كعادتي مع كل رواية أقرؤها لـ إليف شافاق أجدني في نهايتها عاجزة تمامًا عن التعبير بالكلمات عنها، إلا أن رواية "جزيرة الأشجار المفقودة" أستطيع وصفها بأنها رواية متقنة للغاية.
فهي رحلة لجزيرة حقيقية من صنع إليف شافاق، ومغامرة رائعة تأسر وتلهم كل من يغامر ويتجول بها معها.
قد يعجبك أيضًا
إحسان عبد القدوس فارس الرومانسية ومنصف المرأة
ما حكاية الجزيرة.. لمحة تاريخية
تتحدث الرواية عن جزيرة قبرص من عام 1974 إلى عام 2010، وصراعها المعهود بين قوى ثلاث؛ اليونانيين وهم سكان الجزيرة الأصليين، والأتراك، والبريطانيين.
وقد سُمّي هذا النزاع بـ "النزاع القبرصي"، فجزيرة قبرص كانت تابعة للدولة العثمانية الى أن انتزعت الإمبراطورية البريطانية الجزيرة من العثمانيين عام 1878 وضمتها إليها.
كان ذلك بعد أن دخلت الجزيرة في صراع ونزاع مشؤوم بين المجلس العسكري اليوناني والمجلس العسكري التركي، أدى ذلك النزاع إلى انقسام الجزيرة نصفين بين الأتراك واليونانيين، وحدوث عداوات شخصية بين كلا الطائفتين.
حتى تدخلت الأمم المتحدة لوضع حد سلمي لهذا الصراع، فصنعت منطقة عازلة سميت بالخط الأخضر، وهي منطقة محايدة تفصل بين المنطقة الجنوبية التي يسكنها اليونانيون عن المنطقة الشمالية التي يقطنها الأتراك.
ولكن لماذا تطرقنا إلى كل الأحداث التاريخية السابقة؟
ذلك لأن أبطال الرواية شهود عيان على ذلك الصراع القائم في جزيرة قبرص، والأحداث جميعها تدور في تلك الظروف التاريخية الهامة تحديدًا في (نيقوسيا) بجزيرة قبرص، وهي مسقط رأس جميع أبطال الرواية.
أما عن أبطال الرواية فهم 5 في نظري؛ شجرة التين و(كوستاس) و(كازننتزاكس) و(آدا) و(مريم).
قد يعجبك أيضًا رواية أدولف هتلر الساعات الأخيرة.. رواية عالمية
شجرة التين!.. هل يمكن لجماد أن يصبح بطلًا من أبطال رواية؟
-الحقيقة نعم.
وهذا الجزء بالنسبة لي من أعظم وأروع ما صنعه كاتب في عالم القصص والروايات، أن يجعل الجماد من حولنا كائنًا حيًّا شاهدًا مثلنا عما يفعله الزمن والأحداث بالعالم حولنا.
فشجرة التين هي البطل الروائي الأول من وجهه نظري في الرواية، ولم تكتفِ إليف شافاق بذلك فقط، بل جعلت من مملكة الأشجار والنباتات مرجعًا مهمًّا داخل الرواية، فالرواية ممتلئة بالمعلومات القيمة عن عالم النباتات وزراعة الأشجار وأنواعها المختلفة، وعن علاقة الأشجار أو النباتات بالإنسان عمومًا.
كيف ينظر الشجر إلينا كبشر؟ وما هي لغة النباتات في التواصل معنا وطريقتها في مخاطبتنا؟
كيف تعمل النباتات وتتعامل مع الظواهر حولها بما فيها الأحداث الطبيعية والبشرية الصنع؟
كما تطرقت إلى ذاكرة النباتات، وكيف كانت شاهدة عيان على كل الأحداث منذ قدم التاريخ بما في ذلك الحروب والأوبئة والظواهر الطبيعية، وكيف يسجل كل هذه المعلومات داخله؟
فنجد شجرة التين تحدثنا عن نفسها بنفسها، وعن تاريخها وذكرياتها في قبرص قبل انتقالها إلى لندن مع أصحابها، وما الذي تعرضوا له أثناء الرحلة؟ وكيف عانى أصحابها من أحداث الزمن؟ وكيف أثرت في شخصيتهم؟
أحيانًا تشعر أن المتحدث ليس شجرة التين، بل عجوز حكيمة أحاديثها ممتلئة بالذكريات والشواهد التي عاشتها وتحفظها عن ظهر قلب.
أحببت جدًا ذلك الجزء الهام من حبكة الرواية، وتعرفي على عالم الأشجار الذي أهواه وأعشقه، فكان حضورهم رائعًا كأبطال أحياء معنا في الأحداث.
قد يعجبك أيضًا ماركيز يعلمنا.. الحب باق في زمن الخوف والقهر والأوبئة
أبطال الرواية
أما عن باقي الأبطال كوستاس، كازننتزاكس، آدا، مريم، فكما ذكرنا هم أبطالنا الشاهدون على صراع جزيرة قبرص الذي مزق الجزيرة والهويات وجعل كل شيء حتى الأشجار يحنُّ لهويته وموطنه.
فنجد أبطالنا في دائرة من الحنين للماضي، ومحاولة الاندماج في الحاضر، والتطلع للمستقبل فـ (آدا) هي ثمرة زواج رجل يوناني مسيحي (كوستاس كازننتزاكس) وامرأة تركية مسلمة (ديفني) في جزيرة قبرص المقسمة بعد الصراع الذي أدى إلى قطيعة بين الأسرتين، ودفع كوستاس وديفني للهجرة من جزيرة قبرص إلى لندن بحثًا عن حياة مستقرة غير مقسمة.
كان نتاج ذلك الصراع هو انعدام هوية (آدا)، وبحثها عن نفسها، ومحاولة جمع هويتها الضائعة بالبحث عن جذور لها تمكنها من الاندماج في الحاضر بعالمها الجديد في لندن بعد وفاة أمها لتواجه الحياةمع أبيها كوستاس الذي يبحث عن نفسه أيضًا بعد وفاة محبوبته التي صارع من أجلها الكثير.
وما بين حنينه لأصله وموطنه وهيامه بشجرة التين التي جلبها معه من قبرص، فهي في نظره ما تبقى من رائحة الوطن، وذاكرة الأيام الفائتة التي لم تغب عن باله لحظة.
أحببت كثيرًا نهاية الرواية السعيدة المحكمة لكل الأبطال، وكالعادة أيضًا انهيت الرواية بابتسامة راضية على وجهي وحزينة لفراق جزيرة الأشجار المفقودة التي سكنتها أيامًا كثيرة، وعشت فيها، وتخيلت أبطالها، وأصبحت أنا الأخرى أكلم نباتاتي وأتواصل معها كما عاهدت الأحاديث الشيقة مع شجرة التين بالرواية.
أرشحها بقوة لكل من يريد مغامرة في جزيرة قبرص بين الماضي والحاضر، وزيارة عالم الأشجار والنباتات مع الأبطال.
أعدك لن تبقى نظرتك وما تعرفه عن النباتات والأشجار كما كانت عليه بعد قراءتها، ستكتشف أصدقاء جدد يحيطون بنا في الكون ولم نلتفت لهم من قبل.
قد يعجبك أيضًا رواية ابتسم فأنت ميت.. رواية مصرية
أحب الاقتباسات إليّ من الرواية
· "حين يكبر المرء يقل اهتمامه بصورته عند الآخرين، وعندها تزداد حريته".
· "رسم الخرائط مجرد اسم آخر للحكايات التي يرويها المنتصرون، أما الحكايات التي يقصها المهزومون فلا يوجد لها اسم".
· "الزمن طائر مغرد في وسعك أن تأسره، شأنه شأن أي طائر مغرد، بيد أن الزمن لا يمكن السيطرة عليه إلى أبد الآبدين، فلا يوجد أسر يدوم إلى الأبد".
· "كيف لنا أن نشكل مستقبلنا إن لم نفهم ماضينا؟
· كانت هذه مهارة لديها أن ترصد حزن الناس كالحيوان الذي يشم رائحة حيوان من فصيلته من بعيد".
· "هل من الممكن أن يرث الإنسان شيئًا غير محسوس وغير قابل للقياس كالحزن؟".
· الوحدة محض اختراع البشر؛ فالأشجار لا تشعر بالوحدة أبدًا، ولا تعرف هذه الأوهام، إنّ جذورنا المتشابكة تحت الأرض، وارتباطنا بالفطريات والبكتيريا يجعل كل شيء بالنسبة إلينا مرتبطًا بالآخر".
· "الأشجار أكثر حياة مما يدرك معظم البشر".
هل قرأت كتبًا من قبل لـ (إليف شافاق) عزيزي القارئ؟
قد يعجبك أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.