في مقالاتٍ سابقة تكلمت عن التخلُّف وأهمية التعليم، ولكن اليوم أحببت أن أعرض لكم نموذجًا ومثلاً يحتذى به، وفي الحقيقة تحيّرت كثيرًا في هذا المثل فجاء على بالي الكثيرين من الروَّاد العرب والمفكرين القدماء، وحتى في العصر المعاصر الذي نعيشه ما زال هناك الكثيرين من الروَّاد والمفكرين والفنانين، فمع كل تحرياتي كان رفاعة الطهطاوي واحدًا من أهم الأمثال ليس لكونه عالم، العلماء كثيرون ولا مفكرًا... ولكنه كان أبًا روحيًا لجيلٍ كبير من العلماء والمثقفين، الذين حتى الآن نرى فكرهم ونسمع أرآهم.
وكان رفاعة هو أحد أبرز رجال ثورة علميَّة مصريَّة بدأت من جديد بعد تدمير الدولة العثمانية لكل الفكر العربي، ورجل علم في قاموس الدولة العثمانية تعني رجل مصدر للقلق والتعب، ويجب على الدولة أن تنتهي منه في أي فرصة، ومثال هذا عبد الرحمن الكواكبي، الذي فرَّ إلى مصر من وجه العثمانيين وقتل في النهاية بسيف الغدر، وكل هذا لأنه عالم فهم أن لا صلاح للعرب دون تعليم.
ولكن لست أتحدَّث عن رفاعة اليوم فقط، لهذا، ولكني أعجبت بشدة بكل أرائه التي كانت سابقة لعصره، وحتى الآن ما زالت لا توجد آراء في العالم العربي في افتتاح وتحضر مثل التي كانت فيه أراء رفاعة الطهطاوي، ونلاحظُ قضية المرأة فهو أول عربي يُعطي المرأة حقها في الدول العربية في وقت الذي لم يكن للمرأة العربية أي ذكر سوى للمتعة والطهي.
وهذا كان في نصف القرن التاسع عشر، ولسنا ننسى قاسم أمين الذي حاول أن يُعطي المرأة حقها في أول القرن العشرين، والذي هُجم عليه هجومًا حادًا من قبل الدولة والدين والشعب، وكذلك الأسباب من نبوغ رفاعة جعلني اليوم نذكره بعد موته بأكثر من قرنين... لنتعلم ونتأمل ونحلل، لنفهم ما هي الحقيقة خلف التعليم الجديد، الذي يعيش العالم كله بفضل هؤلاء الروَّاد.
هو رفاعة بيك بن بدوي بن علي بن محمد بن علي بن رافع، ويبحثون نسبتهم إلى بمحمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن فاطمة الزهراء.
ولد رفاعة في 15 أكتوبر 1801 بمدينة طهطا إحدى مدن سوهاج بصعيد مصر نشأ في عائلة ملحوظة من القضاء ورجال الدين وحظي باهتمام من أبيه حافظ القرآن، وبعد موت أبيه رجع لطهطا ووجد اهتمامًا كبيرًا من خلانه.
التصق رفاعة بالأزهر عندما كان عمره 16 سنة، ودرس الدراسات الحديثة والفقه والتفسير، والنحو والصرف.
لست أعلم الكثير عن حياته قبل السفر أو دراسته، ولكن الأكيد هو أن رفاعة كان متفوقًا لأن السفر لفرنسا كان لأفضل المتعلمين على مستوى مصر في هذا الوقت.
سافر رفاعة إلى فرنسا في 1826م، لتكون المحطة الأكثر أهمية في حياة رفاعة والأجيال الثانية بعده، وكان عمره 26 سنة، وسافر على متن سفينة حربية فرنسية ومعه 39 طالبًا آخرين بأمر من محمد علي لدراسة اللغات والعلوم الاوبرة الحديثة، ورشحه لهذا الشيخ حسن العطار، وتعلم الفرنسية في خمس سنوات، وأدى امتحان الترجمة، ولكن تحدثه بلغة الفرنسية غير معلوم.
وكان لفرنسا دور كبير على الشيخ، حيث استطاع أن يكمل أراءه الفكرية والسياسية من الثورة الفرنسية، وأسس الحياة السياسية القائمة على العدل والحرية، وكان يترجم الأناشيد التي كانت تقال في الثورة للعربية، والتي منها النشيد المارسلييز الفرنسي الذي قاله فيه.
(إلهي كيف يقهرنا ملوك بسبل العدل ليس لهم سلوك)
إلى آخره، وكانت الترجمة واحدة من الأسلحة القوية التي امتلكها الشيخ، وكان أول دستور ترجم بلغة العربية من مترجمات رفاعة.
إلى جانب معرفته بالمرأة وقضيتها عند العرب، وكان من تكرار المناصرين للمرأة في حقها الذي ما زال حتى الآن مشكلة، فكان هو العربي الوحيد الذي جعل العصمة في يد زوجته، وحثّ على تعليم الصبايا وإسعاد بالمرأة المتعلمة وتأثيرها على المجتمع في كتابه (المرشد الأمين لتعليم البنات والبنين)، وأقام لهن مدرسة في نفس السنة وطبع الكتب، وناقش الكثير من المشكلات التي رآها في فرنسا، والتي تعلم التحضر الفرنسي للكل، بنات، وبنين، وكبار، وشيوخ.
وكتاب وف باريس الذي كان معهدًا للأجيال آخره للتعرف على دولة آخره وحضرتها.
عاد رفاعة لمصر في 1831 ليخرج هذا الكم الهائل من العلم في مصر في مشاعر ومدارس وكتب ليكون أول من حثّ على التجديد وعلى التعليم، وإذا ذكرنا المشروعات التي قام بها الطهطاوي سنأخذ وقتًا كثيرًا، ولكن في الملخص أقول لكم إن رفاعة هو سبب تحوّل كبير من التخلف للتعليم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.