يُعد ضربًا من ضروب الجنون بل قد يُعد من سابع المستحيلات أن يحاول أحدنا اختزال سيرة هذا الملك في بضع كلمات لا تكفي لوصف سنة واحدة فقط من تاريخ حكمه، متخطيًا بذلك أعظم العلماء الدارسين لمصر القديمة الذين لم يستطيعوا هم أنفسهم اختزال تلك المدة في مجلد واحد من تاريخ مصر.
ولكننا دائمًا ما نبحث عن مغزى آخر فيما وراء السير الخاصة بملوك وملكات مصر القديمة، لعلنا نتقرب ولو قليلًا من تاريخ تلك المدة إلى أذهان المصري القديم، فقد نستطيع أن نعرف، كيف كان يفكر؟ كيف كان يحكم؟ كيف كان يرى العالم القديم بعينيه؟ لنستطيع دائمًا أن نرى العالم القديم بتلك الصورة التي كانت عليها دون أن نتجاهل حاضرنا أو مستقبلنا على حد سواء.
اقرأ أيضًا: رمسيس الثاني بين البناء والتنمية "حياة الملك"
فالماضي دومًا وحي للحاضر ومرآة للمستقبل؛ لذا نحن نسعى جاهدين دومًا أن نخوض معكم رحلة عبر الزمن إلى مصر القديمة دون أن ننسى أننا ذات يوم سوف نصبح نحن أيضًا جزءًا من هذه الحكاية التي تُروى؛ لذا تعد الحقيقة هي مصدرنا الوحيد للعودة من وإلى الماضي حتى تكون الحقيقة أيضًا شاهدة على تلك المدة التي نعيشها.
ولعل أبرز ما يجعلنا نتعرف على مدة حكم الملك رمسيس الثاني لمصر التي تكشف لنا مدى القوة والدهاء التي كان يتمتع بها الملك نفسه، هي تلك المباني المعمارية والآثار الخالدة المسجلة باسمه في جميع أنحاء القطر المصري والنوبة التي تظهر لنا أيضًا مدى الثراء الذي كانت تحيا به مصر في عهده.
فبالرغم من أن نظام الحكم (ماعت) كان هو السائد بين جميع طبقات الشعب المصري قديمًا، لكن ذلك لم يمنع رمسيس الثاني أبدًا كسالف عهده من خلق حالة لنفسه يمتاز فيها بصفات الآلهة كما يعتقد المصري القديم، وهي صفات استمر بها على عرش مصر مدة قد تتجاوز الخمسين عامًا وأكثر، لتجعلنا هذه الصفات نفسها التي تظهر لنا في معابده وآثاره بجميع ربوع مصر، نفكر كثيرًا ونتساءل أكثر: هل كان عهد رمسيس الثاني عهدًا يمتاز بالبناء فقط؟ أم أن رمسيس الثاني نفسه كان يحيا دائمًا بشخصية الجنون والعظمة للحد الذي جعله يبني هذا الكم من المعابد والآثار في جميع أرجاء الوطن؟
اقرأ أيضًا: رمسيس الثاني... أحد أقوى ملوك مصر القديمة
من المعروف لنا أن مصر ظلَّت من بعد تلك المدة التي حكمها رمسيس تبحث عن هويتها، وتبحث عن ملك أيضًا يمتلك القوة نفسها التي كان يحظى بها رمسيس التي أيضًا اعتاد عليها المصري القديم، فكان رمسيس الثاني نفسه في نظر شعبه إلهًا قويًّا، يستطيع أن يصنع ما لا يصنعه أي ملك آخر. فلم يكن يعتقد المصري القديم أن هذا الملك ذات يوم سوف يندثر أو يرحل إلى العالم الآخر كما هو المعتقد السائد وقتها مثله مثل سابقيه من الملوك.
فإذا تحدثنا عن الملك رمسيس الثاني بحثًا عن إجابة تلك السؤال، فستكون بر رعمسيس هي أول الأشياء التي تجعلنا نتوقف عندها، فلم تكن تلك المدينة هي الأخيرة التي بناها رمسيس الثاني، بل تبعتها عدد من المدن والمباني التي أقامها على خط الدلتا، فقد أضاف في تانيس ووادي الطليمات، ولكن الغريب في هذا الأمر أن الآراء قد انقسمت حول تلك العاصمة التي بناها رمسيس الثاني لتكون مقرًّا لحكمه ومنبرًا لهجماته وحروبه ضد الآسيويين في سوريا. وعلى الرغم من أنها لم تكن في بادئ الأمر هي العاصمة في عهده بل كانت طيبة التي ظلت لها المكانة الدينية في عهده، فإن لرغبته في الابتعاد عن نفوذ الكهنة كانت بر رعمسيس هي الواجهة وهي المدينة الشاهدة على عصر هذا الملك، وبما امتازت به من ثراء فاحش.
ولكن لم يسلم رمسيس الثاني وتوجهاته من الاختلاف حوله، فيرى بعض المؤرخين أن بر رعمسيس هي في الأصل تانيس، ويرى غيرهم أنها أواريس عاصمة الهكسوس، وأنه قد وحدها من أجل بناء تلك المدينة، ويرى فريق آخر أنها كانت قنتير. ولكن هذا الاختلاف لم يمنع أبدًا أن تكون هذه المدينة واحدة من الدلائل الحية التي تكشف لنا شخصية هذا الملك.
وعن رغبته الدائمة في مد الإمبراطورية المصرية التي كان يحكمها إلى الخارج، فلم ولن يتنازل عن حلمه أبدًا في السيطرة على سوريا، وهذا ما حدث في قادش. بل وقد أقام عددًا من العلاقات التجارية بالآسيويين أنفسهم، ما يجعلنا نقول إن رمسيس الثاني ليس رجل بناء فقط بل رجل بناء وسياسة وتجارة، بل أيضًا عمل على التنمية عن طريق اكتشاف المحاجر، وذلك من أجل ترك آثار جديدة.
وهذا ما كشفته لنا لوحة تؤرخ للعام الثامن من حكمه، عُثر عليها في منشية الصدر، تكشف لنا أيضًا نظام العمل في عهده وعلاقته المميزة بالعمال الذين يصنعون له التماثيل والمعابد من تلك المحاجر. فبالرغم من أن بعض المؤرخين يرى أن الفن في عهده قد لا يمتاز بالدقة مثلما امتاز به أمنحتب الثالث في عهده، لكن تلك الآراء لم تمنع أبدًا من الاعتراف بضخامة وهيبة تلك الآثار التي تكشف لنا مدة حكم الملك رمسيس الثاني، وحقيقة هذا الملك التي اتضحت لنا.
اقرأ أيضًا: تعرف إلى معنى أسماء أشهر الملوك الفرعونية
وسواء أختلفنا أم اتفقنا على شخصية الملك وحكمه، لكن تظل الحقيقة الثابتة والمؤكدة التي لا ينكرها أبدًا أي قارئ أو عالم على حد سواء، أن رمسيس الثاني في النهاية هو ملك محب لوطنه ولشعبه، وأنه قد حكمها حقًّا بقلبه مع كثرة الآراء حوله.
ومع كثرة التفاصيل التي لا تكفي أبدًا لوصفها في مقال واحد، فإنه تظل مدة حكم الملك رمسيس الثاني لمصر هي الحقبة الأكثر تميزًا وازدهارًا في التاريخ، التي لا نمل أبدًا من قراءتها أو كتابتها كلما استطعنا ذلك؛ لأننا لم ننتهِ أبدًا من طرق أبواب التاريخ حتى يعرف العالم من نحن؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.