رسائل سقطت من ساعي البريد

يوماً ما كنت أسير وحيداً، إلى أن مرت أمامي دراجة وعليها ساعي بريد، ولسوء الحظ حقيبته لم تكن محكمة الغلق وسقطت منها بعض الرسائل، صحت بصوت عالَ؛ كي يسمع ندائي ولكنه لم يستجيب، فقد كان يسير بسرعة ويستمع للموسيقى، انحنيت وأمسكت بالرسائل ولا أخفي عليكم فقد أثار فضولي عنوان الرسالة الأولى قلباً أحمر.
فتحتها لأجدها تنص على:

"عندما وقعت في الحب للمرة الأولى كنتُ أُرسل قلبًا أحمر في نهاية كل رسالة، لم تخلُ كل محادثاتي على وسائل التواصل الاجتماعي من ذلك القلب الأحمر الذي يشعرنى بتدفق الدم في شراييني وكأنني أعيش للمرة الأولى، حتى تعبيري عن آرائي لم يسلم من وجوده أيضًا، انفطر قلبي بعدها وحُبي الأول قرر تركي، ولكنني لم أترك القلب الأحمر، لم أشعر بالحب قط بعد ذلك ولكني لم أتخل عنه، وكأنني كنت أرغب في تذكير نفسي أن الدماء ما زالت تُضخ في جسدي، أو أننى مازلت على قيد الحياة، فقد كانت تلك المرة الأخيرة التى تعرضت لها فى الخذلان مختلفة تماماً، أعلم أن الحياة لا تخلو من الخيبات ولكن تلك المرة أعترف أنني كنت أضعف من تحلمها.. ".
اختلطت بداخلي المشاعر، تسألت لم نشوه كل ما هو جميل بالخذلان؟!

فكرت أنه حقاً لا يعود الإنسان كما كان بعدما أحب بصدق، لا يعود كاملاً كما كان، يشعر بأن شيئاً ما فقد في تلك الفترة ربما هى تلك المضغة التى أحبت بصدق، حتى أيامك القادمة والأوقات التى تقضيها بمفردك ستتذكر خلالها كل شىء حتى وإن حاولت أن تظهر بعض النسيان حيال ذلك الأمر، ستبكي كثيراً، فـكل شىء لن يعود كما كان بعد أن تحب لأن الذي بيسار صدرك لم يعد لك..
تشعر حينها بالخوف فـ كيف لك الهروب من شىء يعيش بداخلك..
فـ تظل كما أنت الطرف الصامت..
ولكن ماذا لو أدركت أنها كانت آخر محاولة لشخص بات يبغض المحاولات؟
ماذا لو أدركت بأنه بعدها أغلق باب المحاولات وختمها بخيبة منك!!

 

تنهدت ونظرت للرسالة الثانية كانت بعنوان صديقي
"أهلاً بك يـ صديقى..
نصحني الطبيب بالمشي كي تتحسن حالتي، ارتديت ثيابي وسمعت لنصيحته، مررت فى الطريق على دار وبجانبه بعض الأطفال يلعبون، لا أعرف لمَ أحب الأطفال هكذا، ربما بسبب ذلك الشعور اللطيف الذي أشعر به معهم، وربما لنقاء قلوبهم، وقفت قليلاً كي أرى ضحكهم ولعبهم، ابتسمت رغماً عنى وتذكرت طفولتي..
ثم مشيت قليلاً ووقفت عند دار تحيط به الأشجار وساحة خضراء جميلة، رأيت عجوزاً مسنة وطاولة يحيط بها عدد من المسنين، كانوا يشربون الشاي ويتشمسون ويتحدثون بأشياء لم أستطع تميزها لكنها تبدو لطيفة ومغرية للسمع..
اشتقت حينها لجدي وجدتي وشعرت أنني لم أخذ كفايتي منهم..
مررت بعدها بمكتبة صغيرة ووقع نظري على أقلام خشبية ملونة وكراسة رسم، لمعت عيني وتذكرت طفولتي، اشتريت منها فـ كانت لي بمثابة عالمي الخيالي الذي أصنعه وأعيش به..
عدت بعدها إلى البيت وشعرت أنني راضية عن نفسي نوعاً ما، بعض الأشياء الصغيرة يكون لها تأثير جميل علينا، وبعض الطمأنينة تأتي على هيئة بشر.."أردت أن أجيب صاحب الرسالة بأنه حقاً كل ما أردناه أن نحيا بسلام، ألا يختفي بريق العينين عند حديثنا، أن نكون مفعمين بالأمل، ألا ينطفىء ذلك الضوء بداخلنا ويرشدنا نحو طريقنا، يدفعنا لنسير حتى وإن كانت الطرقات حالكة الظلام..
فـ ثمة أشخاص يمتلكون أرواحاً نادرة..
يتقاسمون أنواع السعادة مع الآخرين، فـ بعضنا يكن طمأنينة على هيئة بشر..
لا تحزن فإن الله يرسل الأمل فى أكثر الفترات يأساً..
فإذا تأملت الغيث لا تجده يسقط إلا من الغيوم الأكثر ظلمة..

 

كانت الرسالة الثالثة بعنوان أمي
"دمتي عالمي الذي ألجأ إليه حين تنطفئ شموع روحي، دمتي عشقي الأبدي الذي أحيا به، دمتي التي لا أهوى سواها وأطمع فـ بقائك لآخر عمري ويكون لقائنا فـ الجنة بعدها، دمتي ترسميني البسمة على وجوهنا، دمتي التي لا ينافسها أحد بمقدار حبها لي، دمتي لي الماء الذي تحيا به زهور قلبي، دمتي الخير فـ حياتنا، دمتي فـ كل وقت وكل حين لا تعبر عنك أي كلمات، حفظك الله لنا ودام بقائك لنا نور أضاء لنا عتمتنا،
دمتي الجنة يا أمي"
شعرت بالحنين إلى حضنها، أشعر بأن العالم سيتحسن من تلقاء نفسه لو امتلك العالم دفء حضنها، فـ هي الوحيدة التي لا أقارنها بكم، ليست لأنها الأفضل، بل لأنها تجعلني ابتسم دائماً، هي ليست كـ أي شخص هي أروع قلب.


وأخيراً الرسالة الرابعة بعنوان أبي
"إليك أبي، مهما تعدد الرجال فـ حياة الأبناء فلا رجل يستحق أن يكون بمكانتك، فوحدك تعطي بلا حساب، أنت من عملني الحياة، أنت الأمان، فـ نظر العالم أنت أبى وفـ نظري أنت العالم، أحب حديثك إلينا وسرد الحكايات لنا كي تعلمنا، وهزارنا وارتفاع ضحكاتنا..
لا بأس بكلماتك القليلة عن حبك لنا، فـ أفعالك خير دليل، أردت أن يصلك إحساسي وكلماتي إلى قلبك، وصدقاً ما خفى لك من حب كان أعظم"
أعلم أبي أن الكلمات لطالما عجزت عن وصف الشعور ولكني أقتبس الطمأنينة من عينيك، فـ أنت سلامي وأماني..


قررت أن أوصل الرسائل لأماكنها المشار إليها وأنهي دور ساعى البريد.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

نبذة عن الكاتب