قراءة في كتاب رحلتي الطويلة من أجل الحرية لنيلسون مانديلا

لا يمكن المرور على كتب السيرة الذاتية الملهمة دون الحديث عن كتاب رحلتي الطويلة من أجل الحرية الذي كتبه الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا، وحكى فيه عن طفولته ومراحل دراسته المختلفة بالتوازي مع القمع الذي تتعرض له البلاد نتيجة القوانين العنصرية، مرورًا بمرحلة شبابه ونضاله السياسي حتى اعتقاله وقضائه نحو 27 سنة متواصلة في السجن دفاعًا عن قضيته التي استطاع أن يربحها في النهاية.

وبالتالي فإن كتاب (رحلتي الطويلة من أجل الحرية) لا يعد فقط سيرة ذاتية لزعيم أو مناضل سياسي، وإنما يعد مرجعًا يمكن به التعرف إلى تاريخ البلاد في تلك المدة، وملامح النضال التي ساعدت الغالبية الإفريقية في جنوب إفريقيا على الوصول إلى الحرية والمساواة، والسيطرة على السلطة في بلادهم، والانتصار على سياسة التمييز العنصري.

وفي هذا المقال نقدم لك قراءة سريعة ومبسطة لكتاب رحلتي الطويلة من أجل الحرية للزعيم والمناضل الإفريقي نيلسون مانديلا في السطور الآتية.

عن الكاتب نيلسون مانديلا

يعد نيلسون مانديلا من أشهر السياسيين والمناضلين الذين دافعوا عن حقوق شعوبهم ضد سياسات الفصل العنصري، وأصبحت تجربته ملهمة لكل المناضلين وأصحاب القضايا السياسية في أنحاء العالم جميعها، بالإضافة إلى كونه أول رئيس من أصحاب البشرة السمراء في جنوب إفريقيا.

تعلم نيلسون مانديلا، ودرس القانون، وعاش في مدينة جوهانسبرج، وانخرط في التجربة السياسية التي كانت تعمل على تغيير القوانين العنصرية في البلاد بانضمامه إلى حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وتأسيسه لعصبة الشبيبة التابعة للحزب، وانتخب رئيسًا لأحد فروع حزب المؤتمر عام 1955.

قُبض على نيلسون مانديلا أكثر من مرة نتيجة نشاطاته السياسية، وحوكم أكثر من مرة حتى حُكم عليه عام 1962 بالسجن مدى الحياة؛ ليمكث في محبسه 27 عامًا، بينما كانت عدة دعوات وحملات دولية تطالب بالإفراج عنه حتى تحقق ذلك عام 1990 ليخرج من السجن، ويشارك في أول انتخابات متعددة الأعراق في جنوب إفريقيا، ويقود البلاد إلى التخلص من آثار التفرقة العنصرية، ويقود حملة كبيرة للمصالحة قبل أن يتقاعد من العمل السياسي، ويقضي سنواته الأخيرة في العمل الخيري.

عن الكتاب (رحلتي الطويلة إلى الحرية)

يعد كتاب (رحلتي الطويلة من أجل الحرية) من أشهر كتب السيرة الذاتية التي لاقت نجاحًا وانتشارًا كبيرًا، وترجم إلى عدد من اللغات. وكان الزعيم والمناضل الإفريقي نيلسون مانديلا قد نشر الكتاب عام 1994، بينما كانت الصيغة النهائية من إعداد الكاتب الأمريكي (ريتشارد ستينجل) الذي أجرى عدة مقابلات مع الزعيم الإفريقي من عام 1992 حتى نشر الكتاب في عام 1994.

وكان الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا قد عمل على كتابة مذكراته في أثناء وجوده في السجن، واستكمل كتابة المذكرات عام 1990 بعد خروجه من السجن، وقد هرّب النسخة الأصلية من هذه المذكرات في سبعينيات القرن الماضي، وهي النسخة التي اعتمد عليها الكاتب الأمريكي في إعداد الكتاب الذي يحكي فيه نيلسون مانديلا عن طفولته وشبابه ونشاطه السياسي، بالإضافة إلى ظروف سجنه الصعبة في جزيرة روبن في المحيط الأطلسي، ويتطرق أيضًا إلى عدد من المحادثات السرية قبل أن يُفرج عنه من السجن.

جاء كتاب (رحلتي الطويلة من أجل الحرية) الذي صدرت طبعته الأولى باللغة الإنجليزية عام 1994 في نحو 600 صفحة، وترجم بعد ذلك إلى 23 لغة مختلفة، وأهدى نيلسون مانديلا الكتاب إلى أولاده الستة وأحفاده الذين وصل عددهم إلى 21 فردًا، بالإضافة إلى أبناء أحفاده الثلاثة، وكان قد أهدى الكتاب أيضًا إلى أصدقائه ورفاقه ومواطني جنوب إفريقيا جميعهم.

ملخص كتاب (رحلتي الطويلة إلى الحرية)

يبدأ الكتاب بالحديث عن مرحلة الطفولة؛ ولد نيلسون مانديلا في إحدى قرى منطقة ترانسكاي في جنوب إفريقيا عام 1918، ورغم الاسم الإفريقي الذي اختاره له والده، لكن دخوله إلى المدرسة الابتدائية جعل معلمه الإنجليزي يختار له اسمًا إنجليزيًا سهلًا في النطق، وهو اسم نيلسون، وهي المرحلة التي تعلم فيها نيلسون مانديلا، وسعى إلى أن يحقق حلمه بأن يحصل على وظيفة إدارية في أحد المناجم، لكنه التحق بالجامعة بعد ذلك، وبدأت أحلامه تأخذ شكلاً آخر؛ فقد بدأ يفهم ما يحدث في البلاد، ويرى آثار سياسة التمييز العنصري.

ومع مشاركات نيلسون مانديلا المتعددة في الاحتجاجات الطلابية برفقة صديقه (أوليفر تامبو) قررت الجامعة طردهما عام 1940، وهو ما جعل نيلسون مانديلا يلجأ إلى إكمال دراسته بالمراسلة في جوهانسبرج؛ ليحصل في النهاية على شهادة ليسانس الحقوق، ويتجه إلى العمل بعد ذلك في أحد مكاتب المحاماة، وهي المرحلة التي كان يبحث فيها نيلسون مانديلا عن أي راتب يسد رمقه رغم أن الوظيفة لم تكن ترضيه، وتريه أحلامه بعدّه مناضلاً باحثًا عن الحرية.

وبالفعل يتجه نيلسون مانديلا إلى افتتاح مكتب محاماة خاص به، وهو حدث كبير في جنوب إفريقيا في ذلك الوقت؛ فلم تكن هناك مكاتب محاماة لأصحاب البشرة السوداء، وبالتالي كان مكتبه الذي افتتحه مع رفيقه أوليفر تامبو مثار جدل وإعجاب ودهشة من الجميع، لا سيما مع طبيعة القضايا التي بدأ نيلسون مانديلا يتعاطى معها التي تخص حقوق السود التي لم تُمنح إليهم؛ أي تلك الحقوق التي يحظى بها البيض دونهم.

ومع الوقت ينخرط نيلسون مانديلا في العمل السياسي بكل وجدانه ومشاعره في الحركة الشعبية المناهضة للنظام العنصري، فأصبح نيلسون مانديلا عضوًا بارزًا في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وأسس جهازه العسكري، وهي الطريقة التي رأى بها مانديلا القدرة على تغيير الأوضاع في جنوب إفريقيا.

أصبح لنيلسون مانديلا حياة سرية إلى جانب حياته الطبيعية محاميًا، وهو ما جعل السلطات تطارده، وتقبض عليه أكثر من مرة، لكنه لم يتوقف عن النضال والمواجهة؛ فقد كان مقتنعًا بأن الوطن يتسع للجميع، وأن الشعب هو الحاكم، وأن لجميع الأفراد حقوقًا متساوية، بالإضافة إلى أن ثروات الوطن ملك لأبناء الشعب جميعهم، وفضلاً عن أن الفئات الموجودة في المجتمع الجنوب إفريقي جميعها حرة في استعمال لغاتها الخاصة والحفاظ على ثقافاتها الشعبية دون إجبار أو تفرقة.

ومع تكرار اعتقال نيلسون مانديلا وزملائه ومحاكماتهم تغير تفكير نيلسون مانديلا بما يخص النضال السلمي، وبدأ يفكر في استخدام السلاح، وهو ما جعله يسافر إلى بلدان أخرى مجاورة من أجل التدرب على استخدام الأسلحة، بالإضافة إلى زملائه الذين سافروا إلى أوروبا من أجل شراء السلاح، وهي المرحلة التي بدأت معها المواجهات تأخذ شكلاً عنيفًا في جنوب إفريقيا، وهو ما جعل الحكومة تتعامل معهم بشراسة أكبر، لا سيما مع سقوط الضحايا والتفجيرات المستمرة.

في النهاية قُدم نيلسون مانديلا ومجموعة من زملائه للمحاكمة، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، وهي العقوبة التي لم يستأنفها نيلسون مانديلا، وقال:

«كنا مؤمنين بأن الاستئناف سيضعف موقفنا الأخلاقي المبدئي الذي اتخذناه من هذه القضية، فقد أصررنا من البداية على اعتزازنا بما مارسنا من أعمال، وعلى أننا فعلناها من منطلقات مبدئية أخلاقية، ولذلك فلن نناقض ذلك القول بالاستئناف ضد الحكم».

عاش نيلسون مانديلا وزملائه في السجن، يتنقلون من محبس إلى آخر، يعاملون كالعبيد؛ فيُطلب منهم تكسير الحجارة وتنظيف المجاري، بالإضافة إلى التعرية في أوقات البرد القارس والحرمان الطويل من الطعام، فضلاً عن منعهم من استقبال الزوار أو كتابة الرسائل شهورًا طويلةً. ويصف نيلسون مانديلا أنهم كانوا معزولين عن العالم، فلا يقرؤون الصحف، ولا يصغون إلى الإذاعة، ولا يعرفون الأخبار.

وكانت قد توفيت والدة نيلسون مانديلا وهو في السجن، فمُنع من تشييع جنازتها، أو زيارة قبرها، وقُتل نجله في حادث سيارة، ولم يستطع توديعه الوداع الأخير، وكأن عمره قد ضاع ثمنًا لقضيته التي يؤمن بها، وكأن النتائج الكبيرة تحتاج إلى تضحيات كبيرة من أعمار المناضِلين ودمائهم الذين يسعون إلى إحداث التغيير.

ومع الضغوط الدولية المتعددة والمتوالية على حكومة جنوب إفريقيا، أصدرت الأمم المتحدة العقوبات التي تستهدف القضاء على النظام العنصري في البلاد، وتعالت الأصوات للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين ومعاقبة المستبدين، وهو ما أدى في النهاية إلى اتجاه حكومة جنوب إفريقيا للتفاوض مع نيلسون مانديلا أكثر من مرة، فرفض نيلسون مانديلا إطلاق سراحه مقابل التخلي عن قضية بلاده حتى أُطلق سراحه في النهاية بعدما تجاوز الـ 70 من عمره.

يتطرق الكتاب في آخر فصوله إلى مرحلة ما بعد الخروج من السجن، تلك المدة التي أُجريت فيها انتخابات عامة، سبقتها عدة محاضرات ودورات تشرح لأبناء القبائل كيف ينتخبون للمرة الأولى في حياتهم، ونعرف جميعًا أن الانتخابات أسفرت عن فوز نيلسون مانديلا، وتنصيبه رئيسًا لجنوب إفريقيا بعد إلغاء العقوبات الدولية.

يختتم نيلسون مانديلا كتابه (رحلتي الطويلة من أجل الحرية) بالحديث عن الحرية وقيمتها الكبيرة التي لا يعرفها إلا من عاش السجون والمنافي والسدود والقيود؛ لتخرج البلاد على يديه من ظلمات التفرقة العنصرية والظلم إلى نور الحرية والقانون واحترام المجتمع الدولي، لتتوقف بحار الدماء وموجات العنف، ويحل السلام والأمان والتعاون في جنوب إفريقيا.

اقتباسات من كتاب (رحلتي الطويلة من أجل الحرية)

  • «الجسم البشري له قدرة خارقة على التكيف مع الظروف الشاقة، وقد وجدت أن المرء بإمكانه تحمل ما لا يحتمل ما دامت معنوياته عالية، وعزيمته صلبة حتى عندما يبدأ جسمه بالاستسلام للضعف، والسر في مواجهة الحرمان هو الإيمان القوي الذي يملأ الفؤاد حتى وإن كانت المعدة فارغة».
  • «التعليم هو أعظم محرك للنضوج الشخصي، وهو الذي يمكن ابنة الفلاح من أن تصبح طبيبة، وابن عامل المناجم من أن يصبح رئيسًا للمناجم، وابن عامل المزرعة من أن يصبح رئيسًا لدولة عظمى».
  • «إنني في قرارة نفسي إنسان متفائل وإن كنت لا أدري إن كان ذلك طبيعتي أم في طبعي، ومن علامات التفاؤل أن يحافظ المرء على رأسه مرفوعًا نحو السماء، وأن تكون خطاه متجهة إلى الأمام، لقد مرت بي لحظات عدة، اهتزت خلالها ثقتي في الإنسانية، لكني لم ولن أستسلم لليأس، فذلك هو السبيل إلى الإخفاق والموت المحقق».
  • «لقد آمنت دائمًا بأن النضال من أجل الحرية يفرض على الإنسان أن يكبت مشاعره الشخصية التي تميزه من الآخرين، وتَحول دونَ أن يصبح جزءًا من حركة جماهيرية، فالمناضل يكافح من أجل الملايين، وليس من أجل فرد واحد، وهذا لا يعني أن يصبح الإنسان آلة، أو أن يتخلى عن أحاسيسه ودوافعه الشخصية جميعها، لكنه يعني أن على المناضل أن يخضع مشاعره الخاصة إلى مشاعر الحركة خضوعًا كاملاً كما يخضع شؤون أسرته إلى شؤون الأسرة الكبرى أسرة الشعب».
  • كتاب مسيرة طويلة نحو الحرية هي السيرة الذاتية لمن؟

  • هو السيرة الذاتية للزعيم والمناضل الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا.

  • هل كتاب الطريق الطويل إلى الحرية كتاب جيد للقراءة؟

  • نعم، هو أحد أهم وأكثر كتب السيرة الذاتية إلهامًا وشهرة في العالم.

إن سيرة نيلسون مانديلا في رحلتي الطويلة من أجل الحرية هي بيان إنساني مهيب يثبت أن الجدران لا يمكنها خنق الفكرة، وأن القيود تنكسر أمام العزيمة الصلبة. هذا الكتاب يمنح كل قارئ شحنة من الأمل والصمود في وجه التحديات الشخصية والعامة. والآن، ما هو الانطباع الأبرز الذي تركته فيك قصة مانديلا؟ شاركنا برأيك في التعليقات، ولا تنسَ مشاركة المقال لتعم الفائدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة