رسالة تحقيق كتاب الأغاني

لقد كان مما وقع بين أيدينا -والحمد لله- من دُرَر الأدب والتراث العربيّ الكبير، كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، الَّذي اصطَفَّ لإعادة تحقيقه وتنقيحه وطبعه ونشره جهابذة ونوابغ الأدباء والمؤلِّفين والمُحرِّرين بدار الكتب المصريّة صَفًّا لا يُشغل لهم بالٌ ولا يُصرف لهم نظرٌ عن تلك المهمّة المقدّسة. وقد كان مما أثار انتباهي، رسالة السيد علي راتب إلى مدير دار الكتب المصريّة؛ والتي طلب منه فيها البَتَّ في ضبط وتحقيق كتاب الأصفهاني ونشره، وقد كان الأدب والذوق وحسن اختيار اللّفظ وبراعة المعاني والتراكيب هم أكثر ما أثار دهشتي في هذه الرّسالة. أردتُ مشاركة جزءًا من نصّ الرّسالة معكم، وسأورِد أيضًا، وفي نفس السياق، رد دار الكتب في منشور مُنفصلٍ إن شاء الله، ولنرَ كيف كان أجدادنا (القريبون) يُكاتبون بعضهم، ولنتعلَّم:

"بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة صاحب العزة مدير دار الكتب المصريّة

أما بعد السلام عليك، فإني أستعينك اليوم لتحقيق فكرة طالما جالت بخاطري إلى أن اختمرت اليوم واستقرت.

ذلك أنّي نظرت إلى اللّغة فوجدتها أداة للتفاهم، ومن ثمة كانت عاملًا للاتحاد والعصبية. ثم هي تُكتب فتكون الصلة بين الغابر والحاضر. وتبينتُ اللّغات فإذا العربية تفضُلُهنَّ معاني، كما أنها تبذهن ألفاظًا وتراكيب. فلله الحمد الَّذي شرّفنا بتلك الميّزة وخصّنا بتلك المعونة.

هذا، ولما رأيتُ أن اللّغة لا تنقاد للمرء إلا بالمَرَانة لا باستظهار المَعاجم، وقَلَّ إن راجع المُطالِع كلمةً شَكَّ في ضبطها أو معناها، استقرَّ عندي أن ضبط الكتب ضبطًا كاملًا يُعوِّد النّاس النطق بالصواب، وأن تفسير بعض الكلمات الَّتي يغيب معناها عن جمهور النّاس يرفع عنهم مَشَقَّة البحث عنها، كما أنه حَرِيٌّ بِوَقفِهِم على المعنى الصحيح فيَعلَقُ بأذهانهم.

وقد وقع اختياري للبدء في تحقيق تلك الأمنية -أمنية إحياء اللّغة العربيّة الشريفة- على كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني؛ فإن أحاديثه شيِّقة وأسلوبه السهل الممتنع. فالمُتأدِّب يقرؤه للدرس، والمتعلل يقرؤه فَيَلتَذُّ وتصِحُّ لغته.

فإن اقتنعتم برأيي الَّذي أدليت ونفعِه الَّذي أملت، أمرتم من عندكم من المُصححين بمراجعته وتصحيحه وضبطه وتفسير مُغلَقه كاملًا كما وضعه مُصنِّفه من غير حذفٍ ولا إبدال، وأنا المُتكفِّلُ بنفقة الطبع. وعسى ألا تَضِنُّوا عليَّ بكلمةٍ أعرف بها صَيُّوركم (1)، لنتفاوض في الأمر.

ولكم منّي جزيل الشكر والسلام.

يوم الثلاثاء، لِخَمسٍ خَلَونَ من شَوَّال، سنة 1343 هـ.

السيد علي راتب"

(1) صَيُّور المرء: ما يصير إليه من رأي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.