رحلة في كتاب"سينما المشاعر الجميلة"

على الرغم من قوة التدفق السينمائي العنيف والقاتل الذي غمر شاشات السينما حول العالم؛ فإنه ظهر تيار معاكس يعيد أهمية ومكانة الرجل على الشاشة في الأفلام التي لم تُطلق فيها رصاصة واحدة فقط، وحين لا يتدفق الدم، ولا يقاتل رجال العصابات فيها.

إنها أفلام ناعمة للغاية، يزيل الصدأ عن المشاعر الإنسانية، ويعيد للحياة المعاني النبيلة.

بهذه الكلمات تقدم مكتبة روز اليوسف للقراء كتاب "سينما المشاعر الجميلة"، والكتاب محاولة للسباحة في تيار سينما المشاعر من خلال التأمل في ثلاثة عشر فيلمًا دوليًّا.

صورها الكاتب والناقد الشهير المخرج رؤوف توفيق بعيون خبير، يعرف كيف يختار اللآلئ ويضعها بين يدي القارئ بأسلوب جذاب.

قد يهمك أيضًا الصورة البصرية في شعر البردّوني

رحلة في كتاب"سينما المشاعر الجميلة"

يقدم قراءة سينمائية للفيلم مع التركيز على الأفكار الألمانية والإبداع والجمال في تحريك نسيج الصورة، بعد ذلك يقدم معلومات أساسية عن كتاب القصة والسيناريو والمخرج، ثم يقيِّم الفيلم بعد عرضه في المهرجانات الدولية، مع ذكر الجوائز التي حصل عليها الفيلم.

كل هذا بلغة الوتر الذي يصل إلى القارئ بطريقة شعرية تمس ضميره، وتهرب منه مشاهد الفيلم بكل المشاعر والأفكار التي يحملها.

كل شيء جيد

الفيلم الأول من "سينما المشاعر الجميلة" هو فيلم "كلهم بخير" للمخرج الإيطالي جوزيبي تورنتو (34)، وحده بعد وفاة زوجته، يحلم الآن بالطاولة الكاملة التي يجتمع حولها أطفاله الخمسة، يحيط بهم بالحب والحنان.

لكن هذا لم يعد ممكنًا الآن بعد 25 عامًا من الخدمة، فقد تجاوز المشاعر البسيطة، بؤسهم، وأكاذيبهم، فيعود من رحلته الطويلة والقاسية، ويجلس أمام قبر زوجته ليعترف لها أن الدنيا ليست جميلة، وأن ما نراه بعيدًا أفضل من الاقتراب.

فيلم الرحلة

الفيلم الثاني هو "الرحلة" للمخرج الأرجنتيني الكبير فردينادو سولاناس، يحكي الفيلم رحلة شاب يبحث عن والده، تعبُر الرحلة خمس دول في أمريكا اللاتينية، مخترقة الوديان والجبال والغابات والمدن، وتترجم حقيقة الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض في ظروف مناخية قاسية.

سياسة أكثر شجاعة وغموضًا، و"الرحلة" ليست مجرد رحلة شاب بحثًا عن والده، بل رحلة حكمة وفهم وحماية وأمان، رحلة اكتشاف الذات وما يحيط بها في عالم يسحق البشر بالحروب، ومجتمع به شعارات شريرة وجوفاء.

استخدم المخرج سولاناس لغة سينمائية راقية، بعيدة كل البعد عن البلاغة والتشنجات، لغة تشي ولا تقول، مليئة بالمشاهد الواقعية المذهلة، والتي تضعنا دائمًا أمام سؤال:

كيف يمكن إنقاذ إنسان بسيط من هذا المستنقع المليء بألعاب الكبار؟

تعرض سولاناس لمحاولة اغتيال لأسباب تتعلق بالرؤية التي قدمها الفيلم.

قد يهمك أيضًا مُسلسل أبو العروسة

النجاح هو أفضل انتقام

في تجربة الاغتراب الحالات كثيرة ومختلفة من شخص لآخر، ولكن بالنسبة لمن لديهم مشاعر رقيقة، يصبح الأمر أكثر صعوبة، فالمشاعر تنفجر دائمًا بالحماس والشوق، والروح مرتبطة بالصورة، أو الصوت، أو الرائحة، أو الطعم، كلها تُذكرهم بالوطن حيث الشوارع التي شهدت سنوات من العمر وأصوات الأقارب والجيران وذكريات الأيام الصعبة.

في هذه الحالة تدور أحداث فيلم "Success is the Best Revenge" حول المخرج البولندي جيس سكوليموفسكي، الذي أجبرته بلاده على الخروج من بولندا، فيما يشبه السيرة الذاتية.

يعبر الفيلم عن حياة فنان بولندي يعيش في الخارج في لندن، ويحقق نجاحًا فنيًّا ملموسًا، لكن ابنه يرفض هذا الاغتراب وهذا النجاح؛ لأنه في حنين مفجع إلى وطنه بولندا، حيث أجمل الذكريات والأصدقاء.

ورغم صعوبة العودة؛ فإن الابن يحمل حقائبه ويترك رسالة لوالده يعلن عودته للبلاد.

الفيلم الرابع

الفيلم الرابع في سينما المشاعر هو فيلم (To Live) للمخرج الصيني العبقري (Zhang Yue) الذي اختار أن يرى السياسة من وجهة نظر رجل عادي، لتقديم كوميديا ​​سوداء تلخص وضع ملايين الأشخاص.

فالفقراء الذين عانوا من الاضطرابات في الصين خلال النصف الأول من هذا القرن ونضالهم في ظل التغيرات السياسية القاسية، ولدوره في هذا الفيلم حصل (جي يو) -أشهر ممثل صيني- على جائزة أفضل ممثل في مهرجان كان السينمائي عام 1994م.

إلى منزل العائلة

ثمانون عامًا قدمها فيلم "العائلة" في ساعتين وعشر دقائق، تمكن خلالها المخرج الإيطالي الشهير إيتوري سكولا من مواجهة أحداث خطيرة ومشاعر مختلفة مع اندلاع الحرب العالمية.

وكان صوت الفاشية والنازية يتصاعد، ويشاهد كل هذه الأحداث دون نزول الكاميرا إلى الشوارع من خلال ردود أفعال أبطال الفيلم داخل المنزل، حيث تدور النقاشات حول موائد الأكل، وأصوات الشوك والسكاكين، وبكاء الأطفال وألعابهم في أروقة هذا المنزل.

يدعونا الفيلم لنتذكر طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا، وما حدث في منزل العائلة، إن العودة إلى الأسرة هي عودة إلى المصادر والبحث عن مكونات الشخصية، وأهمية روعة هذا الفيلم أنه يقف أمام أشياء عادية جدًّا تحدث أيضًا في حياة الأسرة العادية.

قد يهمك أيضًا أدهم النّابلسيّ معتزلًا الغناء "رضى الله أوّلًا"

الأبرياء المقدسون..

"القديسون الأبرياء" للمخرج الإسباني ماريو كاموس، هو عنوان الفيلم السادس في الكتاب، والفيلم يصور عائلات الفقراء في جنوب إسبانيا الذين يعيشون حياة متخلفة للغاية حيث يقيمون في الحظائر، ويُعامَلون معاملة سيئة للغاية من أسيادهم أرباب العمل.

ومن خلال التفاصيل الإنسانية لشخصيات هؤلاء المساكين، تتضح شخصية هذا الفلاح العجوز المبتسم الذي طرد من العمل واستهزأ به الرجل العجوز (السيد) بعد شيخوخته.

هذا الرجل العجوز البريء يشبه الأحمق الذي يقع في حب الطيور، وينسج حوارًا حلوًا بينه وبين (البومة) التي رباها وصارت أعز أصدقائه، ورغم مظهره الغبي؛ فإن مشاعره تكشف مدى وعيه.

عندما يرى طائره المفضل يُقتل برصاص (السيد)، يتمرد على حياته الرتيبة، ويلف رقبة السيد بحبل ويسحبه بإحكام، مبتسمًا ابتسامة معبرة عن مشاعره ومشاعر الفقراء أمثاله تجاه سوء تصرف هؤلاء السادة، واستحق هذا الرجل العجوز الذي أدى دوره الممثل الإسباني العظيم فرانسيسكو رابال جائزة أفضل ممثل في مهرجان كان عام 1984م.

حيتان في أغسطس!!

حول تداعيات الوقت وسنوات الخبرة والمعاناة والذكريات التي نقشت على مر السنين، يأتي فيلم "حيتان أغسطس" للمخرج الإنجليزي ليندس أندرسون -أحد مؤسسي السينما الحرة في إنجلترا- ليحكي قصة شقيقتين على مر السنين، وتجذبنا لمتابعة مشاعر مختلفة من خلال سلوك هاتين الأختين.

واحدة مليئة بالحياة والأمل، تمثل كل ما يعبر عن الجمال والروعة، والثانية متشائمة بشأن عزلة الشيخوخة، وفي توتر مستمر، يصور الفيلم داخل المنزل الأختين، مستمدًا نغمات الفرح والحزن، ويصل بنا إلى النهاية على الشاطئ الجميل لحياة سعيدة طويلة بتفاؤل.

عالم الرهبان

الفيلم الثامن من سينما المشاعر الجميلة يأخذنا من رقة الأحلام إلى قسوة الواقع، وعبر قصة "تبريز"، فتاة شابة متألقة للغاية، بابتسامة مشرقة بريئة وحلوة، اختارت حلمها أن تصبح راهبة، وتسلم نفسها لعبادة يسوع المسيح، تفاصيل فيلم "تيريز" للمخرج الفرنسي آلان كافالييه.

الفيلم ليس دينيًا، يصور عالم الرهبان وحياة الأديرة كما يبدو، لكنه يعبر عما نستمده من خيالنا، وما نواجهه في الممارسة وفي مبنى معماري ضيق جدًّا.

إيقاع الفيلم يرتفع في الرقة والقوة، كأنه سيمفونية الأضواء والظلال والمشاعر، ويعبر عن عدم النقاء التام، حتى لو كان داخل دير.

قد يهمك أيضًا فصل الشّتاء مثاليّ لقضاء وقت مع العائلة

بعيد جدًّا.. قريب جدًّا..

يسأل المخرج الألماني فيم فيندرز سؤالاً واضحاً: السينما أنتجت كثيرًا من الأفلام عن الأشباح والمخلوقات الأسطورية الغريبة..

فلماذا لا تقدم فيلمًا عن الملائكة، حتى من أجل التغيير؟

من وجهة النظر هذه، قدم فيلمه "بعيد جدًّا... قريب جدًّا" بذكاء فكرة تحقيق أحلام خيالية ومستحيلة أيضًا.

يروي الفيلم قصة ملاك نزل إلى الأرض ليعيش كبقية البشر، فتفتنه الحياة وأصبح من بين جماهيرها، ضائعًا وسط الحشد وعديم الفائدة، حتى اكتشف قدرتها على العمل بإيجابية، عندما يرى طفلًا يسقط من شرفة الطابق العاشر في مبنى.

يندفع لإنقاذه قبل أن يرتطم بالأرض، وفي تلك اللحظة يدرك أن لحياته معنى وهدفًا وأهمية وسط هذه الفوضى.

يوغوسلافيا في فيلم

أما بالنسبة لسؤال من يسرق الحياة ويدمر المشاعر الإنسانية النبيلة، فهذا ما يعرضه فيلم (Underground) للمخرج العبقري أمير كوستاريتسا 40 سنة، الذي يستعرض تاريخ يوغوسلافيا خلال نصف قرن (1941م - 1991م)، يستجيب للحقائق، ويكشف بالبساطة والوعي سر تفتيت يوغوسلافيا.

وفي ملحمة مليئة بالحزن والتسلية والسخرية، يعلن أن الجميع كاذب وسياسي، وعصابات ورئيس تيتو وأفراد بسطاء، ولا ينسى أن يعلقنا معه في وتر الروح عندما يعلن أنه لا تزال توجد روح في الأغنية، وموسيقى، ومشاعر حلوة، ربما وربما.

من دروس الحياة

ثم يأخذنا الكتاب في سباحة ضخمة في "الطبعة براون" أو "دروس الحياة" للمخرج الإنجليزي ميك فيجز، ويحمل هذا الفيلم كثيرًا من المشاعر المؤثرة مثل روعة أفكاره العميقة والثمينة.

ويحكي قصة مدرس أحب مهنته، وكان مخلصًا لموضوعه، وأراد أن ينقل هذا الإخلاص إلى طلابه، ولهذا السبب أجبرهم على تعميق اللغة اللاتينية القديمة، ولأنه أراد نشر الحقيقة فقد عَذَبَ المَدرسة التي كان يعمل بها، فتخلصت منه وتخلت عنه زوجته.

ولكن قبل أن يغادر المدرسة قدم له أحد طلابه نسخة قديمة من أحد الكتب التي حافظت على النص الأصلي بكل خصائصه اللغوية، البروفيسور ينتشي بسعادة ممزوجة بالحزن؛ أي أنه لم يكن مخطئًا، ويُوجد مَن اقتنع بأفكاره.

 قد يهمك أيضًا عبد الرّحمن أبو زهرة| معلم الدّراما المصريّة

لمحبي البيانو

يقدم الفيلم النيوزيلندي (البيانو) للمخرج (جين كامبيون) نفسه على شكل قصيدة سينمائية تتلاعب بالصورة بعمق الروح البشرية والمشاعر الإنسانية المعذبة التي تعيشها، والمليئة بالسحر والجمال.

الفيلم من إخراج المخرج البولندي الكبير كريستوف كيسلوفسكي، المهتم بتقديم المشاعر الإنسانية المشتركة، وتجاوز إطار اللغة والجنس والحواجز المختلفة، كل لون من ألوان شعار الثورة الفرنسية (Liberté، Égalité، Brotherhood).

ليس بعد..

القطعة الأخيرة التي قدمها الناقد رؤوف توفيق في كتابه (سينما المشاعر) قطعة بسيطة للغاية تعبر عن الألفة والتواصل الإنساني، وتحمل عنوان الظهور.

الفيلم من تأليف وإخراج الفنان الياباني الكبير المخرج كيزاوا، الذي امتد تاريخه الفني على مدى خمسين عامًا، ووضع اسم اليابان على خريطة السينما العالمية.

أخيرًا.. هذا الكتاب حياة بلا قتل أو اغتصاب، لا مخدرات ولا شذوذ ولا عنف، حياة مثل حياتك وحياتي، فيها متاعب ومعاناة، وأيضًا لحظات صفاء وسعادة، وفيها الأهم: المشاعر الإنسانية الحميمة وعودة الإنسان.

بهذا الكتاب يواصل رؤوف توفيق مهمته التي بدأها عام 1974م، واستمرت في كتبه السينمائية السابقة.

السينما عندما تقول لا، سينما الحب، سينما الأوقات الصعبة، سينما الحقيقة، السينما لا تزال تقول: لا، من أجل فتح مساحات أكبر للقارئ المهتم بفن السينما لمعرفة ميول الفكر السينمائي العالمي.

 قد يهمك أيضًا

-تحليل مسلسل "في كل أسبوع يوم جمعة"

-فيلم توم كروز Top gun الجديد يكسر القاعدة

كاتب مقالات حصرية ، نكتب مقابل 50 دولارا أمريكيا ، للتواصل مع الكاتب ، هاتف 00966551657006 واتساب فقط.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتب مقالات حصرية ، نكتب مقابل 50 دولارا أمريكيا ، للتواصل مع الكاتب ، هاتف 00966551657006 واتساب فقط.