رسائل لن تدرك وجهتها

 

القاهرة

الثالث من حزيران / يونيو في العام التاسع عشر من الألفية الثالثة

الثانية عشرة بعد منتصف ليلة باردة في صيف حار

 

إلى صديقتي المفقودة

التي رحلت في هدوء منذ أمد بعيد

سلامًا وطيبًا وزهورًا إليكِ يا جميلة الروح

 

مر عامان على آخر حديث دار بيننا، ولكني أتذكرُكِ جيدًا، بل أود أن أخبرك أنني حقًا قد ..اشتقتُ إليكِ.

لم أعتد البكاء على الأطلال، إن العمر يمضي سريعًا ولا متسع من الوقت للتفتيش في الماضي.. ولكن مهلاً! أنتِ لستِ بماضٍ، هل تعلمين أن أثركِ أراه كل صباح؟ في أعماقي، في كلماتي، أحاديثي.. أنتِ في داخلي. تعلمتُ بإتقان كيف أنسى الأشياء المؤذية والأشخاص الثابطون، عرفت كيف يكون المُضي قدمًا؛ ولكني حقًا حتى الآن لا أعلم كيف يمكن للمرء نسيان كل نسمة باردة لطيفة عبرت حياته في الأوقات الملتهبة.

كيف لي أن أنسى هدوءك الذي احتضن صرخاتي العالية وقتما الألم، وكيف تريديني ألا أتأثر بثورتك وقت الظلم حينما رأيتكِ تصرخين في وجه الأذى مطالبةً بالحق. كيف لا أتذكر صمتك الوقور أمامي جراحي التي لطالما أخبرتني أنها تستحق أكثر احترام وتوقير يليق بها، كيف لا أتذكر عيناكِ اللامعتين وأنا أقص عليكِ خبرة آذتني. أريدك أن تعلمي أن إنسانيتكِ تلك أعادت إليَّ إيماني بالإنسانية، ثورتك للحق أعادت إليَّ نخوة الغضب على الظلم، احترامك للحدود وقدسية النفس وعمقها وغموضها ألهمني أن أحترم نفسي والآخرين، لعل الطب الذي درستهِ هو من جعلك تدركين أن النفوس تُفتح بمشرط دقيق، وتغلق بعناية وحرص، وتُعامل بأيدٍ مُعقمة.. كنتِ –كما ذكرتُ عنكِ قديمًا- طبيبة خفيفة اليد.

لا أعلم كم أنتِ قوية للحد الذي كان يجعلك تضحكين في وجه الألم خاصتك، يا للعحب، كيف تملأين الدنيا بابتسامتك الرقيقة وضحتك المُشرقة والقسوة اكتنفت حياتك، تساعدين الآلاف من المتألمين وأنتِ في أشد ألم، حقًا أنا متعجب من فرط قوتك التي تجعلك تبدين بهذي الصلابة أمام الجماهير، تستقيمي الوقفة وأنتِ داخلك تترنحين من فرط الوجع. أتذكر كيف كان يومكِ ملآن بالحروب التي كنتي تجابهيها كجندي باسل، ثم تعودين إليَّ نهاية اليوم ترتمين إلى حضن عيناي، راكنةً رأسك إلى كتفي باكيةً في هدوء أليم، لم يسعفني الوقت الذي قضيناه معًا أن أخبرك أنك في تلك الأوقات التي تبدين فيها ضعيفة كنتُ أراكِ قوية جدًا، وفي الوقت الذي كنتِ تشعرين بالقُبح لم أكن أرى أجمل منك، أود أن تعرفي أن رأسك المتهالك المرتكن إلى كتفي كان يمدني أنا بالقوة، لا أعلم كيف ذلك ولكن هذا ما حدث، كان صمتكِ يلهمني، ونظراتكِ تضخ الأمل إلى داخلي.

أيتها الجميلة الملامح، لطيفة الروح، عنيدة الشخصية، متقلبة المزاج، فاتنة العينين، ذات الغمازة، مترفعة الأخلاق، سوية الشخصية، عميقة السر، لم أعرف من أنتِ كما ينبغي وقتما تواجدتي، ولكني أشعر بأثرك في داخلي منذ رحلتِ حتى اليوم، أعتذر؛ فالألم يعمي البصيرة، وأنا – ويا للأسف- كنتُ أعمىً. أود أن أخبرك أنني تغيرت كثيرًا ، ربما لا يتشابه بيني وبين الشخص الذي أحببته أي أمر، ولكن أظن أنه -وإن غادرني ذاك الشخص، وإن غادرتني أنتِ أيضًا- فهدوءك وحبك يملأ أرجائي، لا أعلم إن كنتُ أحببتك كما ينبغي أم لا. أقدر غيابك، لا ألتمس منك أن تعودي إطلاقًا، ولكن الكلمات قد غلبتني تلك المرة لأخبرك أنكِ سببٌ لما أنا فيه من نُضج واتزان وخبرة وقبول للآخر، قد علمتني الكثير والكثير دون كلمات، أنصتّي إليَّ بعناية فتعلمتُ كيف أكون مُنصتًا، تقبلتِني فعرفت أن أكون منفتحًا، أحببتني فعرفت كيف الحب، كنتي كالفراشة وأثر الفراشة لا يزول.

يا عزيزتي الغائبة الحاضرة، أنا ممتن إليك بحياتي.

 

 

 

بقلم الكاتب


حصلت على بكالوريوس الهندسة وأقوم حاليًا بعمل دراسات ما بعد التخرج في إدارة المشروعات، مُهتم منذ سنوات بالطب النفسي وعلم النفس العصبي إلى جانب علمي الاجتماع والفلسفة إيمانًا بدورهم الرئيسي في تقدم البشرية، أرى أن نشر الفنون والآداب والعلوم الإنسانية وعلوم الحريات بإمكانه أن يخلق عالم أفضل.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Feb 28, 2021 - طارق السيد متولى
Feb 28, 2021 - طارق السيد متولى
Feb 27, 2021 - سماح القاطري
Feb 26, 2021 - سماح القاطري
Feb 24, 2021 - فاطمة السر
Feb 24, 2021 - سماح القاطري
نبذة عن الكاتب

حصلت على بكالوريوس الهندسة وأقوم حاليًا بعمل دراسات ما بعد التخرج في إدارة المشروعات، مُهتم منذ سنوات بالطب النفسي وعلم النفس العصبي إلى جانب علمي الاجتماع والفلسفة إيمانًا بدورهم الرئيسي في تقدم البشرية، أرى أن نشر الفنون والآداب والعلوم الإنسانية وعلوم الحريات بإمكانه أن يخلق عالم أفضل.