ولدت في مرحلة التوتر السياسي في عام (1990) الذي حدث في الجزائر بعد أحداث أكتوبر 1988، وترعرعتُ في الحقبة السوداء، إذ كانت رؤوس البشر تتناثر على الأرصفة والطرقات، في قرية نائية كانت تسمى في أثناء مرحلة الاستعمار بـ(سنيستري)؛ أي المنطقة المنكوبة، داخل شاليه يتكون من ثلاث غرف منح لمعلمي المرحلة الابتدائية المنكوبين في زلزال شلف سنة 1980، وكان أحدهم يعيل عائلة تتكون من 8 أفراد.
التنمر والصراعات النفسية في المدرسة
في المراحل الابتدائية درست عند والدي، وعندما انتقلت إلى المرحلة الإكمالية أصبت بالسمنة بسبب خلل في الغدة الدرقية، وتجاوز وزني 95 كغ، ولم أكن أستطيع الحصول على ملابسٍ تناسب قياسي إلا الألبسة الرياضية التي لم تغب يومًا عن جسدي، ما أسهم في زيادة حجم التنمر الذي تعرضت إليه في مرحلة المراهقة.

وقد أسهم ذلك في تربية الخجل في شخصيتي والميول إلى العزلة والانفراد والهروب من المهرجين والمتنمرين، والإصابة بالكآبة والشعور بالتحقير والظلم، هذا ما أدى بي إلى العودة إلى الله والتردد إلى مسجد المنطقة المنكوبة لأداء الصلوات المفروضة وقراءة القرآن؛ لأني لم أجد غير الله لأناجيه وأتقرب إليه.
مواجهة التنمر واستعادة الثقة بالنفس
كرهت كل من يتنمر علي، أو يسخر من هيئتي أو حجمي، أو من يريد إضحاك الآخرين بإنشاء نكتة عني، كل هذا سبب لي الإصابة بمرض الوسوسة التي جعلتني أقطع عددًا من علاقات الصداقة والابتعاد عن كثير من المتنمرين المنتشرين في المنطقة المنكوبة التي ترعرعت فيها بعد انتقالي إلى مرحلة الثانوية.
درست في منطقة اسمها (شارون) سنة واحدة، ثم عدت إلى مسقط رأسي لأكمل هذه المرحلة، في هذه المرحلة حاولت إنقاص وزني، فاتبعت حمية صارمة فقدت بها 32 كغ من وزني، حينها ارتحت، وعادت لي الثقة بنفسي، فاقتنيت كل ما اشتهت نفسي من ملابس كنت في السابق أحلم بانتقائها، لكن هذه الفرحة لم تدم إلا أشهر فقط، فلقد عاد التنمر على هيئتي أكثر، ومن عدد من المتنمرين الذين كانوا في ثانوية المنطقة المنكوبة.
التحديات في الثانوية والمواجهة المباشرة
لقد كان المتنمرون يقفون أمام باب الثانوية أو في الساحة مجتمعين في جماعات بالقرب من طالبات الثانوية اللواتي يدرسن معنا لإضحاكهن بإطلاق نكت تافهة، أو التنمر على كل من يمر عليهم من طلاب أو طالبات أو عاملين أو الأساتذة.
هذه الحلقات من التنمر لا تخلو منها أي ثانوية، فهم يدّعون القوة حين يكونون في مجموعات فقط، فيجلسون في مقاعد الصف الأخيرة؛ ليترصدوا الأخطاء والتصرفات، وليمارسوا تصرفات حمقاء لرسم ابتسامة على وجه مراهقة أو إضحاكها.
هؤلاء أسهموا في رفع حجم الاكتئاب والشعور بالعزلة والوحدة والظلم لدى عدد من المراهقين في ثانويتي، وأنا واحد منهم، فالحمية التي اتبعتها أتت بمفعولها، لكن واجهت مشكلة أخرى، ألا وهي حجم رأسي الذي لم يتلاءم مع حجم جسدي بعد الحمية، وتساقط شعري، ما دفعني إلى ارتداء قبعة دائمة، وأدى إلى تفاقم كمية التنمر التي تعرضت إليها في هذه المرحلة.

ما أكسبني الثقة بنفسي والإيمان بإمكانياتي، ودفعني إلى تكوين صداقات وعلاقات بطلاب بالثانوية للدفاع والترصد والرد على كل تغريدة تنمر تصدر من طرف مجموعات التنمر داخل الثانوية وخارجها وافتعال شجارات معهم حتى ضربهم، فالمجموعة في زمن المراهقة وفي الثانوية لها ذوق العائلة، ما أكسبني الثقة بالنفس والتفنن في أسلوب المواجهة والدفاع عن النفس بعيدًا عن الخوف.
بداية التغيير في الجامعة
هذه الصفات التي اكتسبتها في نهاية مرحلة الثانوية انتقلتُ بها إلى الجامعة حيث توجد عادات وتقاليد ولهجات مختلفة عما وجدناه عندنا في (سنيستري)، فالطلاب من مختلف مناطق الوطن وخارجه، والتعرف إليهم يكسبك الثقة بالنفس والإيمان بها، فالغرباء يَحترمون ويُحترمون، فالغريب لا يحتقرك، ولا يستصغر قدراتك، بل يعاملك حسب تصرفاتك من أقوال وأفعال بعد التعرف إليه، فأنت من تحدد قيمتك عنده، عكس أبناء قريتك الذين لا يشجعونك ويحتقرونك ويقللون من قدراتك.
في هذه المدة اكتسبت عددًا من التصرفات والصفات، ما أسهم في بناء شخصيتي واكتسابي القوة في الرد وعدم الخوف من أي أحد كان، وهذه الصفات لم أكن أتحلى بها في السابق إلا بعد انتقالي إلى الجامعة والتعرف إلى عدد من الطلاب والطالبات الذين لا يهمهم شكل الإنسان، بل شخصيته وطباعه.
العمل والإصابة التي غيرت المسار
درست بالجامعة ثلاث سنوات، لكنني لم أتحصل على شهادة (ليسانس) لضيق المعيشة وعسر الحال الذي كنت أعيشه، ما دفعني إلى الالتحاق بوظيفة في القطاع العمومي، وترك مقاعد الدراسة.
في هذه الوظيفة اكتسبت الشجاعة والقوة اللتين أسهمتا في بناء شخصيتي وثباتها في تلك المدة، وبعد عامين من العمل حصلت على رخصة من المؤسسة التي أعمل بها لإتمام دراستي بالجامعة الإفريقية، لكن هذه الصفات اهتزت وتضاءلت بعد إصابتي بحادث عمل أدى بي إلى إجراء 6 عمليات جراحية في قدمي، وإصابتي بسل العظام، وإبعادي عن العمل الذي أحببته، وإحالتي إلى التقاعد النسبي.

فكمية العمليات التي أجريتها والدواء الذي تناولته والحقن التي استعملتها والفراغ الذي أصابني بعد إبعادي عن وظيفتي بسبب عدم القدرة عن العمل أثر في شخصيتي، وجعلني شخصًا مشتت الأفكار والأهداف والطموحات، لا سيما بعد عودتي إلى (سنيستري) بعد غياب ثماني سنوات.
العودة إلى سنيستري: مواجهة الفراغ واليأس
لم يتغير في (سنيستري) أي شيء سوى انتشار المقاهي في ترابها كلها، فالجلوس في المقهى إجباري، فلا مكان آخر للتحدث مع المعارف والأصدقاء سوى المقاهي أو الأرصفة أو أمام واجهات المحلات، فلا مكان للاستراحة أو الاستجمام أو التنزه، أما استقبال الأصدقاء والضيوف في المنازل فهي عادة غير موجودة في أجندة هؤلاء القوم.
إن الجلوس الحتمي في مقاهي سنيستري ساعات بسبب الفراغ، متكئًا على عصًا طبية لعدم قدرتي على المشي أكسبني ذوبان الشخصية وعدم القدرة على التمييز وتشتت أفكاري بسبب الكم الهائل من الأنانية والأنا، والظلم والتسلط والانتهازية والكذب والنميمة والخداع والمكر الذي ينتشر في مناطق الظل، وبسبب الإصغاء اليومي لكل مشكلات الأغبياء والصعاليك وأفكارهم وأحلامهم الذين يترددون على المقاهي، ويجلسون مع الكل يترصدون رشفة من قهوة ساخنة أو قهوة على حسابك، وسيجارة أو اثنتين مع القليل من الدنانير، فقدت كل طموحاتي وانتابني الاكتئاب وتقطعت كل آمالي.
بريق الأمل.. العودة إلى الدراسة وتحقيق الحلم
بعد سنة من المرض والفراغ شفيت من سل العظام، وأجريت آخر عملية جراحية في قدمي، ومكثت بالمستشفى شهرين صادفت فيهما أحد الأشخاص المرضى في المستشفى الذي بفضله عادت لي الثقة مجددًا بعد أن كنت فقدتها بعد إبعادي عن العمل، هذا الشخص دفعني إلى إتمام دراستي التي تخليت عنها في مدة مكوثي في (سنيستري).
ثم شاركت في مسابقة الدكتوراه وأنا ماكث في المستشفى وقدمي لم تشف بعد، وقبلت، فأخذت رخصة مدة 48 ساعة من الطبيب الذي أجرى لي العملية، فخرجت من المستشفى بعكازين وقدمي تنزف، متوجهًا إلى الجامعة التي تبعد عن المستشفى أكثر من 1000 كم على متن حافلة صينية تدفئتها لا تعمل، وهي تمر في أبرد المناطق في البلاد.

وبعد مرور 15 ساعة من السير وصلت إلى المنطقة التي أجري فيها الامتحان خائفًا ومترددًا، لكن ما دفعني إلى المشاركة هو تحفيز ذلك الشخص ورفعه من معنوياتي وتعزيز قدراتي، فتوكلت على الله وشاركت، وبعد الانتهاء من الامتحان اضطررت إلى الانتظار مدة 4 ساعات لمرور الحافلة والعودة إلى المستشفى الذي وصلت إليه بعد مرور 15 ساعة أخرى.
وبعد استلقائي على السرير رن هاتفي ليخبرني أحد الزملاء بفوزي في مسابقة الدكتوراه التي لم أحلم بها يومًا، والآن أنا طالب وباحث دكتوراه بفضل التوفيق من الله عز وجل، ودعمٍ وتشجيعٍ من شخص لا أعرفه ولا يعرفني، شخص جعلني أثق بنفسي وقدراتي، وجدد الأمل في نفسي بعد أن كنت مشتت الأفكار مسلوب العزيمة فاقدًا للأمل، مركونًا في نفق مظلم أقصى آمالي قضاء احتياجاتي اليومية وعدم التفكير في المستقبل.
نصيحة لكل من يكافح لتحقيق ذاته
إن المناطق النائية والقرى كالتي ترعرعت فيها ينتشر فيها الفقر والبطالة وأصدقاء المصلحة والصعاليك والأغبياء والانتهازيون والكذابون والنمامون والماكرون والخداعون ومحطمو الآمال والمتنمرون، من يحتك بهم تذوب شخصيته فيتبع القطيع، ويفقد كل أحلامهم وطموحاته، لهذا وجب علي أي شخص يعيش في منطقة كالتي كأعيش فيها أن ينتقي صديقًا أو صديقين على الأكثر، وإن وجب صاحب أخاك، ولا تصاحب الفاشلين وأصدقاء السوء، ولا تتحدث بما تحلم أو تتمنى أو تسعى إليه فالحسد ميراث في قرية كالتي أسكنها، وكما قال الشافعي رحمه الله: هاجر منطقتك وتعرف إلى الغرباء يتحقق حلمك.
لن تحقق أحلامك أو طموحاتك إن بقيت في مكانك، أو خالطت من هب ودب، أو تحدثت بما تسعى إليه أو تهدف إلى تحقيقه.
تب إلى الله وواظب على صلواتك، وانتق أصدقاءك، وخير الصحبة محبة في الله، ونظم وقتك، ولا تعط منه دقيقة لأي أحد فاشل يريد تحطيمك، واعمل في السر لتحقيق أهدافك وطموحاتك، ولا تبح بها لأي أحد حتى تتحقق.
ما تعلمته في رحلتي هو أن العزيمة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى بيئة تدعمك وأشخاص يؤمنون بك. لا تبقَ حيث يطفئ الآخرون نورك، غادر، قاتل، اصنع طريقك.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.