رفاعة الطهطاوي قصة رائد النهضة المصرية الذي غيَّر التعليم في مصر

رفاعة الطهطاوي رائد النهضة الثقافية الحديثة في مصر والعالم العربي، وأحد أبرز رموز التنوير في القرن 19، وعلى الرغم من أنه من الشخصيات التي أثارت كثيرًا من الجدل قديمًا وحديثًا، فإنه مثَّل طفرة كبيرة في الثقافة العربية، ونقل فكرة التعليم والمعرفة وتداول الثقافة إلى مرحلة جديدة وضعته بين الأسماء الكبيرة التي صنعت النهضة الثقافية العربية، ومهَّدت الطريق أمام الجيل الثاني من رواد النهضة، وسواء كنت تختلف مع هذه الأسماء أو تتفق فلا تستطيع أن تنكر فضلهم الكبير على الثقافة العربية.

في هذا المقال نصحبك في جولة سريعة في تجربة رفاعة الطهطاوي؛ لنتعرف على أهم محطاته الشخصية والعملية والعلمية في السطور التالية.

مولد رفاعة الطهطاوي ونشأته

وُلد رفاعة بن بدوي بن علي بن محمد بن علي بن رافع  يوم 15 أكتوبر عام 1801 في مدينة طهطا التابعة لمحافظة سوهاج في صعيد مصر لأسرة ميسورة الحال ذات شأن كبير في مجال الدين والقضاء والعلم؛ وهو ما ساعد رفاعة الطهطاوي أن يتلقى دروسه في كثير من العلوم في سن صغيرة، فتعلَّم القرآن وحفظه، وتعرَّف على المتون المتداولة على يد أخواله، وقرأ في النحو والفقه والسيرة.

مولد رفاعة الطهطاوي

التحق رفاعة الطهطاوي بالأزهر عام 1817، ودرس الصرف والتفسير والنحو والفقه، ثم أصبح إمامًا في الجيش عام 1824، وهي المرحلة التي تأسس فيها رفاعة الطهطاوي، وأصبح مهيأً لخطوة كبيرة ستغير حياته وحياة ملايين المصريين بعده.

رحلة رفاعة الطهطاوي إلى باريس: نافذة على الحداثة الأوروبية

كانت المحطة الأهم في حياة رفاعة الطهطاوي هي البعثة التعليمية التي أرسلها محمد علي إلى فرنسا عام 1826، فقد اختير رفاعة الطهطاوي ليكون ضمن الطلاب الـ 40 الذين سافروا على متن إحدى السفن الفرنسية الحربية؛ من أجل دراسة العلوم الحديثة والتعرف على المدنية والثقافة الأوروبية ونقلها إلى مصر، وكان ذلك في الرابعة والعشرين من عمره، وكان الشيخ حسن العطار هو من أوصى برفاعة الطهطاوي ليكون إمامًا للبعثة، ويعمل على وعظ الطلاب المسافرين الذين كان من بينهم طلاب يتحدثون العربية وطلاب يتحدثون التركية.

رحلة رفاعة الطهطاوي إلى باريس

قضى رفاعة الطهطاوي خمس سنوات في فرنسا تعلَّم فيها اللغة الفرنسية، ودرس العلوم الحديثة، ونجح في امتحان الترجمة، وقدَّم مخطوطته الشهيرة التي تحوَّلت إلى أكثر الكتب إثارة للجدل والنقاش وهي كتاب (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) قبل أن يعود إلى مصر عام 1831 ليعمل في مدرسة الطب، وينشغل بالترجمة وتطوير المناهج الدراسية فيما يخص العلوم الطبيعية.

تأسيس رفاعة الطهطاوي مدرسة الألسن وقيادة حركة الترجمة في مصر

ونظرًا لأن رفاعة الطهطاوي قد أصبح أحد أصحاب الاستنارة والاطلاع على العلوم الحديثة والثقافة الأوروبية، فقد كان له مجهود كبير في محاولة تطبيق هذه الأفكار ونشر هذه العلوم. فافتتح مدرسة الترجمة عام 1835 التي سُميت بعد ذلك (مدرسة الألسن)، وأصبح رفاعة الطهطاوي مديرها ومدرسًا فيها، وفي ذلك الوقت بدأ رفاعة الطهطاوي يفكر في مشروع النهضة، فقد أراد أن يترجم العلوم والمعارف في كل المجالات مثل التاريخ الغربي والفلسفة والعلوم الأوربية، إضافة إلى جمع الآثار المصرية، ووضع القوانين التي تصونها وتمنعها من الضياع والتهريب.

رفاعة الطهطاوي وافتتاح مدرسة الألسن

شملت جهود رفاعة الطهطاوي في مشروع النهضة تدريس العلوم كلها باللغة العربية، وكذلك إصدار (صحيفة الوقائع) باللغة العربية بدلًا من اللغة التركية، إضافة إلى عشرات الكتب التي تم ترجمتها وتدريسها في المدارس المصرية لكي يطلع الطلبة على الثقافة الحديثة، ما مثَّل ثورة في التعليم في مصر القرن 19.

علاقة رفاعة الطهطاوي بحكام مصر

على الرغم من أن رفاعة الطهطاوي قد استفاد كثيرًا من علاقته بحكام مصر منذ عهد محمد علي باشا، ومرورًا بخلفائه عباس وسعيد وإسماعيل، فإنه مرَّ بأوقات صعبة في علاقته بالحكام.

ففي عهد عباس باشا تم إغلاق كثير من المدارس ومنها مدرسة الألسن، وأوقف عباس باشا حركة الترجمة، واقتصر اهتمامه على الأتراك، وأصدر قرارًا بنفي رفاعة الطهطاوي إلى السودان عام 1850، وهو ما كان تراجعًا كبيرًا على مستوى مشروع رفاعة الطهطاوي، حتى تُوفي عباس باشا وتولى بدلًا منه سعيد باشا الذي سمح لرفاعة الطهطاوي بالعودة من السودان بعد أربع سنوات، فعاد لممارسة نشاطه من جديد، وعاد للعمل على مشروع الترجمة، إضافة إلى فتح مكاتب لمحو الأمية ونشر العلم.

نفي رفاعة الطهطاوي

لم تبق الأمور على حالها طويلًا في عهد سعيد باشا، فقد قرر سعيد باشا فجأة إغلاق المدارس وإيقاف الترجمة، إضافة إلى قرار بفصل رفاعة الطهطاوي عن عمله عام 1861 لتعود الأمور إلى ما كانت عليه في عهد عباس باشا.

ويتراجع دور رفاعة الطهطاوي الكبير في النهضة والتعليم، حتى جاء الخديوي توفيق عام 1863 وأعاد رفاعة الطهطاوي مرة أخرى إلى العمل، ووضعه على رأس إدارة الترجمة، فأصدر رفاعة الطهطاوي مجلة (روضة المدارس) التي عدَّها البعض حدثًا ثقافيًا كبيرًا؛ نظرًا لكونها أولى المجلات الثقافية في التاريخ المصري، إضافة إلى كثير من المؤلفات التي كتبها رفاعة الطهطاوي في عهد الخديوي إسماعيل.

وبذلك فقد مرَّت علاقة رفاعة الطهطاوي بحكام مصر بأوقات من الازدهار وأوقات أخرى من التراجع، لكنه في الإجمال قد استفاد كثيرًا من علاقته بالحكام، وهو ما تدل عليه ثروة رفاعة الطهطاوي عند موته التي بلغت نحو 1600 فدان، إضافة إلى العقارات، فقد أهداه إبراهيم باشا 36 فدانًا من أجود الأراضي، وأهداه محمد علي باشا 250 فدانًا في مسقط رأسه في مدينة طهطا، وأهداه سعيد باشا نحو 200 فدان، إضافة إلى 250 فدانًا أهداها له الخديوي إسماعيل، واشترى رفاعة الطهطاوي نحو 900 فدان من ماله الخاص.

فكر رفاعة الطهطاوي: جسر بين الأصالة والمعاصرة

عندما نتحدث عن فكر رفاعة الطهطاوي فلا يستطيع أحد أن ينكر أنه أحد رواد التنوير في مصر والوطن العربي، خاصة أنه ظهر في مرحلة تتسم بالاضمحلال والجمود؛ نتيجة السياسة التي اتبعها المماليك والعثمانيون التي عزلت مصر عن العالم وعن العلوم والثقافة الحديثة.

وهو ما جعل نقل رفاعة الطهطاوي الأفكار المستنيرة والثقافة الأوروبية أمرًا بالغ الأهمية، إضافة إلى الحراك الذي حدث بفضل الجهود التي قام بها في التعليم والترجمة، فلم يكتفِ رفاعة الطهطاوي بالتعلم والاستنارة، وإنما كلَّف نفسه بنقل هذا العلم بإنشائه مدرسة الألسن، وعمله على حركة الترجمة وكثير من المؤلفات التي عمل عليها، إضافة إلى تطويره نظام التعليم، وهو ما كان له نتائج مدهشة على الحياة الثقافية المصرية والعربية.

أبرز أفكار الطهطاوي التنويرية

يعد الطهطاوي مؤسسًا للعديد من الأفكار التي شكلت الفكر العربي الحديث، ومن أبرزها:

  • حب الوطن والمواطنة: كان من أوائل من استخدموا كلمة "الوطن" بمعناها الحديث المرتبط بالجغرافيا والمصالح المشتركة، وليس فقط بالمعنى الديني للأمة.

  • تعليم المرأة: دعا بشكل صريح ورائد إلى تعليم البنات، ورأى في ذلك أساسًا لنهضة المجتمع.

  • التوفيق بين الإسلام والحداثة: آمن بإمكانية اقتباس العلوم والتنظيمات الأوروبية الحديثة وتكييفها بما لا يتعارض مع مبادئ الإسلام.

  • أهمية العلوم الحديثة: شدد على ضرورة ترجمة ودراسة العلوم التطبيقية والتجريبية كشرط لتقدم الدولة.

أبرز أفكار رفاعة الطهطاوي

من ناحية أخرى فقد وُجِّه كثير من النقد لأفكار وآراء رفاعة الطهطاوي، وهو أمر طبيعي؛ فكل رجال الفكر والثقافة الذين يتصدرون للإصلاح والتغيير لا ينزعجون أبدًا من فكرة مناقشة أفكارهم، ولا يوجد من يحمل في وعيه ومعتقداته كل الأفكار الصحيحة، لذا فإن التعامل مع رفاعة الطهطاوي بصفته مفكرًا يجب أن يكون من هذا الباب، فهو بشر يصيب ويخطئ، ويمكن لأي شخص أن يتفق معه أو يختلف على نحو طبيعي وصحي.

ولعل أكثر ما أثار الجدل في أفكار رفاعة الطهطاوي هو كتابه الشهير (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) الذي حمل كثيرًا من الأفكار والانطباعات التي تنم عن الصدمة والدهشة التي شعر بها رفاعة الطهطاوي عند سفره إلى فرنسا، بمراقبة أحوال الأوروبيين. لكن هذا الكتاب كان في بداية حياته، وحمل كثيرًا من المشاهد التي وصفها رفاعة الطهطاوي كما حدثت، ولم يذكر إذا كان يتفق أو يختلف مع هذه المشاهد، وقد يجد الباحث عن أفكار رفاعة الطهطاوي ضالته في كتبه ومؤلفاته التي عمل عليها في العقد الأخير من عمره.

أعمال رفاعة الطهطاوي

على الرغم من أن اهتمام رفاعة الطهطاوي الرئيس كان في نشر الوعي والعلم والمعرفة بمشروعات قوية قادرة على تغيير المجتمع ودفعه إلى طريق الثقافة الحديثة، وهو ما يتجلى في مشروع الترجمة ونظام التعليم وإنشاء المدارس ومكاتب محو الأمية، إضافة إلى إصدار المجلات والصحف وعلى رأسها (روضة المدارس)، فإن رفاعة الطهطاوي أيضًا كان كاتبًا ومفكرًا كبيرًا، قليل النوم كثير العمل. ولعل أبرز مؤلفاته ما يلي:

1- مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية.

2- المرشد الأمين في تربية البنات والبنين.

3- أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل.

4- نهاية الإنجاز في سيرة ساكن الحجاز.

5- تخليص الإبريز في تلخيص باريز.

تخليص الإبريز في تلخيص باريز

من أقوال رفاعة الطهطاوي

  • لو تعهدت مصر وتوفرت فيها أدوات العمران لكانت سلطان المدن ورئيسة بلاد الدنيا.
  • استعاضت المرأة عن بنيتها الضعيفة بقوة عقلها وحدة إحساسها وإدراكها.
  • سافرت فرنسا فوجدت إسلامًا بلا مسلمين، وحينما عدت إلى مصر وجدت مسلمين بلا إسلام.
  • إذا كانت البطالة مذمومة في حقل الرجال، فهي مذمومة عظيمة في حق النساء.
  • مصر وطن شريف، إن لم تقل أشرف الأمكنة، فهي أرض الشرف والمجد.
  • لا ينفي انقطاع المصريين قبل الطهطاوي بأربعة قرون عن كتابة السيرة النبوية بقاءها حية وفاعلة في وجدان الشعب المصري العربي. ومن هنا كانت كتابة الطهطاوي (نهاية الإيجاز) بمنزلة إعادة تقديم النموذج البطولي الذي تظهره شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام، ليجعل منه وسيلة لنقل رسالته. (من كتاب نهاية الإنجاز في سيرة ساكن الحجاز).
  • ومما يستحسن في طباع الإفرنج دون من عداهم من النصارى حب النظافة الظاهرية، فإن أهل المركب التي كنا فيها يحافظون على تنظيفها وإذهاب الوسخ ما أمكن، حتى إنهم يغسلون مقعدها كل يوم من الأيام، ويكنسونها في غرف النوم كل نحو يومين، وينفضون الفراش وغيره، ويشمونها كرائحة الهواء، ويزيلون أوخامها، مع أن النظافة من الإيمان وليس عندهم منه مثقال ذرة. (من كتاب تخليص الإبريز في تلخيص باريز).

وفاة رفاعة الطهطاوي

توفي رفاعة الطهطاوي يوم 27 مايو عام 1873 عن عمر ناهز 72 عامًا، بعد رحلة طويلة من العمل والمعرفة، ومحاولة خدمة المجتمع المصري والعربي في مجال التعليم والثقافة والفكر.

لقد ترك الطهطاوي إرثًا لا يزال حيًا، فـمدرسة الألسن التي أسسها ما زالت منارة ثقافية، وأفكاره حول تحديث المجتمع شكلت حجر الأساس الذي بنى عليه الجيل التالي من رواد النهضة، ليظل بحق رائد النهضة المصرية الأول.

وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن جولة سريعة في حياة الشيخ رفاعة الطهطاوي، أحد أعلام ورواد الثقافة العربية، ونرجو أن نكون قدَّمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة