انتهى الفصل الدراسي لهذا العام وخرجتُ منه متفوقًا، يبدو أنَّ العاصفة تقترب، جدِّي مشغولٌ في إصلاح المدفأة وأمي تعد الطعام، الطقس باردٌ هذه الليلة، أشعر أنَّ قدميَّ ترتجفان، وأسناني تطرق بعضها بعضًا.
تُوفي أبي منذ كان عمري خمس سنوات، وأنا الآن في الثانية عشرة من عمري، الحفيدُ الوحيد لجدِّي.
بعد وفاة أبي أراد جدِّي الانتقال للعيش في الريف، فقد سَئم ضوضاء المدينة، قد أبدو مدللًا بعض الشيء عنده لكنَّ أُمي لا يبدو لها ذلك أمرًا جيِّدًا؛ فالطفل برأيها يَجبُ أن يعتاد المسؤولية منذ الصغر.
أسمعُ جدِّي ينادي: يا حسن اذهب إلى القبو وأحضر لي بعض الحطب، ذهبتُ مسرعًا لأتخلَّص من هذا البرد القارس، قبل وصولي إلى القبو تذكرتُ خوفي من الظلام وخصوصًا في الأماكن المغلقة، رجعتُ مسرعًا.
جدِّي: أين القنديل؟ أريد ضوءًا، فالظلام دامس داخل القبو. ضحك جدّي وقال: هل أنت خائف؟ يبدو أنَّك ما زلتَ صغيرًا تخافُ من ظلِّك، خذ ذاك القنديل وأشعله وانصرف.
اتجهت نحو القبو أحملُ القنديل. جدِّي طيلة الصيف يجمع الحطب ويدَّخرهْ داخله، لم أذهب إلى القبو منذ عام عندما رافقتُ أمي لتنظيفه، لا أتذكر تفاصيله جيدًا. فتحتُ الباب بصعوبة، كان ثقيلًا وكبير الحجم وكان صوته مزعجًا من قلة الاستخدام.
جعلتُ القنديل أمامي ودخلت، رأيتُ الحطبَ مرتبًا بطريقة هندسية، فجدِّي مغرمٌ بالترتيب. بدأتُ بأخذ الحطب ووضعه داخل الحقيبة، كانتْ دقَّات قلبي تتسارع وعيوني تلتفتُ إلى كل مكان من شدة الخوف، حملتُ الحقيبةَ واتجهتُ نحو الباب مسرعًا، أمسكتُ مقبض الباب، وإذا بصوتٍ خافتٍ من ورائي يناديني. لم أنظر إلى الخلف ولكن يبدو أنَّه من صوبِ أكوام الحطب. أغلقت الباب بسرعةٍ وركضتُ أسابقُ الريح، ما هذا الصوت العجيب الذي سمعت! هل أتوهم؟ ولكنِّي سمعتُ صوتًا ما زال صداه في أذني.

أوصلتُ كيس الحطب إلى جدِّي وأنفاسي تتسارعُ من شدة الركض.
جدِّي: ما بالك يا حسن؟! أراك مخطوف الوجه متعرِّقًا. ألم تكن تشعر بالبردِ منذ قليل؟
لا شيء يا جدّي يبدو أنني ركضتُ كثيرًا وشعرتُ بالتعب.
ما زال ذلك الموقف يحدِّثني، جعلتُ أفكِّرُ بالصوت وأقلِّبه في مدارات شعوري، يبدو شيئًا غريبًا، من الذَّي يعرف اسمي ويناديني به من داخل القبو؟!
شارفت الشمسُ على المغيب، أشعل جدِّي المدفأة وانتشر الدفء في البيت، أعدَّت أمي العشاء. كم هو لذيذ الطعام الذي تطهوه أمي، ولكن في تلك الليلة كان كل شيء بطعم ذاك الصوت الذي سكن في خيالي وتربع به.
الرياح قوية جدًا، بدأ المطر بالنزول، يبدو أن العاصفة دخلت. أغلقت أمي الأبواب والنوافذ، وأحضرت الشاي. كان البيت دافئًا بعائلتي، شعرتُ بالأمان حينها، كنتُ أحدِّق بوجه أمي وجدِّي وأبتسم، ويبادلاني النظرات والابتسامة.
ولكن! ما زال ذلك الصوت الذي سمعته في القبو لم يتبدد في أمان العائلة والشعور الجميل الذي أعيشه الآن.
بالشتاء تنام أمي وجدِّي باكرًا لأنَّ حياة الريف تتطلب ذلك للقيام بالأعمال باكرًا، فرض النوم سلطته على العائلة وغادر كلٌّ منَّا إلى فراشه، ذهبتُ إلى فراشي والفضول يلازمني كما يلازم الظِّلُ صاحبه، بدأت أتقلَّبُ داخل الفراش وبدأ خيالي العنيد يصوِّر أمامي أشكالًا لا تُحصى، اشعر أنَّ فضولي القهري سيقتادني نحو القبو إن طال الليل أو قَصر، ما أصعبَ هذ القرار الذي يملؤهُ التحدي!
توجهتُ نحو الصالة وألقيتُ نظرةً على أمي وجدِّي وبدأت بالبحثِ عن القنديل فوجدته خلف باب المطبخ، لبستُ حذائي وتوجهتُ نحو القبو بخطواتٍ متذبذبة، دقَّات قلبي أكاد أسمعها من شدَّتها، فتحتُ الباب بلطف ولكنَّ صوته أبى أن يكونَ لطيفًا، فغرَّد بنشاز، وكان الضوء يسبقني داخل الباب.
أخذتُ أحدِّقُ في كلِّ شيء، الهدوءُ سيِّد الموقف، بدأتُ أزيل شباك العنكبوت من أمامي لتتَّضحَ الرؤية، أصبحتُ وسط القبو وكومة الأخشاب أمامي، بدأتُ معاينة الحطب مع خفقان لا يهدأ.
فجأةً! سمعتُ صوتًا خافتًا ينادي: (اقترب يا حسن لا تخف). كان الصوت صوبَ كومة الحطب، ولكن لم أستطع تحديد موقعه بالضبط، ازداد الخوف واضطربت حواسي، كانت قدماي ترجع إلى الخلف بشكل لا إرادي.
تكرر الصوت بنبرة أعلى: اقترب يا حسن أنا (مرجان) لا تخف منِّي، صديقٌ لك لا تعرفني، أتيتُ من الغابة بسبب فأس جدِّك الذي قطع الشجرة التي كنتُ أحرُسها، وأنا الآن هنا في هذا القبو وحيدًا كما تسمع، أنا طفلٌ عمري ألف عام وأشبهك في وحدتك، سأكون صديقك، فهل تقبل؟
تبدد الخوف عني، وبدا كانقشاع الغيمة السوداء الحاجبة لضوء الشمس، اطمأن قلبي بعض الشيء وراودتني أسئلة كُثر:
طفلٌ بألف عام؟
نعم، فعالمنا مختلفٌ عن عالمكم نحن نعيش سنوات طويلة.
كيف مظهرك فأنا لم أرك بعد؟!
ستراني قريبًا ولكنَّ شكلي مختلف عنكم أيُّها البشر. ولكنْ، أريد أن يبقى وجودي هنا سرًا بيني وبينك حتى أعود إلى موطني بعد وقت، في قانوننا إذا تعرَّض أيٌ منّا للقطع لا يعود إلى الغابة إلا بعد ربيع السنة المقبلة حين تنمو أغصان الشجر. هل تقبلني صديقًا وضيفًا عندك يا حسن؟
حسن: نعم، قبلت ذلك ولكن أريد أن أراك.
مرجان: حسنًا سوف تراني كل ليلة في مثل هذا الوقت وسآخذك برحلةٍ عبر الزمن لنكتشف بلادًا عجيبة، وستكونُ غير مرئي مثلي حينها.
عادَ الخوفُ يقتحم شعوري لسماع هذه المغامرة، واختلطت مشاعري بين الخوف والتحدي. رحلةٌ عبرَ الزمن! شيء عجيب.
وكيف ذلك يا مرجان؟
مرجان: نحن لدينا القدرة على ذلك، نعود للماضي ونرى الحياة وقتها كيف كانت كما الحاضر الآن، ولكنِّي الآن سوف أصحبك برحلةٍ إلى عالمنا وسط غابات الصنوبر الضخمة لكي تتعرف على حياتنا، هل أنت مستعد؟
نعم بالتأكيد، إذن اقترب نحو ذاك الغصن الكبير والمسه، سوف أظهر لك بشكلي الحقيقي، هيا اقترب.
اتجهتُ نحو الغصن بخطوات تملؤها الإثارة، وضعتُ يدي على ذلك الغصن، وإذ بشيء جميل يمثل أمامي لم أرَ مثله من قبل. يا لشدة جماله! عيون مستديرة خضراء، وبياض ناصع كحبَّات الثلج، وتاج مرصَّعٌ بالأحجار الكريمة.
مرجان أنت مثير للغاية.
هيا يا حسن الوقت ينفد، أمسك يديَّ وردِّد هذه الكلمات (الأسرار في الأشجار، رحلة عبر الزمان).
لم أصدِّق ما يحصل معي، يا إلهي! أشعر بالطيران كأنِّي بداخل فقاعة صابون هامت في الفضاء، كم هي عجيبة هذه التجربة!
نحن وصلنا يا حسن، أنت ترى الآخرين ولكنَّهم لا يرونك، لا تستطيع فعل شيء سوى المشاهدة فقط!
ما أجملَ هذا المنظر! الشجر ناصع الخضرة، ضخمٌ جدًا وثماره كبيرة. هل هذه غابتكم التي تعيشون فيها يا مرجان؟
نعم، هنا كل شيء مختلف عن عالمكم، الألوان عندنا درجتها تكون أضعاف ما عندكم، حتى الماء لا يتعكَّر صفوه.
أخذتُ أتجوَّل داخل الغابة، البيوت هنا من الأشجار الضخمة تشبه أشجار الصفصاف المتدلية كالشلال، الناسُ ناصعو البياض وجوههم مستديرة وعيونهم خضراء متشابهون نوعًا ما، أسمع أصواتهم ولكن لا أفهمها، يبدو أنَّ لغتهم مختلفة عن لغتنا، لفتَ انتباهي أن أغلبهم ينامون خارج المنازل ويأكلون في جماعات على طاولة مستديرة ضخمة، الرجال يأكلون وحدهم والنساء كذلك، الأطفال يحيطون بهم كحلقة داخل حَلقة.
لباسهم طويل جدًا حتى إني لا أرى أرجلهم، يلبسون أحزمة خضراء وأثوابًا بيضاء مطرَّزة بخيوط صفراء، اقتربتُ أكثر لأتحرَّى ما يأكلون، الطبخ عندهم جماعي، فجميع نساء الغابة تجتمع وقت الظهيرة الذي أنا فيه الآن للطبخ، لا يطبخون على الحطب فهوَ محرمٌ لديهم، يستخدمون نوعًا خاصًا من الحجارة وقودًا لهم، لم أستطع تفسير ذلك! أصناف الطعام على مائدتهم لا تخلو من ذلك الشراب الأخضر الذي لم أستطع تمييزه، المائدة تَعجُّ باللون الأخضر بأشكاله المختلفة.
فجأة قادتني قدماي نحو البحيرة، وقعت عيناي على أحدهم يستظلُ تحت شجرة، يبدو أنَّه طفل، يجلس وحيدًا وتظهر على قسمات وجهه آثار حزنٍ، لفت انتباهي لون عيونه فهي سوداء على خلاف من يسكنون هذا المكان الذين يتميزون جميعهم باللون الأخضر. قادني الفضول لمعرفة سر هذا الطفل.
مرجان، هل تعلم شيئًا عن قصة هذا الطفل؟
نعم، أعلم.
هل تستطيع إخباري؟
نعم بالتأكيد هذ الطفل أبواه حُكِم عليهما بالنفي خارج هذه الغابة منذ زمنٍ طويل بعد أن أنجبا هذا الطفل الذي يُدعى سام.
اسمه سام؟
نعم اسمه سام، كان أبوه يعيش في هذه القرية وكان من علية القوم، قاده الفضول يومًا لرحلة عبر الزمن قضاها في جزيرة بعيدة تزوَّج فيها فتاة من ذوات العيون السوداء، وأنجبا الطفل سام واقتادها إلى غابتنا، وهذا مخالف لعاداتنا، فحُكِم عليهما بالنفي وبقي سام يعيش معنا، ولكنَّ الحزن لم يفارقه بسبب بعده عن والديه والتنمر من أطفال الغابة بسبب لون عيونه المختلف.
قصة حزينة وعجيبة، كم هو صعب الشعور بالوحدة والتمييز الذي لم يكن سام مسؤولًا عنه!
حسن، الوقت ينفد؛ يجب أن نعود إلى البيت، انتهت الرحلة لهذا اليوم.
هيا أمسك يديَّ وقل: (الأسرار في الأشجار، رحلة عبر الزمان). لم تصدق عيناي ما رأت في تلك الرحلة العجيبة، رجعنا إلى البيت، ورجع مرجان إلى القبو وحذَّرني ألَّا أتفوه بكلمة عنه وعن هذه المغامرة.
حسن، لا تنسَ غدًا موعدنا في مثل هذا الوقت لرحلة جديدة، لا يفوتك وضعي في مكان آمن عن يدي جدِّك، تصبح على خير.
انطلقتُ بخطواتِ متوانية إلى فراشي ملقيًا نظرات حذرة على جدِّي وأمي، حمدًا لله فَهما غارقان بنومتهما السابعة.
أغلقتُ باب غرفتي ببطء، وتوسدتُ فراشي، وشعوري بنشوة السعادة الممزوجة بالاستغراب يلازمني، يا لها من ليلةٍ مثيرة!
الساعة الآن الثانية عشرة منتصف الليل، كانت أول مرة أظل مستيقظًا لمثل هذا الوقت، ولكن يجب أن أنام الآن كي لا أتأخر بالاستيقاظ صباحًا مع جدِّي وأمي، فهما معتادان على تناول الفطور باكرًا وأنا معهم، لا أريد أن أثير حفيظتهما إن تأخرتُ بالاستيقاظ.
يا حسن تعال هنا الفطور جاهز.
يبدو أن أُمي تنادي، كانت عيناي ثقيلتان جدًا، كأن صخرة ضخمةً جثت عليهما من شدة النعاس، لا يعلمون أنني ليلة الأمسِ كسرتُ حاجز السهرِ لأول مرة في حياتي، ولكن يجب أن أتماسك لدفع النعاس عنِّي وأنتفض مسرعًا كما كنت أفعل بالسابق.
لم تسعفني إرادتي حينها، فقمتُ بخطوات متأرجحة والتثاؤب كاد أن يمزِّق فمي من شدة النعاس، جلستُ على الكرسي يقابلني جدِّي.
حسن، ما بك يا بنيَّ؟ يبدو أنك ما زلت نائمًا، ألم تنم جيدًا؟
اجتاحني القلق حينها، وبدأت تراودني أفكار يبدو أنَّها غير معقولة حول معرفة جدِّي بسبب عدم نومي باكرًا .
بددت ذلك الخوف بسرعة: لا لا لقد نمتُ باكرًا يا جدِّي ولكنِّي استيقظتُ بسبب كابوس أقلقني، ويبدو أن أصوات الرعد كانت قوية.
لا داعي للقلق يا بنيَّ، إذا صادفك كابوس آخر استعذ بالله وحاول النوم.
بدأنا في تناول الطعام، وفضولي يتعاقب بالأسئلة حول طعام مرجان، هل يأكل مثلنا؟ وكيف هو طعامه الآن؟ يبدو أن أسئلة كثيرة سوف أطرحها على مرجان في لقائي القادم معه.
عند الظهيرة، خرجتُ مع جدِّي لتفقد آثار عاصفة ليلة الأمس، كم كانت قوية، الأمطار داهمت محصولنا، وبدأ جدي بجمع أغصان الأشجار المترامية حول البيت. لقد كسرت العاصفة أغصان شجرة الليمون التي يحبُّها جدي، بدأ جدي بجر الأغصان باتجاه القبو ليتسنى له تقطيعها ووضعها داخله، بدأت دقَّات قلبي تضطرب؛ فصديقي مرجان داخل ذالك القبو. كم كنت خائفًا من قرارات جدي المفاجئة، أسرعتُ إلى الفأس وأخذتُ الأغصان من يدي جدِّي وبدأت بالضرب.

ما بك يا بني؛ خطفت الأغصان من يدي وكأنِّي أسرقها؟! أنت ما زلت صغيرًا على الضرب بالفأس؛ فهذا العمل يتطلب عضلات قوية وعضلاتك ما زالت غضّة.
أنا أستطيع فعل ذلك يا جدِّي، أنا كبرت، دعني أحاول.
كانت تلك الاستعراضات التي أبديها أمام جدي لصرف نظره عن القبو والسرِّ الذي يكمن فيه. الفأس ثقيل، أشعر أن عضلاتي الرخوة تتمزق، لكن لا بد أن أنجح في هذه المهمة ولو كلفني ذلك الأمر المشقة. أخذتُ أقطِّع وأقطِّع حتى أنجزتُ المهمة، ونظرات جدِّي تلاحق يديَّ صعودًا ونزولًا.
جمعتُ الحطب وربطته بخيطٍ لوضعه داخل القبو، فتحتُ الباب بسرعة، لم يرافقني الخوف كما كنت بالسابق؛ فلدي صديق داخل المكان الذي كنت أخاف منه.
حسن هل تحتاج لضوء؟
لا يا جدِّي فأنا كبرتُ.
ضحك جدّي بصوتٍ عالٍ وقال: بالأمس طلبت قنديلًا، والخوف يظهر في وجهك، أكبرتَ في يومٍ وليلة، ما أسرع نموك!
وضعت الكومة بالقبو وأغلقتُ الباب بسرعة.. الشمس شارفت على المغيب، إنني جائع، فاليوم أصبحتُ حطابًا لا يشقُ له غبار، كانت أمي تحضِّر الطعام، يبدو أنَّ عشاءنا هذه الليلة الدجاج المشوي، شاهدتُ أمي وهي تحضِّره، أمي بارعة في الطهي ونفَسها في الطبخ يظهرُ في عضلات جدِّي المفتولة القوية.
تناولنا العشاء، كنتُ آكل بنهمٍ بسبب فقداني للطاقة المهولة من تقطيع الأغصان، أدركتُ حينها لماذا يأكلُ الرجالُ بنهمٍ عند المساء، لم يصادف أن شعرتُ بالجوع مثل ما شعرتُ هذا اليوم، كان الطعام لذيذًا ودافئًا كدفء عائلتي، ومثيرًا كصديقي مرجان الذي لا بد أن أختم يومي بمغامرة معه هذه الليلة.
طلبتُ الإذن بالمغادرة: أنا سأذهب إلى النوم، جدِّي، أمي، تصبحان على خير.
انطلقت مسرعًا إلى فراشي، أغنِّي بصوتٍ منخفض (عبر الزمان عبر الزمان هي رحلة مع مرجان).
الساعة الآن العاشرة والنصف، جدِي وأمِّي مستغرقان في النوم منذ ساعتين تقريبًا، موعدي مع مرجان بعد نصف الساعة، أخذتُ أقلِّب في كتبي المدرسية وأذكر إنجازاتي خلال الفصل الدراسي، اشتقت لأصدقائي ومعلمي، ولكن أنا الآن سعيدٌ بصديقي الجديد مرجان، سأروي قصته لصديقي المقرَّب (أزاد) وأطلب منه معاهدتي بعدم إفشاء هذا السر.
الساعة الآن الحادية عشرة، يجب أن أذهب؛ فصديقي مرجان ينتظر.
أخذتُ القنديل وتوجهتُ مسرعًا نحو القبو، دخلتُ القبو وألقيتُ التحية: كيف حالك يا صديقي مرجان؟
أهلًا بصديقي حسن، الحمد لله، أنا أنتظرك بفارغ الصبر.
مرجان، لديَّ سؤال شغلني هذا اليوم، أنت ماذا تأكل وماذا تشرب وأنت داخل هذا القبو؟
لا تقلق يا صديقي، نحن بطبيعتنا إذا تعرَّضَ أحدنا للقطع أو الأسر أو ما شابه ذلك، فإن أجسامنا تخزِّن الطعام بداخلها لمدة عام، فلا نشعر بالجوع أبدًا طيلة العام.
أمركم عجيب!
ألا تريد مغامرة جديدة يا حسن؟
بلى، أريد.
إذن هيا اقترب وردد الكلمات التي حفظتها أمس، هاتِ يديك وقل، هيا (الأسرار بالأشجار، رحلة عبر الزمان).
أينَ نحن يا مرجان؟
نحن في جزيرة الأشقياء.
أشقياء! وهل للشقاء مكان خاص في هذا الكون؟!
نعم، دعنا نرَ ونسمع.
نزلنا الجزيرة وبدأنا نتجول فيها، كان الوقت عصرًا، العمل هنا ليس حكرًا على الرجال فقط فالنساء أيضًا لهن نصيب من ذلك، الجزيرة قاحلة جدًا، لم أشاهد أشجارًا فيها، ويوجد في وسطها بحيرة يجرُّ منها الفلاحون الماء لسقي مزروعاتهم.
الناس هنا يتذمرون من كل شيء، مزروعاتهم لا يكاد يصل طولها السنتيمترين فقط، يعتاش الناس على السمك الذي يصطادونه من الخليج المقابل لجزيرتهم، الخضراوات عندهم شحيحة جدًا، وقد لا يرونها طيلة سنوات، يشتركون جميعهم بشحوب الوجه حتى النساء يفتقدن الجمال، والأطفال لا تبدو البراءة على وجوههم.
اقتربتُ من أحدهم وهو يتكلم مع شخصٍ يعمل معه، يغلب على حديثهما التشاؤم وندب الحظ حول محصولهم الذي فشل في النمو نتيجة القوارض التي تملأ الجزيرة. شاهدتهم ينثرون التراب على رؤوسهم، لم أشاهد هذا من قبل. يا لتعاستهم وسوء حظهم!
تابعنا المسير حتى وصلنا بيوت القرية، تبدو البيوت رثَّة وجدرانها متشققة من تضاريس القحط الذي سيطر على هذه الأرض، سمعتُ صوت بكاء طفلٍ صغير يبدو أنَّه وليد، تابعنا الصوت حتى اقتربنا من مصدره ووقفت بجانب سور البيت وبدأ فضولي يشدني نحو سبب بكائه المتواصل، سمعتُ الأم تحدِّث ابنتها (يا بنيتي، اذهبي وابحثي عن مرضعةٍ لأخيكِ، فأنتِ تعلمين أنَّ حليبي قد جف ولم أعد قادرةً على الرضاعة، وأخوكِ لم يتناول شيئًا مذ ولدته قبل ساعات.
أُمي، ألا تعلمين أنَّ الجزيرة خالية من النساء المرضعات، وأنت المرأة الوحيدة التي أنجبتِ منذُ أربع سنوات.
آهٍ يا بنيتي ما أصعبَ عيشنا، يبدو أنَّ أنانية قومنا، حرمتنا نعمًا كثيرة.
مرجان، ما قصة الأنانية التي تتكلمُ عنها هذه المرأة؟
سأحدثك عن قصة هذه الجزيرة. في قديم الزمان كانت هذه الجزيرة مروجًا خضراء تكثرُ فيها الأشجار المثمرة، وكان سكّانها أناسًا طيبين متكافلين، يعطف كبيرهم على صغيرهم، ويأكلون من صحنٍ واحد حتى كانوا يتشاركون الأموال بالتساوي، فلا يوجد بينهم فقير، وكان الوالدان لهما منزلة عظيمة عندهم، حيث يُخدمون كأنهم ملوك فوق رؤوسهم تيجان، استمر ذلك الهناء حتى رمت أمواج المحيط بشخص يُدعى (غثبر) على شاطئ هذه الجزيرة، فحمله أحد الصيادين إلى الجزيرة واجتمع سكَّان الجزيرة حينها وبدأوا يتنافسون في خدمة هذا الضيف، فأحسنوا ضيافته واعتنوا به حتى جعلوا له بيتًا وحقلًا كبيرًا، رأى غثبر حسن الضيافة والاهتمام غير المنقطع به والذي لم يره من قبل.
غثبر شخصٌ شرير، أعماله السيئة جرَّته إلى نفيه من قريته التي كان يعيش فيها، كان رجلًا ينشر الفتن والشائعات المغرضة المثيرة للنعرات والتي أدَّت إلى اقتتال بين قبيلتين كبيرتين في القرية وراح ضحيته أفراد كُثر، بعدها قرر العقلاء في القرية طرده خارج حدودها وألا يعود إليها أبدًا.
عندما استقرَّ في هذا الجزيرة، وبعدما نال من كرمٍ وحسن استقبال واحتواء، غلبه طبعه الشرير للأعمال التي كان يفعلها في قريته بالسابق، رأى جميع الناس في داخل الجزيرة متحابين متوادِّين يعيشون في رغد والخيرات تغمرهم في جميع فصول السنة، لم يستطع إخفاء طبعه الشرير ولم يردعه نفيه خارج بلاده، فقام ببث الفتن بين الناس.
كان يتجول في الجزيرة، ولا يروق له النظر في الناس المتحابين، ويضيق صدره عندما تقتسم الناس الأموال بينهم بالتساوي.
وذات يوم كان على مقربة من بستان كبير يملكه اثنان من كبار تجَّار الجزيرة، كان البستان ينتج أضعاف البساتين المجاورة له، وكانت ينابيع المياه تغمره طوال فصول السنة، كان التاجران يجلسان على طاولة تملؤها أصناف عديدة من الفواكه، دخل عليهما غثبر فدعاه التاجران للجلوس معهما وتناول الطعام، بعدما تناول الطعام بدأ غثبر ببث سمومه في أُذني التاجرين بعد سماعه حديثًا دار بين التاجرين حول التغني بالإنجازات في إدارة البستان.
كان غثبر منصتًا لكل الحديث الذي دار بينهما فقال ممازحًا: أتجعلاني حكمًا بينكما؟ قال التاجران: وهل نحن خصمان أيها الضيف؟! فالخير كثير ونحن متحابان راضيان. قال غثبر: لا لا أقصد ذلك ولكن دعونا نفترض أنَّ أحدكما له الفضل الأكبر في محصول هذا البستان، ألا يجب أن يكون صاحب الفضل والعمل الأكبر في هذا البستان هو صاحب المال الأكثر؟ وأنا من خلال سماعي لتغنيكما بالإنجازات أميل لأحدكما هو صاحب الحصة الأكبر.
أشار غثبر بيده إلى أحدهما وقال: بالحجة والدليل أنت صاحب الفضل الأكبر؛ فمن غير المعقول أن تتساوى مع شريكك بالمال نفسه.
غادر غثبر المكان بعدها ولم يلتفت خلفه، تاركًا وراءه التاجرين يظهر على وجهيهما امتعاض شديد مما سمعا، بدأ كلام غثبر يؤتي أُكله في عقل التاجرين، وبدأ جدال ومحاجَّة حول ما أثاره غثبر الشرير انتهت بخصومة ونكران الجميل، امتدَّ أثرها بتطاولٍ بالأيدي أدَّى إلى طرح أحدهما أرضًا وكسر يده.
انتشر الخبر في الجزيرة كانتشار النار في الهشيم، وبدأ الناس يحتشدون في ساحة الجزيرة، وإذ بغثبر الشرير يَقُصُّ ويحيك قصصًا كاذبة حول هذا الحدث ويهوِّل الحدث في مشهدٍ أجج عواطف أقارب التاجرين، فبدأت الخصومة تتسرب بين الناس كالضباب حول البيوت، فانقسم الناس شطرين، وبدأت أصواتهم تتعالى على بعضهم بعضًا والصراخ يملأ الجزيرة، ودخل الناس دائرة الصراع واستفحلت الخصومة في عقول الناس، وأخذ كلٌ يحرق محصول الآخر، وكانت الثمار تداس تحت الأقدام، وقُتل في تلك الفتنة أناس كُثر، فقد استمرت لسنوات طويلة حتَّى بارت الأراضي من انشغال الناس بالاقتتال.
وحُبِسَ المطرُ عنهم، وبدت الأرض جدباء مقفرة كما تشاهد الآن يا حسن، وبعدها أخذَ سكان القرية المتبقين من تلك المعارك الطاحنة بالعزلة عن بعضهم بعضًا، وبدأت الأنانية تحكم سلوكهم بعدما كان الودُّ والمحبة تسود تلك الجزيرة.
حسن: وما مصير غثبر الشرير صاحب الفتن؟
بعد طحن المعارك التي دارت حمل غثبر نفسه واعتلى كهفًا على حدود الجزيرة الغربية واعتزل الناس وكان الخوف يسيطر على جوانحه من سوء ما عمل، بقي داخل كهفه سنوات طويلة في أثناء المعارك ومات جوعًا داخل ذلك الكهف.
حسن: يستحق غثبر الشرير ذلك بعد فعلته التي قلبت موازين تلك الجزيرة.
مرجان: الوقت بدأ ينفد يا حسن، ما رأيُك بالعودة؟ أتعلم يا مرجان أنِّي تعلمتُ في هذه الرحلة أشياءً كثيرة، سأحدِّث صديقي أزاد فيما بعد عنها.
مرجان: كما تشاء يا حسن، هيا اقترب يجب أن نعود.
(الأسرار في الأشجار رحلة عبر الزمان)
وصلتُ البيت كعادتي ولكنَّ شعورًا ما ما زال عالقًا في مخيلتي. كم أثار حفيظتي الانقلاب الجذري الذي حدث في جزيرة الأشقياء، وأنَّه كيف يستطيع شخصٌ شرير مثل غثبر أن يقلب سعادة تلك الجزيرة إلى شقاء بكلمات بثَّها في أُذن تاجرين كانا بالأمس متحابين وأصبحا في سويعاتٍ ألدَّ الأعداء، ولم يغب عن أذني صوتُ بكاء الطفل الوليد وهو يستصرخ من أجل الحياة التي سادت فيها الأنانية.
يبدو أنني سأتعلم كثيرًا من صديقي مرجان، كم هو رائع!
طلع الصبحُ، وبدأت صخور الأرض المبتلة من الندى تعكس شعاع الشمس على نافذة غرفتي، اقتربتُ من النافذة وبدأت أتأمل الطبيعة الخلَّابة من حولي، كم هي جميلة حياة الريف! صحوتُ باكرًا في هذا الصباح نشيطًا على غير ما صحوت الأمس، فاليوم لم أسمع صوت جدِّي وأمي يناديانني، فبادرت بالذهاب لإيقاظهما:

جدِّي، أمي، ها نحن في الصباح، ألا تريدان الاستيقاظ؟
استيقظ جدِّي وأمي، وبدأ الروتين اليومي من تحضير الفطور والشاي، واتجهتُ إلى غرفتي بعدما انتابني شعور بالاشتياق والفقد إلى أبي المتوفى، فتناولتُ صورته من خزانتي، كم أنا مشتاق إليك! ليتك بيننا الآن، ليتني أستطيع أن أحدِّثك عن صديقي مرجان ومغامراتي معه، لقد كبرتُ يا أبي في تلك الرحلات وتعلمتُ أشياء فاقت سنِي عمري.
الفطور على الطاولة يا حسن، هيا تعالَ قبل أن يبرد الشاي.
مسحتُ ما تبقَّى من دموعٍ على وجنتي، وتركتُ صورة والدي على سريري، أنا قادم يا أمي.
بدأنا بتناول الفطور، وكان البيض المقلي مع الجبن يزيِّن سفرة الطعام، فأنا مغرمٌ به، جدِّي مهتمٌ بتربية الدجاج والأغنام، فجلُّ موائدنا لا تخلو من إنتاج تلك الحيوانات.
لا يوجد لديَّ أصدقاء هنا، بيتنا بعيدٌ نوعًا ما عن بيوت القرية، خرجتُ أتجول في فناء بيتنا، كان الربيع بداية بزوغه، وما زالت الأرض مبتلة من آثار الأمطار، رأيتُ سلحفاة بين الأحجار يبدو أنها وحيدة، اقتربتُ منها وحملتها، جعلتُ أنظرُ إليها وأقلِّبها وأتأمل بيتها، وضعتها على الأرض وأخذتُ أجمعُ الأحجارَ لصناعة بيتٍ لها.
خلطت الطين ووضعته بين الحجارة حتى انتهيتُ من صناعة بيتها، وركضتُ مسرعًا إلى البيت وجلبتُ لها طعامًا، كنتُ أعلم أن السلاحف تحبُُ الخس فأحضرتُ خسة وأطعمتها، كانت السلحفاة تأكل بنهم، كأنها لم تأكل منذ وقتٍ طويل، كم شعرتُ بالسعادة حينها، كم هو رائع شعور الصداقة حتى لو كان مع غير جنسك.
خطر ببالي صديقي مرجان، ليته من جنسي لأتحدَّث معه وألهو معه في هذا الجو الرائع وهذا المكان الجميل.
اقترب المساء واقتربت معه لهفتي للمغامرة، تناولنا العشاء باكرًا على غير العادة بُعيد غروب الشمس، سمعتُ أمي تقول إنَّ أقارب لنا سوف يحضرون هذه الليلة للسهر معنا، شعرتُ بالسعادة نوعًا ما؛ قد يكون بسبب كسر الروتين اليومي الذي اعتدنا عليه، عشاء ثم النوم باكرًا.
بادرتُ أمي بسؤال عفوي: هل لديهم أطفالٌ من سنِّي؟
فكانت الإجابة الصادمة: لا يا بني، للأسف فهما لا ينجبان، ولا تُكثر من الأسئلة حين قدومهما، كن مستمعًا جيدًا وتكلَّم بقدر ما تُسأل.
كان لدي شغفٌ بوجود طفلٍ معهما لعلني أسلِّي بذلك جزءًا من طفولتي التي باتت تقبع بين جدران بيتٍ معزول وإرشادات تنتزع العفوية التي تلازم الأطفال.
حضر الضيفان، وكان لا بد لي أن أحضرَ كطفلٍ يُمنَع غيابه في حدثٍ قلما تكرر، فارتباط عائلتي بالآخرين يثَبطهُ بعد الجغرافيا التي حرمتني من حقي كطفلِ في اللعب مع الأقران.
كان الحديث يكبُرُ سنيَّ عمري، يبدو أنَّ حديث الكبار مُنظَّم بشكلٍ لا يتخلله عفويتنا نحن الصغار.
أجبتُ كما أرادت أمي وكنتُ مستمعًا جيدًا، لدرجة أنني كنتُ أراقب شفاه المتحدثين وأخمِّن ما يقولون.
انقضت السهرة وغادر الضيفان، يبدو أن موعدي مع صديقي المؤنس قد اقترب، يا تُرى إلى أين المغامرة هذه الليلة؟ أنا أتوق لعيشها مع مرجان صاحب الأسرار.
كنتُ تواقًا لعيش المغامرة هذه الليلة، الضجرُ يدفعني إلى الفراش الذي يكون انطلاقتي لمرجان.
أمي، جدِّي تصبحان على خير.
انهمرَ النوم على رأس جدِّي وأمي بسرعةٍ بعد سهرهما لوقت متأخر مع الضيوف.
كانت الساعة تشيرللحادية عشرة إلا ربع، لم يتبقَّ إلا ربع ساعةٍ على موعدي مع مرجان، لبستُ حذائي وأخذتُ معطفًا، ووقفتُ على النافذة بانتظار قدوم الموعد، الظلام دامس وأصوات الكلاب تملأ الجبل.
تسلل خوفٌ بسيطٌ إلى قلبي، كان صوتُ الكلابِ لا ينقطع، يبدو أنَّ شيئًا ما يحدث حولها، لم ألقِ انتباهًا لذلك؛ فأنا مشغولٌ في موعدي المنتظر مع مرجان.
أغلقتُ النافذة وتوجهتُ إلى ناحية القبو أسيرُ على رؤوس قدميَّ حتى كدتُ لا أسمع صوتهما، فتحتُ الباب وأسرعتُ نحو مرجان.
كيف حالك يا مرجان؟ لقد اشتقتُ إليك كثيرًا، كم أفتقدك في النهار!
أنا بخير، إنَّك تتلهف لمغامرة هذا اليوم، يبدو أنَّ وحدتك في البيت بدون أصدقاء تقودك إلى ذلك، أنا أشعر بك يا صديقي.
اقترب يا حسن، والمس الغصن كي تراني، ولننطلق إلى مغامرة جديدة، هيا اقترب.
حسن: أنتَ جميلٌ هذه الليلة أكثر من تلك الليالي يا مرجان، يبدو أنَّ أمرًا ما قد حدث معك.
مرجان: سأخبرك لاحقًا، لا تقلق. هل أنت مستعدٌ لرحلة جديدة يا حسن؟
حسن: نعم نعم أتوق إليها منذ الصباح.
إذن هيا، هاتِ يديك وقل: الأسرار في الأشجار رحلة عبر الزمان.
ما هذا يا مرجان، كل شيءٌ ضخم هنا، هل نحن أقزام أم أن ما حولنا يكبرنا أضعافًا؟
نحنُ في أرضِ العماليق، نحن بأحجامنا الطبيعية يا حسن. لا تقلق، دعنا نكتشف عالمهم المليء بالأسرار.
نزلنا في وادٍ سحيق، كانت الرياحُ عاصفةً وبالكاد نستطيع السير، اقتربنا أكثر نحو نهاية الوادي، وإذا بشخصٍ ضخم مستلقٍ في مدخلِ الوادي، كلما اقتربنا منه كانت الرياح تزداد حتى كدنا أن نطير من شدتها، كان مرجان شديد الملاحظة:
هل تعلم يا حسن أنَّ هذه الرياح ليست حقيقية؟
وكيف ذلك يا مرجان؟!
هل تعلمُ أنَّها من شهيق وزفير هذا العملاق الضخم؟
يا للعجب! كم هو قوي!
ألا تخبرني عنهم يا مرجان؟
بالتأكيد يا حسن، هؤلاء العماليق ينامون طيلة اليوم ويستيقظون ساعة فقط لتناول الطعام والتنقيب عن الكنوز ويعودون للنوم، لديهم قدرات خارقة لاختراق الأرض بأيديهم، حيث تصبح الأرض بين أيديهم كالعجينة، يقدِّمون الكنوز المستخرجة من باطن الأرض والكهوف لقبائل الإبريز التي تقوم بالمقابل بخدمتهم والعناية بصحة أجسادهم.
لماذا هم طيلة اليوم نائمون ولا يستطيعون خدمة أنفسهم؟ ألا يبدو ذلك غريبًا يا مرجان!
نعم غريب، انظر إلى حجم أجسادهم، ألا تراها ضخمة بحيث لا تستطيع أرجلهم حملهم لأكثر من ساعة؟ فكان البديلُ استخدام قبائل الإبريز المولعين بجمع الذهب والفضة لخدمتهم مقابل حصولهم على المجوهرات.
تجولنا في أرض العماليق، كان كل شيء أكبر من حجمه الطبيعي، مررنا ببستان، أخذتُ أنظرُ إلى الفواكه فيه، حبة البرتقال تكبرني أضعافًا، وكانت حبة العنب الواحدة بحجم رأسي، كانت جداول الماء تتوسط البستان، أخذت أنظر إلى النهر وإذا بسمكة تقفز داخله، كان حجمها يقارب سفينة شراعية حتى خفتُ أن تبتلعني.
كانت قبائل الإبريز تعمل ليل نهار بشكل جماعي بلا توقف كأنها خلية نحل لتأمين الطعام للعماليق، كانت أحجامهم تقارب أحجامنا نحن البشر، ولكنَّ بنيتهم العضلية تبدو قوية، أيديهم طويلة مقارنة مع طول أرجلهم حتى تصل إلى الأرض من طولها، يعتمدون على أيديهم كما أرجلهم، فتراهم يقفزون كما القرود لجني الثمار. يغلِّفون أيديهم بسلاسل من فضة ويصنعون من الذهب حبالًا يتخصرون بها.
تابعنا السير فشاهدنا ما يقارب الخمسين منهم يجرُّون عرنوس ذرة لإطعام أحد العماليق، وفي الجهة المقابلة رأيتُ ثلة منهم تقارب الثلاثين يسحبون حبة طماطم ضخمة، كان العماليق مستلقين في عدة أماكن وشعورهم منثورة حولهم وعيونهم مفتوحة وهم نائمون، لا نسمع سوى أصوات شهيقهم وزفيرهم والهواء القوي الذي يأتي من ناحيتهم.
تابعنا السير وكانت أصوات الأباريز تعجُّ في المكان ولكني لم أفهمها، سألت مرجان عما يتحدثون لعله يعلم بلغتهم، قال لي: يتحدثون عن اقتراب موعد استيقاظ العماليق، ولا بد أن يكونوا قد أتمّوا إجهاز مائدتهم، كان لكل عملاق سفرة خاصة وآلاف الخدم من الأباريز يتنافسون بإعداد المائدة المفضلة للعماليق، كلما كانت المائدة يفضلها العملاق زاد العطاء من الكنوز، فكانت الأباريز تتنافس فيما بينها لتحضير ألذِّ الموائد لنيل الرضا والحصول على الكنوز.
أرض العماليق حُبلى بالأسرار والكنوز. كان لدى الأباريز مناجم ضخمة لاستخراج المواد النفيسة في السابق، بعد أن حدث زلزال في أرضهم طُمرت تلك المناجم ولم يعد العمل فيها ممكنًا، فاستعانت قبائل الأباريز حينها بقوة العماليق وعُقِدت صفقةٌ بينهم، الخدمة مقابل الكنوز، واستمرَّ ذلك الأمر حتى وقتنا الحاضر.
مرجان، أشعرُ أنَّ الأرضَ تهتزُ تحت قدمي، ما هذا؟!
لا تقلق يا حسن؛ يبدو أن العماليق بدأوا بالاستيقاظ، دعنا نقترب أكثر لنرى.
اتجهنا مسرعين نحو أحد العمالقة والأباريز يحيطون به.
بدأ العملاق بالاستيقاظ مع إصدار صوتٍ يشبه صوت الرعد، كنَّا نراقبُ بحذر، جلس العملاق وبدأت الأباريز بالصعود نحو فمه الضخم، كانوا يصعدون على سلالم مصنوعة من الفضة، فريقٌ في الأسفل يحمل الأطعمة على عرباتٍ ضخمة، وفريق بالأعلى عند مقربة من فم العملاق، كانت العملية صعبة جدًا بسبب الأوزان الثقيلة من الأطعمة، وكان آلاف الأباريز لهذه المهمة.
رأيتُ أطنانًا من الطعام تدخل معدة هذا العملاق، وقسم آخر منهم يجرُّ المياه من النهر لغسل جسد هذا العملاق، استمرت هذه العملية ما قارب الساعة إلا ربع، ثم بدأ الأباريز بالنزول عن جسد هذا الضخم، وبدأ العملاق بالوقوف على قدميه ليردَّ الجميل لعمل الأباريز، فأخذ يخطو بخطواته المزلزلة للجبال التي يوجد فيها الكنوز ويضربُ بيديه القويتين الجبال ويحدثُ فيها حفرة مهولة حتى يصل للذهب الخام والفضة وأي شيءٍ ثمين يمثلُ أمامه ويضعه أمام الأباريز في مشهدٍ عظيم من التصفيق والصفير الذي يعجُّ في المكان.
شيء عجيب لم أكن أتخيله من قبل، شعرتُ بالدهشة من أعداد الأباريز الذين يقومون بالخدمة مقابل ذلك الكنز الذي سحر عيوني ببريقه اللامع، أخذ العملاق يحيي الأباريز في جوٍّ تملؤه الاحتفالية والصفير والتصفيق، حينها قام الأباريز بسحب تلك الكنوز من حول العملاق إلى مضاربهم خلف الجبال، وأخذ العملاق يستلقي في مكانه معلنًا نومته الطويلة.
كم أسعدتني تلك الرحلة وتركت في ذهني صورة لن أنساها طيلة حياتي عن العماليق الكسالى وعن شعب الأباريز الذين يطمحون لجني الكنوز أكثر من سعيهم لجمع غذائهم، يبدو أنَّ اختلاف البشر وتنوع الكائنات وطرق عيشها يقينا من الهلاك، وأنَّ الهدف المنشود لكلٍ منَّا قد يبدو غير مستساغ لغيرنا، هذه قصص الشعوب التي نلتُ قسطًا منها من صديقي مرجان المثير.
حسن الوقت ينفد، ألا تريد العودة؟
أتعلم يا مرجان أنني في كل مغامرة ورحلة أقضيها برفقتك، أتمنى أنَّ الوقت لا ينفد، وأنَّ الوقتَ يقف هنا ولا يتحرك، ولكنَّها الحياة لا تقف أمام رغباتنا وما نطمح إليه باستمرار، ولكن أتمنى ألَّا تفوتني رحلاتك العجيبة، كم أنت رائع.
كلماتك بدأت تكبر سنك يا حسن، وبدأ وعيك حول ما أنت به الآن يضع في قلبي الطمأنينة، سيذهب مرجان يومًا ما وستبقى رحلاته معك أثرًا طيبًا وخبرةً تحدِّثُ بها من تثق به ويقدِّرك.
هيا اقترب لقد انتهت الساعة… (الأسرار في الأشجار، رحلة عبر الزمان، دقَّ الماء بالعود، ربيعٌ أخضر يُرجع الموعود).
انتهت رحلتنا لهذا اليوم، اتجهتُ مسرعًا نحو غرفتي، كنتُ متعبًا، يبدو أن الأحداث في هذه الرحلة متعبة أكثر من الرحلات السابقة، لقد مشينا كثيرًا.
أخذتُ أرتِّبُ سريري كالعادة لأتهيأ لنومٍ عميق، عيناي تكادان تدخلان في بعضهما بعضًا من شدة النعاس، كان الطقسُ جميلًا، فتحت النافذة، كان الهواء عليلًا، ورائحة الزهور تداعبُ أنفي وتطربه بعبقها، إنَّه الربيع لقد حان وقته، الربيع! كأنني سمعتُ ذاك من صديقي مرجان، لقد تذكرت! لماذا قال كلمة الربيع في أثناء عودتنا على خلاف ما كنت أردد في الرحلات السابقة؟
يبدو أنَّ شيئا ما أراد مرجان قوله، ولكنِّي من شدة التعب لم أسأل لماذا أضاف كلمة الربيع في تلك الكلمات؟
لا بأس، سوف أسأله عن هذا الأمر في المرة القادمة، أشعرُ بالنعاس الآن ويجب أن أنام.
كان صوتُ الديك عاليًا في الصباح، فكان صحوي بسبب تكرار صياحه، أشعة الشمس الربيعية تتسلل من نافذة غرفتي ناشرةً الدفء والضياء، صباح جميل، يبدو أنَّ يومي سيكون رائعًا.
توجهتُ إلى الصالة لتناول الفطور كالعادة، كان الفطور على الطاولة ولكن لم أجد جدِّي وأمي هناك! أخذتُ أبحثُ عنهما في غرف البيت، وإذا بهما في غرفة جدِّي والحقائب حولهما.
جدِّي، أمي، ما الأمر؟ لماذا الحقائب هنا؟
بادرت أمي بالحديث: سنقوم يا بني بزيارة لثلاثة أيام إلى المدينة عند خالتك وداد، ألا يبدو هذا جيدًا يا حسن؟ ألم تشتق لابن خالتك أزاد؟
هيا أسرع، جهِّز حقيبتك وضع فيها ما يلزمك من ملابس، ولا تنسَ فرشاة أسنانك، السيارة ستصل بعد قليل.
شعرتُ بالصدمة حينها، كيف يفكر الكبار ويتخذون قراراتهم بسرعة، تذكرتُ صديقي مرجان، كيف أتركه في هذا البيت وحيدًا، كيف سأقضي ليلي بدون مغامراته المشوقة، ثلاثة أيام مدة طويلة، لا لا يجب أن أعتذر من أمي عن هذه الزيارة، وكيف أعتذر والسيارة التي سوف تُقلُّنا على وشك الوصول، لن يدعاني وحيدًا في هذا البيت.
بدأت الحيرة تظهر على ملامح وجهي من تلك الصدمة، حتى إنني ما زلت واقفًا أمام باب غرفتي، رآني جدِّي فقال: ما بالك يا حسن، ألم تسمع ما قالته لك أمك؟ هيا اذهب وأحضر حقيبتك؛ السيارة أصبحت أمام البيت. أسرع هيا.
جاءت أمي وبدأت تساعدني في ترتيب حقيبتي.
ما بالك يا بني؟ هل أنت على ما يرام؟
لا لا شيء يا أمي، يبدو أنني ما زلتُ ناعسًا.
هيا سأحضر لك شطيرةً من الجبن لتتناولها على الطريق ولتسد بها رمقك.
انطلقنا صوب المدينة، كان الطريق طويلًا والربيع يملأ جنبات الشارع على مد البصر، كان ما يدور في مخيلتي على طول الطريق رحلاتي الجميلة مع مرجان، وكيف استطاع أن يدخل عالمي الخاص، عالمي الذي يخلو من الأصدقاء، ولكن ما كان يسليني في تلك الرحلة أنني سوف أقابل صديقي وابن خالتي أزاد، سأخبره بأسراري مع مرجان ورحلاتي العجيبة.
استمرت الرحلة ما يقارب الثلاث ساعات، شعرتُ بالتعبِ والدوار حينها، كانت فرحة أزاد بقدومي لا تضاهيها فرحة، حيث لم نلتقِ منذ زمن طويل، كان العناق بيني وبينه قويًا لدرجة أنَّه قام بحملي وقفز من شدة سعادته. كنتُ جائعًا جدًا، كان أزاد يأكل وعيناه لم تفارقني من شدة فرحته.
هيا يا حسن نريد أن نتحدث ونلعب كثيرًا، فأنا أتوق لسماع أخبارك، هيا اتبعني إلى غرفتي.
كانت الفرصة سانحة لمشاركة أزاد مغامراتي وأسراري مع مرجان.
أزاد هل سمعتَ من قبل عن رحلة عبر الزمان؟
رحلةٌ عبر الزمان! وكيف يكون ذلك يا حسن؟
سأحدثك عن ذلك، لا تقلق. في داخل قبو بيتنا تعرفتُ على صديق ليس من عالمنا اسمه مرجان، طفلٌ عمره ألف عام جاء به فأس جدي من الغابة، واتخذته صديقًا، كان يقودني في كل ليلة لمغامرة ورحلة جديدة ليست من عالمنا هذا، شاهدتُ وتعرفتُ فيها على قصص شعوبٍ غريبة، كم كنت سعيدًا يا أزاد لتلك الرحلات، ولكني الآن أشعر بالحزن لتركي له وحيدًا في بيتنا.
يبدو أنَّ قصصه مثيرة، بالتأكيد سوف تخبرني عن كل تلك التفاصيل، ولا تقلق سوف تراه عندما تعود.
أخذتُ أحدِّث أزاد عن كل تلك التفاصيل التي عشتها مع مرجان، وشعور الفخر يلازمني. كان أزاد مندهشًا من كل ما سمع. استمرَّ ذلك لمدة ثلاثة أيام، في كل ليلة أحدثه عن رحلة، حتى انقضت تلك الأيام، وبدأت رحلة العودة.
كان فضول أزاد للتعرف على مرجان قويًا جدًا، فأقنع والديه لقضاء أسبوعٍ عندنا. اتجهنا نحو القرية برفقة صديقي وابن خالتي أزاد، كان ذلك يسلي وحدتي، وصلنا البيت بعد غروب الشمس، انطلقتُ مسرعًا وأزاد يتبعني إلى غرفتي، قمنا بترتيب أغراضنا وتناولنا العشاء حيث كان الوقتُ متأخرًا وموعدي مع مرجان يقترب ونبضات قلبي يلفُّها الخوف والقلق، لقد تأخرتُ كثيرًا، ثلاثة أيام كانت طويلة، لقد حان الوقت.
هيا يا أزاد لنذهب إلى مرجان.
فتحتُ باب القبو وأزاد خلفي.
مرجان، لقد عدتُ يا صديقي، لقد تأخرتُ عنك، ولكن ذلك لم يكن بإرادتي، اشتقتُ إليك وأريد أن أعرِّفك بابن خالتي أزاد.
لا أراك يا مرجان، وأين الغصن الذي كنت فيه؟ أين أنت؟ أين أنت يا صديقي؟ أين سرك الذي في الأشجار، أين أنت عبر الزمان؟
انظر يا حسن هناك لوحة خضراء.
دعني أرَ.
اقتربت من اللوحة وأخذتها، وإذا بها كلمات يعلوها اسم مرجان.
«صديقي حسن: جمعني بك القدر، وعشتُ معك ليالَ عبر الزمان لن أنساها ما حييت، أعلمُ أنَّ الفراق صعب ولكنَّ الربيع موعد عودتي إلى موطني حيثُ الغابات والحياة والنماء، حافظ على الأشجار واعلم أنَّها حيَّة كما أنت حي، واحتفظ بسري وحدِّث به الجديرين بالثقة».
بهذه الكلمات انتهت المغامرات الجريئة والمثيرة لطفلين من عالمين مختلفين، اختلط فيها الواقع بالخيال، وأنتجت لنا أدبًا لرحلات في تفاصيلها دروس وَعِبَر من الحياة.
جميل جداً ذوق راقي مليح
أشكر مرورك الراقي :)
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.