في خضم تاريخ ليبيا ضد إيطاليا، تبرز شخصية رمضان السويحلي كونه قائدًَا فذًّا لم يتقن فن الحرب فحسب، بل أتقن أيضًا فن السياسة والمفاوضات. هذه قصة مفاوضات رمضان السويحلي مع القوة الإيطالية المحتلة، وهي ليست مجرد سرد لأحداث تاريخية، بل هي درس في كيفية استخدام الدهاء والقوة لفرض الشروط وحماية كرامة الوطن، وتجسيد حي لمرحلة حاسمة من مراحل المقاومة الليبية ضد الطليان.
خلفية تاريخية: ولادة الجمهورية الطرابلسية
لفهم سياق الأحداث، يجب العودة إلى فترة ما بعد الاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1911. ففي أعقاب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، استغل زعماء الجهاد الليبي الفرصة وأعلنوا في 16 نوفمبر 1918 عن تأسيس الجمهورية الطرابلسية، كأول جمهورية في تاريخ العالم العربي الحديث.

كانت هذه الجمهورية، التي تشكلت هيئتها الرئاسية من أربعة زعماء بارزين، تسعى للحصول على الاعتراف الدولي والاستقلال. هذا الوضع الجديد أجبر إيطاليا، التي كانت تسيطر على الساحل فقط، على الدخول في مفاوضات مباشرة مع قادة المقاومة.
صندوق الشخصيات الرئيسة في رئاسة الجمهورية الطرابلسية
-
رمضان السويحلي
-
سليمان الباروني
-
أحمد المريض
-
عبد النبي بلخير
مفاوضات صعبة: شروط رمضان السويحلي للصلح
وجدت إيطاليا نفسها مضطرة إلى القبول بالتفاوض مع زعماء الجهاد الليبي الذين كوَّنوا الجمهورية الطرابلسية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن رمضان السويحلي أحد أهم زعماء الجمهورية لم يكن يرغب في التفاوض مع الطليان، لكنه وافق على ذلك نزولًا عند رغبة باقي رؤساء الجمهورية.

وعلى الرغم من مقدرة رمضان السويحلي أن يفرض على باقي الأعضاء رفض الصلح، فإنه لم يفعل ذلك خوفًا من شق الصف الداخلي. والطليان أنفسهم يعلمون بأنه لن يتم التوصل إلى صلح مع المجاهدين إذا لم يقتنع رمضان بذلك، فوسَّطوا لإقناعه بالصلح أحد اليهود ويُدعى «خلافو ناحوم»، وهو أحد أكبر تجّار طرابلس، وتربطه صداقة برمضان، فاقترح عليه أن يقبل بالصلح مقابل إصدار عفو عام على الطرابلسيين، وردّ ما اغتصب منهم من أملاك. رفض رمضان هذا العرض، وقال إنه سيوافق على عقد الصلح إذا كان مبنيًا على المساواة والعدل، أما بخصوص العفو فالطليان هم من يحتاجون إلى العفو، واشترط كذلك الاعتراف بـالجمهورية الطرابلسية من قبل الطليان.
صلح بنيادم 1919 اتفاق تاريخي
وفي نهاية الأمر توصل الطرفان إلى اتفاق على بداية مفاوضات الطليان والمجاهدين والتي بدأت في مارس 1919م. وقد شارك فيها من جانب المجاهدين الليبيين: الهادي كعبار، والصويعي الخيتوني، وعلي الشنطة، ومحمد فكيني، وعزام، وفرحات القاضي، وعبد الصمد النعاس. وكانت الجلسات تعقد في منطقة «خلة الزيتونة». وعلى الرغم من أن رمضان لم يحضر هذه الجلسات، فإنه عيَّن بعض المفاوضين باسمه، من ضمنهم مفاوضون يمثلون الأقليات في ليبيا -ونقصد هنا الجالية المالطية واليهودية- دليلًا واضحًا على أن رمضان كان يسبق عصره في أمور سياسية كثيرة.
ومع هذا كان فريق المفاوضات قبل أن يتخذ أي قرار في مسألة من المسائل يتبادل الرأي فيها مع رمضان السويحلي، وعزام، ومختار كعبار، والباروني وفي حالة غيابهم عن الجلسات. وهنا نلاحظ غياب الزعيم عبد النبي بلخير عن هذه المفاوضات مع أنه عضو في رئاسة الجمهورية الطرابلسية.
ثم بدأت جولة أخرى من المفاوضات ولم تصل إلى نتائج مثمرة. وبعد أن طال أمد المفاوضات قرر رمضان أن يتدخل لحسم الأمر بأن استدعى رئيس الوفد الهادي كعبار وأكد له أن يكون يوم السادس عشر من أبريل 1919م موعدًا لعقد اجتماع حاسم ونهائي. ومن حينها بدأ رمضان في حضور الجلسات شخصيًّا.

وأخيرًا جرى الاتفاق وعقد صلح بين الطرفين عُرف بـصلح سواني بنيادم في يونيو عام 1919م، والذي يضم أكثر من أربعين مادة، منها مواد تعطي المجاهدين الحق في تشكيل حكومة مقرها في طرابلس تسمى حكومة القطر الطرابلسي، وتصبح اللغة العربية لغة رسمية، وتعطي الليبيين حق التجنس بالجنسية الإيطالية، وحق تولي الوظائف الحكومية.
دخول طرابلس استعراض القوة والدهاء السياسي
وبعد أن وقع الطرفان على القانون الأساسي للصلح، اقترح الطليان على المجاهدين زيارة قصر الحكومة الإيطالية في طرابلس. فوافق الجميع إلا رمضان الذي أبدى رغبته في تأخير الدخول، لكن الطليان ألحوا في طلبه. فاضطر رمضان إلى الموافقة، ولكن بشروطه، إذ اشترط أن يدخل 600 فارس من جيش الجمهورية معه إلى طرابلس، وقد وافق الطليان على ذلك.
فكان مشهد فرسان مصراتة يتقدمهم رمضان، الذي كان قد أمرهم بتخبئة ذخيرة سلاحهم في شوالات التبن الخاصة بخيولهم، مشهدًا زرع الخوف في قلوب الإيطاليين. وبعد انتهاء المقابلة بين الوالي الإيطالي وقادة المجاهدين في السرايا الحمراء، رفض رمضان أن يبقى في ضيافة الطليان وخرج بعد المقابلة مباشرة.
صورة القائد بين الزي الوطني والرسائل السياسية
وكان الزي الدائم الذي يلبسه رمضان ويظهر به على الدوام هو الزي الوطني المعتاد لرجال مصراتة، والمتمثل في طاقية مصراتية بيضاء، وقميص أبيض فضفاض برقبة مفتوحة قليلًا حول عنقه، وكُمَّين واسعين، وسروال وطني أبيض، وحذائه «بلغة» صفراء «عفاسي»، ولباسه الخارجي «جرد» أبيض في أيام الصيف، وعباءة حمراء أو شهباء «بشيمة» في أيام الشتاء. ويُشَدُّ وسطه بحزام من الجلد، ويعلق على أحد كتفيه «جبيرة» كأنها محفظة، يضع فيها بعض الأوراق للكتابة أو خطابات رسمية.
ولم يُعرف عن رمضان الظهور في زي وطني أنيق سوى في اليوم الذي دخل فيه هو وجيش الجمهورية الطرابلسية مدينة طرابلس، في يونيو سنة 1919م، وذلك بمناسبة عقد صلح سواني بنيادم، إذ لبس «جردًا» سَعْفه اللائق بلباس الزعماء والأعيان. وما فعله رمضان بارتدائه ملابس أنيقة واشتراطه دخول فرسان الجمهورية معه إلى طرابلس، يذكرنا بما قاله معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عندما كان أميرًا على الشام، حين زاره أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجده في موكب عظيم وعليه الملابس الفاخرة والحرس يحيطون به، فأنكر عليه ذلك، بل ضربه بعصًا صغيرة كانت في يده.
فقال له معاوية: «يا أمير المؤمنين، إننا في أرض يكثر فيها جواسيس العدو، وعلى هذا يجب أن يروا أمير البلاد في أحسن صورة، لأن في صورته انعكاسًا على حالة البلاد الاقتصادية والعسكرية». فاقتنع عمر بكلامه. ورمضان وكأنه أراد أن يقول للطليان: إننا في مصراتة نعيش أحوالًا اقتصادية وعسكرية مستقرة، كما يظهر من مظهره هو شخصيًّا.
في النهاية، تجسد قصة مفاوضات رمضان السويحلي مع الطليان عبقرية قائد استطاع أن يوازن بحكمة بين ضرورات السياسة ومبادئ المقاومة. لقد استخدم الدبلوماسية كساحة معركة أخرى، لم يتنازل فيها عن شروط العزة والندية، وأثبت أن القوة الحقيقية لا تكمن في السلاح فقط، بل في الدهاء السياسي، والثبات على المبدأ، والقدرة على قراءة موازين القوى واستغلالها لمصلحة وطنه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.