رحيل صديق


 منذ الصغر وأنا أجتهد في البحث عن بوتقةٍ من الأصدقاء الأوفياء بحيث يكونوا مطابقين للمواصفات التي وصفها أهل العلم والخبرة لنا، حتى مَنّ اللّه عليّ ببوتقةٍ من الأخلّاء الأوفياء، واكتمل لديّ عقدٌ ثمينٌ من حبّات اللؤلؤ الخالص؛ ذلك العُقد الثمين هو عقد الأصدقاء الأوفياء، وهو في مثل هذه الأيام نادر الوجود، ولكنّه غير معدوم، بل هم قليل!

فقد اقتضت حكمة اللّه عزّ وجلّ أن يكون أهل كلّ صنفٍ من النّاس قلة، حيث قال عزّ وجلّ: "وقليلٌ من عباديَ الشَّكور"، "وقليلٌ ما هم"، "ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون"، فلذلك الأصدقاء الأوفياء هم قليلون بقلّة أهل الفضل في كلّ زمانٍ ومكان.

فمن الصّغر ونحن نلهو ونلعب سويّاً، وننتقل من مراحل التعليم سوياً، حتى أصبح كلٌّ منّا فيما قدّره اللّه له من وظيفةٍ أو عملٍ حُر، ويتابع كلٌّ منّا الآخر بالسؤال عليه أو بزيارته، وبين الحين والآخر نجتمع ليشكو كلٌّ منّا همومه، وينصح كلٌّ منّا الآخر نصيحةً خالصةً لوجه اللّه حتى يستقيم الأمر على مراد اللّه؛ فيكون التوفيق بفضل اللّه، ويستمع كلٌّ منّا إلى الآخر، فكلّ واحدٍ منّا لديه قصّة في حياته، وكلّ واحدٍ منّا له أسرارٌ يفضي بها في بئر الآخر ولا يعلم بها أحدٌ إلّا اللّه.

فهذه صداقةٌ اجتمعت على الحبّ في اللّه، ليس بينهم مصالح دنيويّة، تعرّفنا على بعضنا منذ الصغر، لا يريد أحدٌ من الآخر إلّا الصّحبة الخالصة، يفرح كلٌّ منّا بفرح الآخر، ونفرح جميعاً بنجاح أحدنا في حياته العلميّة أو المهنيّة، ونرسم سلّم المجد من أفكار بعضنا البعض.  

وفجأةً ودون سابق إنذارٍ وأنا أتصفّح الأخبار على هاتفي الجوّال صُدمت العينُ بخبر رحيل أحد أصدقاء العمر وهو فضيلة الشّيخ (محمد محمد البيومي) صديق العمر، فلم أصدّق الخبر للوهلة الأولى، وبعد قليلٍ نقل الخبر شخصٌ آخر، فلم أشعر بنفسي إلا وانهمرت العين بالدّموع، وانطلق اللّسان بقول: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون.

 فالّلهمً اغفر له وارحمه بحقّ كلّ كلمة حقٍّ قالها في حقل دعوتك فأصابت قلب عبدٍ، اللّهمّ اجعل حسناته مشكورةً وسيّئاته مغفورةً، اللّهم آمين.

فكتبتُ والعين تدمع ما أشعر به تجاه ذلك الصديق، فكانت هذه الكلمات من أعماق قلبي وبنات أفكاري، فقلت: رحلت يا صديقي من عالم الدّنيا إلى عالم الآخرة، فانفطر القلب ولم أعرف له انفطاراً من قبل، وكنت تعلم أنّك من ساكنيه، وكيف سكنت فيه؟ وكيف تمكّنت منه؟

تنهمر العين بالدّموع عندما تمرّ صورتك في الوجدان، وما ذلك إلّا لأنّك مسجّلٌ في ذاكرة العين وذاكرة القلب، وهذا التسجيل لم يُمحَ بطول الزمان ولا حتى بفناء الأبدان، لأنّ الملك الموكل قد سجّله للعرض على الرّحمن.

 إنّه الحبّ في اللّه متمكّنٌ من الوجدان؛ فاشهدوا يا ملائكة الرّحمن، فلم أرضَ بغيركم شهداء عند الرحمن، إنّه الكريم المنان.

 فليعلم أهل الثّقليْن أنّ هذا حب الخلّان الساكن في الوجدان، فيا أهل القرآن هكذا يكون حب الخِلّان، فإلى اللقاء يا خير صديقٍ في بني الإنسان، في جنّة المنّان بمشيئة الرحمن، حيث يلتقي صالح الخلّان أمام شهود العيان من أهل الجنان، "ولمن خاف مقام ربّه جنتان".

بقلم الكاتب


سعد ابو الفتوح عبد العزيز ابراهيم من مواليد محافظه البحيرة - دمنهور - جمهورية مصر العربية ولد في الثاني عشر من شهر مايو عام الف وتسعمائه و واحد سبعون من الميلاد تدرج في التعليم الازهري من الابتدائية الى الاعدادية الى التانوية بمعهد دمنهور الديني ثم حصل علي ليسانس اصول الدين والدعوى الاسلامية بطنطا داعية اسلامي - ومحقق تراث -


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

سعد ابو الفتوح عبد العزيز ابراهيم من مواليد محافظه البحيرة - دمنهور - جمهورية مصر العربية ولد في الثاني عشر من شهر مايو عام الف وتسعمائه و واحد سبعون من الميلاد تدرج في التعليم الازهري من الابتدائية الى الاعدادية الى التانوية بمعهد دمنهور الديني ثم حصل علي ليسانس اصول الدين والدعوى الاسلامية بطنطا داعية اسلامي - ومحقق تراث -