في الجزء السادس من رواية (ألوان السنغال)، ننتقل مع «خديم» من إقليم تامباكوندا وكيدوغو وسحر الأدغال إلى إقليم سان لوي وإقليم كولاك حيث ضفاف النهر، هناك في سان لوي المدينة التي عانقت التاريخ والطبيعة، تتلاقى الأرواح القديمة باللحظة الراهنة، وتبدأ الحواس بالإنصات إلى موسيقى مختلفة، ثم إلى كولاك، حيث تتحد الأرض والناس في إيقاع من العمل والرضا، ويصبح الفن وسيلة لفهم الحياة لا لتصويرها فقط، في هذين الإقليمين تتجلّى حكمة الزمان وتواضع الإنسان، ، لوحة أدبية تجمع بين الفن والتاريخ والحكمة الشعبية.
الجزء السادس: سحر النهر ووداعة الأرض «إقليم سان لوي وإقليم كولاك»
بعد مغامراته العميقة في شرق السنغال، اقتفى أثر الشمس نحو الشمال الغربي، متجهًا صوب إقليم سان لوي، مهد المدينة التاريخية التي احتضنت أول عاصمة للسنغال الفرنسية.
هنا، حيث يُعانق نهر السنغال العظيم الأطلسي اللامتناهي، شعر بأرواح الأزمان الغابرة تتنفس في الهواء، وأن أصداء التاريخ العتيق تتهادى على نسماته، في توليفة ساحرة من الثقافات الأوروبية والإفريقية.
تُعد سان لوي مدينةً ترنو نحو الأفق بأبنيتها ذات السمات المعمارية المتفردة، وتشتهر بمهرجاناتها الموسيقية التي تصدح بأصوات الفرح والذكرى، وبتاريخها الخصيب كمركز تجاري وثقافي.
في سان لوي، المدينة القديمة التي تتيه أزقتها المتعرجة بين أحضان بيوت كولونيالية عتيقة، كأنها شرايين زمن توقّف نبضه عند كل حجر مرصوف.
هناك، عانق شعورًا عميقًا بالعودة قرونًا إلى الوراء.
زار جسر فيديرب الشهير الذي يمد جسرًا بين المدينة والبر الرئيس، كونه شريان حياة ينبض بالحكايات، وأصغى إلى قصص الملاحين والصيادين الذين نقشوا تاريخهم على صفحات هذا النهر.
التقى بـ«موسى الجريوت»، حارس الذاكرة وموسيقي الروح الذي كان يجلس على ضفاف النهر يعزف على «الكورا» الإفريقية، فتنساب أوتارها سحرًا يداعب الأرواح، ويغني قصص الملوك القدامى والأبطال الشعبيين بصوتٍ شجيٍّ يوقظ الركام.
كان صوت موسى نبضًا متدفقًا من أعماق القرون، يحمل في نغماته العميقة صدى السنغال وتوهّج روحها، كأنها قصيدة أزلية تتراقص على أوتار الكون.
قال له موسى بحكمة الفنان الذي يرى ما وراء الستار: «القصة يا بني، ليست حكايات تُروى فحسب، بل هي أنفاس تتنفس في أرواح البشر، خيوط ذهبية تنسج نسيجًا يربطهم بأزلهم وفجرهم، وتكشف لهم عن غدٍ لم يولد بعد. الحكمة الحقيقية لا تكمن في معرفة كل شيء، بل في الغوص عميقًا في بحر قصص الآخرين، وفي إدراك أن كل إنسان كونٌ من الأسرار، كتابٌ مفتوح ينتظر من يقرأه بقلبٍ واعٍ».
من موسى الجريوت، أدرك أن الموسيقى هي لغة الكون التي تتجاوز حواجز الألسنة والثقافات، وأن الفن يمكن أن يكون نهرًا جاريًا يحفظ التراث وينقله من جيل إلى جيل، وجسرًا يصل القلوب المتباعدة.
انغمس في رسم الوجوه التي تُخط عليها الأيام قصصًا لا تُحصى، والمناظر الطبيعية التي تجمع بين سحر النهر الهادئ ووقار المدينة القديمة. فشعر بأن لوحاته قد ترنمت بالألوان، وتراقصت بالخطوط، لترسم سمفونية بصرية تظهر إيقاع الحياة في سان لوي، وتناغم الماضي والحاضر، كأنها أغنية روح المدينة الخالدة.
بعد سان لوي، مضى في رحلته نحو إقليم كولاك، وهو إقليم جديد نسبيًا تم فصله عن فاتيك وكاولاك، ويشتهر بتنوعه الجغرافي، من السهول الخصبة التي تفيض بالخضرة إلى المناطق الشاطئية الهادئة التي تُعانق زرقة الأفق، كانت هذه المحطة هي الأقرب إلى نهاية الرحلة، لكنها كانت مملوءة بالدلالات والدروس التي حُفرت في الروح.
يُعرف إقليم كولاك بتنوعه الزراعي والاقتصادي، ويمثل نموذجًا حيًّا للتعايش السلمي بين مختلف المجموعات العرقية، كفسيفساء بشرية تتجلى فيها أبهى صور الانسجام.
في كولاك، زار قرية صغيرة تقع على أطراف سهول الفول السوداني الواسعة التي تمتد على مدّ البصر كبساط أخضر لا نهاية له. هنا، التقى «الحاجة أمينة» امرأة نقشت التجاعيد على وجهها خريطة من الصبر والعطاء والتفاني في خدمة الأرض.
كانت الحاجة أمينة تعمل بلا كلل تحت أشعة الشمس الحارقة، لكن وجهها كان يشع بالرضا والبهجة والسلام الداخلي، كشمس لا تغيب.
قالت له بصوتٍ يملؤه العزم ويهمس بالحكمة: «الأرض يا بني قلبٌ نابضٌ بالعطاء، تمنح بفيضٍ لا ينقطع لمن يزرعها بروح الإخلاص والمحبة. الحياة، مثل حرث الأرض، كل بذرة جهد تزرعها اليوم، تجني ثمارها غدًا بسنابل من التوفيق والبركة. والعطاء...».
من الحاجة أمينة، تعلَّم أن السعادة الحقيقية تتفتّح في بساطة العيش، وفي العطاء بلا انتظار مقابل، وفي تقدير قيمة العمل اليدوي الشريف الذي يغذي الروح والجسد.
رسم وجوه المزارعين المتعبين لكنهم شامخون كالسنابل، وحقول الفول السوداني الممتدة كلوحة فنية خضراء، والنساء اللواتي يحملن المحاصيل على رؤوسهن بكرامة واعتزاز، كأنهن يحملن مجد الأرض على أكتافهن.
أدرك أن ألوانه قد اكتسبت دفئًا جديدًا ينساب من أعماق القلب، تظهر دفء القلوب التي قابلها في كولاك، والطيبة المتأصلة في روح الشعب السنغالي بِرُمَّته، وتلك الطيبة تجلت في كل إقليم زاره، كأنها شعاع نور يضيء دربه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.