زار حمزاتوف، الشاعر الداغستاني الكبير، اليابان في ستينيات القرن الماضي، ومن بين المعالم التي أيقظت شيطان الشعر في داخله، كان تمثال الفتاة «ساداكو ساساكي».
يعود ذلك التمثال إلى فتاة صغيرة، صادفت طفولتها قنبلة هيروشيما، وتأثرًا بتبعات القنبلة، أُصيبت الفتاة بسرطان الدم «اللوكيميا». حاولت ساداكو، الفتاة الصغيرة، أن تقاوم الحرب والمرض، بصنع طيور اللقلق من الورق، تلك الطيور التي تقول الأسطورة إن صنع ألفٍ منها يمنح صانعها أمنية لا تُرد. دأبت الفتاة على صنع لقالقها إلى أن أتاها الموت قبل أن تُكمل الألف من طيورها. وماتت ساداكو، وظلَّت لقالقها تُحلق دون كلل، لتحمل الأغنيات والأماني فوق مأساة الحرب والإنسان.
عاد الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف من رحلته وكتب قصيدته الخالدة «اللقالق»، محتفيًا بالفرد ومعاناته وسط تروس حرب لا تنتهي:
يبدو لي أحيانًا أن الجنود
الذين لم يعودوا من الحقول
المغطاة بالدم
لم يُدفنوا في أرضنا حينذاك
بل تحولوا إلى لقالق بيضاء.
التنشئة بين الحرية والشرف
بين سهول وجبال، وخيول برية تخب في جموح، وصوت طبيعة يملأ الوجود بأنغام ساحرة، وُلد الشاعر رسول حمزاتوف في قرية صغيرة في داغستان عام 1923، لأب شاعر يكتب باللغة العربية، وهو الشاعر المعروف حمزة تساداسا، وقد أسماه رسولًا تيمنًا بالنبي العربي محمد بن عبد الله.

تربى حمزاتوف وسط التقاليد والعادات الداغستانية، تلك التقاليد التي تُنشئ الفرد على معاني الشرف، والوطن، والكرامة، والإنسانية، والاحترام، وتقديس الوجود كمنحة إلهية. وقد خاض الشعب الداغستاني، وعلى رأسهم الإمام شامل -ذلك المحارب القائد الضليع باللغة العربية، والذي كان ينقل كتبه بين مواقع النزال فوق ثمانية من الأحصنة- حروبًا كثيرة ضد روسيا القيصرية، وغيرها ممن حاولوا إبدال تقاليده.
وقد سجَّل الشعب كل تلك المساعي نحو الشرف والكرامة في أغانيه الشفاهية، التي كانت الإلهام والمعلم الأول لحمزاتوف.
فالتقاليد الإنسانية المنقولة عبر الأغنية، عند حمزاتوف، صلبة كأنها الجبل، شاسعة لا نهاية لها كأنها السهل، كونية تحمل أثر السنوات، ولا يهزمها الاختلاف، بل يقويها ويدعم أساسها. فلا شيء يُغيرها، حتى الحرب التي علينا خوضها، لن تهزم الإنسانية فينا، بل سنخرج منها حاملين الشرف والكرامة. وبذلك يقول في قصيدته «عندما أجوب العالم البعيد»:
تُبنى البيوت
في مناطق الجليد الدائم
وحيث كانت الصحراء
نجد الحدائق
لم تبقَ سوى طبائع البشر
كما كانت منذ قرون.
الحرب والفرد والوطن
ككل المفكرين الروس الكبار، لم يستطع حمزاتوف أن ينبذ الحرب بصورة كاملة، فقد نشأ في مجتمع حرٍّ أبيّ، يرفض كسرة الخبز وشربة الماء في سبيل حريته، وخاض حروبًا طويلة وسط البرد القارس وبين السهول، فقط من أجل حماية تقاليده ودينه وإنسانيته.
فحمزاتوف سليل ثقافة إسلامية أصيلة، تُنادي بخلود الإنسان وشرفه وكرامته، وتدعوه دائمًا إلى الشجاعة والإقدام في حربه دفاعًا عن عرضه ووطنه. نعم، ليست كل المعارك سواء، والمعركة التي تخوضها دفاعًا عن وطنك وشرفك ومحبوبتك، ليست كمعركة شيطانية تسير فيها طمعًا فيما لا تملك، مستخدمًا أدوات تقتل، لا النساء والعجزة فقط، بل الطفل في رحم أمه. لكن لا نكران للحرب، ولا مفر منها، خاصة وسط شعبٍ جامح كجواد بري.

لكن آلة الحرب ضخمة ومدمرة، والذات الإنسانية هشة وضعيفة للغاية في مواجهتها، فساداكو، رغم براءتها، لم تنجُ هي ولقالقها من ويلات الحرب وظلاميتها. ويُبشرنا حمزاتوف كرسول، مستلهمًا الروح الإنسانية الكاملة، بالأغنية كمعنى للمأساة؛ فكلٌّ منا عليه أن يحمل أغنيته أينما رحل، فالأغنية ليست ذات ثقل، بل هي روح خالدة، تحمل أثر الأسلاف، وبصمات الزمن الزاخر، وهي الوطن، وهي المحبوبة التي تنتظرنا جميعًا، وهي اللقاء، مهما غزا الشيب رؤوسنا، وهي الأرض الطيبة بأناسها المسالمين الحالمين بجنة لا فناء فيها.
خرج من قبره، من مقبرة الجندي المجهول.
ألقى نظرةً على هذا العالم،
وتوجه نحو منطقته العزيزة.
ذلك الشاب الدائم الشباب،
الذي لم يبقَ له أبٌ أو أم،
والشيب غطَّى رأس خطيبته منذ زمن.
لم يتذكره بعض الناس،
كما لم يستطع بعضهم إخفاء دموعه،
إذ رأوا فيه ولدهم أو زوجهم أو أخاهم،
رأوا فيه كل من لم يروهم منذ الزمن البعيد...
من قصيدة «ها أنا ثانية أرى ذلك الجندي»
الثنائية والتناقض كطريق لفهم معضلة الإنسان
أولئك الذين لامسوا قلب الحياة، وأدركوا عمق معناها، وفهموا حكمتها، وسبروا أغوارها بصبرٍ ودأب، وحزنوا كثيرًا، جلسوا واستراحوا في النهاية، وامتلأت أفئدتهم بضحكٍ صافٍ لا يشوبه خوف، ورضًا هادئ لا يتماس معه قنوط، وحمزاتوف واحدٌ منهم.
فقد عاش أغلب حياته يكتب الشعر عن وطنه، فيختلط الوطن بالمحبوبة، ويتغزَّل في محبوبته إلى ذاك الحد الذي تحولت فيه إلى وطن، وكتب كثيرًا عن ألم الحرب، حتى تحولت الحرب إلى أغنية طافت الوجود بأكمله مُعلنةً الحب.
حتى تلك الثنائية امتدت لحياة حمزاتوف نفسها، فقد قضى حياته عضوًا في مجلس السوفييت الأعلى لربع قرن، يعيش في بيت بسيط في قلعة محج، عاصمة داغستان، يُقابل أبناء وطنه، ويسمع شكواهم، ويتواصل مع أصحاب القرار، يكتب الشعر مع شروق كل شمس أو توديع صديقٍ غالٍ، ويقضي الأمسيات في الضحك والمرح.
يُكرَّم في كل مكان، وتحتفل به الأوساط الشعرية في العالم أجمع، لكنه لا يأبه لأي شيءٍ، ويلعن الشعور بالعظمة، ويحمد الله لأنه ليس ذلك العظيم. فحياته كانت خليطًا من الوجهاء والسياسيين والملوك والرؤساء والأدباء، وبنفس الحب والاهتمام كان ينتظر أبسط عامل ومزارع من أبناء وطنه.
وشِعره قد حفل بتلك الثنائية العميقة التي تُشكل الحياة الإنسانية والوجود بأكمله؛ فالكراهية تلتئم مع الحب، والحكمة مع الشجاعة، والراحة مع الألم، والحرب مع السلام. فالمأساة الإنسانية، وطريق الإنسان نحو الخلاص، يكونان عبر دربٍ وعرٍ من الآلام، وفي النهاية تبقى الأغنية الإنسانية التي تحمل التاريخ الإنساني كنغمة خالصة، لتتوج وتلف شعره كله بفرحٍ وحزنٍ معًا.
مع أنني لستُ أيلًا،
ولستِ غزالًا،
لن يُقاوِم إغراء صيدنا
صيادٌ أبيضُ اسمه النهار،
أو أسودُ اسمه الليل.
من قصيدة «مع أنني لست زنبقًا، ولستِ ليلكًا»
عن الإنسان في بداية القرن الواحد والعشرين
توفِّي حمزاتوف في بداية القرن الواحد والعشرين، في بيته البسيط في قلعة محج، وكان قد بلغ من العمر ثمانين عامًا، وشهد خلالها قيام الاتحاد السوفيتي وسقوطه، ومن ثمَّ الانفتاح على السوق العالمي، وخضوع الإنسان وقيمه لمبادئ العرض والطلب، وقد قال في أواخر أحاديثه:

«ظهر في روسيا الآن ما سموه بالسوق؛ صارت البندورة أغلى من البشر، وصار بالإمكان شراء كل شيء: الضمير، والبطولة، والموهبة، والجمال، الأرض، والأم... كلها صارت سلعًا... وتبدلت مواقف كثيرين... يمكن للمرء في الواقع أن يُبدل قُبعته، لكن لا يمكن لرجلٍ شريفٍ أن يُبدل رأسه».
فالحرب، وإن بدت مأساوية في نظر الكثيرين، إلا أنها لم تبدُ مدمرة لروح الإنسان كما السوق الاقتصادي. فالسوق، في رؤية حمزاتوف، دربٌ ضال، سيفقد الإنسان فيه كل شيء، وستتحول روح الإنسان إلى مجرد إحصاءات رقمية تخدم السوق. والحياة المعاصرة، بزخمها التكنولوجي الاستهلاكي، ستُفقد الإنسان أغنيته الخالدة، تلك الأغنية التي دافع عنها حمزاتوف بشجاعةٍ وحب.
«النظرات غير قابلةٍ للقياس،
والحواسيب لا تقوى على الحب،
أما أنا وصديقي الشاعر محمود في جبالنا،
فسنرفع علم الحب عاليًا».
من قصيدة «ماذا أستطيع أن أفعل؟»
لماذا تبقى قصائد حمزاتوف حية كلقالق بيضاء؟
عاش رسول حمزاتوف شاعر داغستان حياته، وقابل قدره بصبرٍ وجَلَد، وكأنه محارب، وخاض الصعاب دون أن يفقد ذاك البريق الغامض الذي يُشعل الروح. ورأى من الكراهية ما يكفي لجعله أكثر الناس حبًّا. فهو لم يُحب محبوبته فقط، بل أحب الحياة كاملة، بقسوتها، وقبحها، ومأساتها.
وخلد بكتاباته ذكرى الآلاف ممن أضاعتهم الحرب، وغيبتهم وسط ركام الذاكرة. فساداكو ساساكي وغيرها، من الأطفال، والفتيات، والجنود التائهين، والحاملين لصور أحبابهم قريبين من صدورهم، والكاتبين بأيدٍ مرتعشةٍ جواباتٍ ربما لن تصل قط، قد خلدتهم تلك الأغنية الحزينة التي غنَّاها حمزاتوف.
وانتهت حروب القرن العشرين، وبقيت الأغنية الخالدة للإنسانية تلف الوجود بأكمله، صاعدةً إلى السماء السابعة، وكأنها لقالق بيضاء.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.