رحلة انتقام

 

في تلك الليلة الماطرة، فتحت شبابيك نافذتي، وجلست على سريري الخشبي مقابل النافذة، كانت الرياح تقذف قطرات المطر إلى الداخل، فتلاعب وجهي الحزين باستمرار، وبينما أنا استمتع بانسجام الحزن مع المطر، إذ بي اسمع طرق خفيف على الباب، اللعنة قد حلت، إنهم البشر، ألعن المخلوقات، إنهم يريدون إفساد سعادتي، تبا، لن افتح الباب وسأواصل ما بدأته، حاولت الاستمتاع، لم أقدر على ذلك، إنهم مزعجون بشكل كبير، سأفتح لهم الباب، وسأكون مضطرة لسماع كلماتهم، وتخاريفهم، وسخريتهم، وقهقهتهم، وضحكاتهم المقرفة، سأكون مضطرة لمشاهدة تلك الوجوه الشريرة، البشعة، بدل مشاهدة المطر والطبيعة، ما باليد حيلة، سأقابلهم بوجه عبوس، وأتأفف كلما همّ أحد بالكلام، لعلهم يرحلون بلا عودة، من بشاعة مظهري وقبحي، وحزني.

الآن أنا سأقوم من على السرير باتجاه الباب لأفتحه، فلتعلنوا انتصاركم الآن يا حثالة، فقد تمكنتم من إفساد سعادتي... فتحت الباب، يقتربن مني ويحتضنني، الأمر أشبه بالأفعى التي تحتضن فريستها قبل افتراسها، أحضان وقُبَل مزيفة تمهد لكارثة، لم أرغب ليوم بأن أكون واحدة منهن؛ لأن ذلك العالم لا يناسبني، لا يشبهني ولو بنسبة قليلة.

أغلقت الباب وأنا استمع إليهن وهن يتهامسن ويقهقهن بأصوات منخفضة عبارة عن تمتمات، إنهن يتقدمن نحو سريري الخشبي، طلبتا مني أن أزيحه إلى الجهة المقابلة بعيدا عن المطر حتى يتسنى لهن الجلوس، ففعلت ذلك وأنا أتأفف، شعرت أنه الوقت المناسب لارتكاب جريمة، ضربات قلبي متسارعة، أشعر بالغضب كلما لمحت تلك الوجوه المتصنعة، حملت كرسيي المتحرك ووضعته مقابل النافذة، وجلست عليه وبدأت بالاستمتاع، بدأت ضربات قلبي بالاعتدال، سيمفونية المطر جعلتني اهدأ وانسجم معها، حتى نسيت أن هناك بشر في غرفتي، وإذ بواحدة منهن تقهقه بصوت عالي لتفسد سعادتي، استدرت إليها ويدي تكاد تعلن الحرب، تتمنى لو أنها تجد مسدسًا، أو بندقية، أو سكين، لتمسكه، "لماذا تصرخين يا فتاة إنه ليس وقت صراخ، ألا ترين أنني منشغلة الآن ولا يجب أن تزعجيني، هل تريدين الموت على يدي".

استدارت إلى صديقتها في رعب وذهول من رده فعلي، حاولتا تهدئتي، قالت "لم أكن اقصد شيء، أنا أريد أن تشاركينا الحديث فقط"، فقلت لها: "حسنا، تعلمين أنني لا أحب القيل والقال، ولا تستهويني أحاديثكن، لا أريد أن أتعلم كيف أجعل رجلا يغرم بي، ولا أحب الموضة فأنا ارتدي أي شيء في الدولاب، ولا أهتم بتناسق الألوان"، ثم طلبتا مني أن نتكلم فيما أحبه أنا، أخبرتهما أنني إنسانة مملة، أحب الفلسفة والطبيعة، ولا أحب حكايات البشر، ما زالتا مصرتان، حسنا، سألتهما عن مشروبهما المفضل، تبادلتا النظرات، فقالت أمل إنها تحب أنواع العصائر الطبيعية لأنها تمنح الجسم طاقة وحيوية، أما سهيلة فقالت إنها تحب القهوة ولا تقدر على الاستغناء عنها، فهي إدمان جميل، ورقي وفخامة، عمّ السكوت أرجاء الغرفة، تبادلتا النظرات، ما الأمر؟ هل تشعران بالملل؟ بإمكانكما الانصراف، سألتني سهيلة عن مشروبي المفضل فأجبت "الماء" همست سهيلة في أذن أمل "تلك الفتاة مجنونة، تريد سحبنا إلى عالمها المجنون، الخالي من الحياة، هيا بنا لنذهب".

لكن أمل كانت تريد أن تستمر بالحديث، فأخبرتني أنه لا يجب أن أفضل الماء، فالماء ليس بمشروب، وهذا جنون وغباء، تجاهلت وصفها لي بالغباء، وأجبت بأنه سر الحياة، لا يحيي البشر فقط، بل يحيي الحيوانات، والنباتات، والطبيعة، ولولا الماء لما كنت جالسة أمامي الآن، لن تحييك العصائر الطبيعية والمشروبات التي لا تقدرين على الاستغناء عنها. إن سألت الأشخاص عن مشروبهم المفضل، ستكون إجاباتهم مختلفة، فمنهم من يوافقك في تفضيل العصائر الطبيعية، ومنهم من يوافق سهيلة في حب القهوة، ومنهم من يوافق والدي في حب المشروبات الغازية، ومنهم من يوافق والدتي في حب الشاي، ولكن لا أحد سيفضل الماء، أتعلمين لماذا؟ لأن الماء أساس كل تلك السوائل، فلولا الماء لما وجدت أصلا، تعلمين يا أمل إنك تحبين العصائر الطبيعية، وتمدحين فوائدها، لكنك تقدرين على الاستغناء عنها إذا خيرك أحد بينها وبين الماء إلى مدى الحياة، وستفضلين الماء مثلي رغم أنك سخرت مني عندما اخترت الماء، لأنك تعلمين أن الماء أساس كل شيء، لن تمدحي فوائد الماء لأنه يعطي دون مقابل، لقد تمادى في العطاء لذلك أصبح لا شيء بالنسبة للبشر، يستحق الماء أن نمدحه، رغم أننا مهما مدحناه لن نستطيع إعطاءه ربع ما أعطانا إياه من حياة وفرح، لكن البشر ينكرون خير من يتمادى في إعطاءهم، رغم أنك لم تمدحي فوائد الماء، إلا أنك عندما تشعرين بالعطش لن تشربي العصائر الطبيعية، بل الماء، لكن الماء غبيّ، فلو كان ذكيًا، لتحول إلى سم بنفس اللون، كي تموتوا جميعا، أما هو فيحييني أنا، والطبيعة، فنحن نتناغم مع بعضنا البعض.

قالت: "أتريدين الانتقام من البشر لأجل الماء"؟ هو راضٍ بالعطاء، ما شأنك أنت، نظفي قلبك من داء كره البشر الذي أهلكك!" أخبرتها أنني أريد الانتقام للماء، لأنني كنت مثله ذات يوم، كنت أحيي الجميع، كنت صديقة الجميع، كنت ملاذا للجميع، لكنهم أنكروني، لا أحد يعتبرني شخصه المفضل، رغم أنني كنت الأولى بذلك، والدتي التي تركت الجامعة كي أخدمها لأنها كبيرة في السن، أصبحت تفضل أختي التي حصلت على أعلى العلامات، وتمدحها أمام الناس، أبي الذي كنت أواسيه عندما يشعر بالملل، أصبح يمدح أخي الذي عاد من الجيش ويقضي أوقاته معه، حبيبي الذي ساعدته في الحصول على عمل، استبدلني بحسناء بحجة أنني مملة وباهته، لكنني لست غبية، أنا لست الماء كي استمر في العطاء، أنا سم، مغلفة بالأشواك، لا أحد يقوى على الاقتراب مني، قاسية لا ألين، لكني ألين للطبيعة والماء لأن الماء يشبه ما كنت عليه، لذلك أحبه وأشفق عليه، وأريد أن انتقم له كما انتقمت لنفسي، وكرهت البشر.

قالت: "ما هذا الحقد والتشاؤم، تفاءلي بأن الشخص الذي يفضلك على العالمين قادم، إن لم يكن اليوم سيأتي غدا"، أخبرتها أنه سيأتي ويفضلني عن الجميع كما يفضلك حبيبك عن الجميع، لأنك تلونت لتخفي جانبك السيئ أمامه، محاولة إقناع نفسك أنك هكذا، وتتجاهلين داخلك المختلف عن ظاهرك، الذي يصرخ ويريد أن يظهر ليكشفك عن ماهيتك الحقيقية يا أمل، سيأتي إن تلونت كما يتلون الماء ليصبح مشروبا آخر، سيأتي عندما أتنازل عن مبادئي كما يتنازل الماء عن ماهيته ليتحول إلى قهوة مثلا، سيأتي عندما أقضي على عفويتي، سيأتي عندما أبدل مجهودي لمعرفة ما يفكر به لأدعي أن طريقة تفكيري مثله، رغم أن ما بداخلي شيء آخر، لكن عليّ التعامل معه بقناعاته لا بقناعاتي كي أكسب رضاه، ويوافق على إكمال حياته معي، نعم سيأتي عندما أكون مضطرة لتناول أدوية تزيد أو تنقص الوزن كما يريدني أن أكون لا كما أريد أن أكون، عندما أصرف مالي في عمليات التجميل لأتشبه بالفنانة التي يحبها ويرى ملامحها في وجهي، ويحبني، أنا يا أمل لا أريد أن اصطاده كما يصطاد الصياد السمكة فيضع لها الطعم الذي تحبه في الصنارة.

لا أريد أن أضع له طُعمًا يحبه ولا أحبه ليأتي ويعيش معي في جحيم، لأني لا أشبه ذلك الطعم في داخلي، فالصياد رغم أنه لا يحب ذلك الطُعم الذي يضعه في الصنارة لاصطياد السمكة، إلا أنه يضعه لأنها تحبه، ثم يصطادها ويرمي الطُعم ويبدأ الجحيم، لا أريده أن يكون سمكة وأكون صيادا، أخاف عليه أن يصطدم بما داخلي عندما استحوذ عليه واضمن وجوده، لأنني لن استطيع إخفاء ما بداخلي طول عمري، لا بدَّ أن انكشف عندما أضمن وجوده للأبد، أنا لا أرغب في اصطياده، أريده أن يأتي من تلقاء نفسه، أن يرى داخلي من بعيد ويأتي راضيا، يتقبلني أنا وجحيمي، ولكن هيهات، فجميعهم يدعون المثالية، ويبحثون عن من تدعي المثالية، رغم أنهم يدركون أنه لا يوجد شخص مثالي، لذلك فقدت الأمل في الظفر بشخص يفضلني، ولا أريده أيضا، فأنا سعيدة بالعزلة، مسكين هو الماء، يتحول إلى قهوة، كي يرضي عشاق القهوة، رغم ذلك لا أحد يحبه، لا أحد يفضله، لا أحد يفكر في المراحل التي يمر بها البن ليصبح قهوة سائلة، رغم أنه الأساس.

سأعود إلى طبيعتي، عندما يتوقف البشر عن التغني والتغزل بمشروباتهم المفضلة متناسيين الماء، فأنا كنت ماء لكن أصبحت السم في الماء الآن، أدعوكما لمغادرة غرفتي قبل أن أضع السم في الماء، وأشربكما إياه وأبدأ رحلة الانتقام لمشروبي المفضل.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

ممتاز.
جميل أن نكون ذاتنا من غير إدعاء.
أن نكون واضحين في هذا الكم من الغموض والمداراة.
أسلوبك جيد.السرد متماسك الفكرة واضحة ان نبادل المعروف معروفا فالإحسان جزاؤه الإحسان.لكن طبيعة تتناسى رد المعروف.ثانيا أن نكون دون إدعاء ومدارة وأن نظهر أنفسنا كما هي.
إستخدمتي أسلوب الأنا وهذا يدل على شجاعتك الأدبية.ولك لمسة في البديع ومحسانته فالإستعارة المكنية في قولك:(لقد تمادى......الخ).في محلها تماما ومنساقة مع السرد.
إستمري.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب