعام تزداد بكثرة الأيدي.

أشهر مشروب رمضاني سوداني: الحلو مر (الآبري)

لا تكتمل مائدة سودانية دون مشروب الحلو مر، وهو المشروب الوطني الأول في رمضان.

  • طريقة صنعه: يصنع من الذرة التي يتم إنباتها (تزريعها) ثم تجفيفها وطحنها وخلطها بمجموعة من التوابل (الزنجبيل، القرفة، القرض، والهيل).
  • سر التسمية: يسمى بالحلو مر لأنه يجمع بين طعم التوابل الحريفة وحلاوة الذرة الطبيعية، وهو مشروب منعش للغاية يساعد الصائم على تحمل العطش في درجات الحرارة العالية.

ما هي عادة الرحمتات في رمضان؟

الرحمتات من العادات السودانية الضاربة في القدم، وتُقام عادةً في آخر جمعة من شهر رمضان، وكلمة رحمتات هي دمج لجمعة (الرحمة أتت)، وهي صدقة تُقدم عن أرواح الموتى، حيث تقوم الأسر بطبخ وجبة خاصة (غالباً ما تكون الفتة باللحم) وتوزيعها على الأطفال والفقراء والمساكين.

ويجتمع الأطفال في مجموعات وهم يغردون بأناشيد شعبية مشهورة، في جو يسوده التراحم والتذكر للأهل الذين رحلوا.

المائدة السودانية في رمضان: العصيدة والتقلية

تعد العصيدة المصنوعة من طحين الذرة أو الدخن هي القاسم المشترك في كل الصواني الرمضانية، وتؤكل مع ملاح التقلية (بصل محمر ومطحون مع اللحم المجفف والبامية الناشفة) أو ملاح الروب. هذه الوجبات القوية تمنح الصائم الطاقة اللازمة، وتعد جزءًا أصيلاً من الهوية الغذائية السودانية.

يبقى رمضان في السودان مدرسةً في الكرم الفطري، حيث تذوب الفوارق الطبقية بين الناس على صينية إفطار واحدة في الشارع. إنها تقاليد تعكس نبل الشخصية السودانية التي ترى في إكرام الضيف وعابر السبيل واجبًا مقدسًا، مما يجعل رمضان السوداني تجربةً إنسانيةً فريدةً تبقى عالقةً في ذاكرة كل من عاشها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.