عندما تأملتُ في كل كاتبة تحدثت عنها «نورا ناجي» في كتابها «الكاتبات والوحدة»، وقفتُ أمامهن كما لو كنتُ أتأمل نظراتهن، أتأمل تلك الأرواح التي رحلت، وداخل كل واحدة منها حكايتها، وما مرت به في حياتها.
داخل كل روح توجد حكاية، شعرتُ بأنني أجد نفسي أقف لحظات قبل أن أكمل قراءتي، وأتحدث إلى نفسي قائلة: نعم، هذا ما شعرت به، في ألم الفقد، ومراحل انعدام الأمان.
اقرأ أيضًا 8 طرق لتجنب العزلة والشعور بالوحدة
الوحدة صديقة الكتابة
أجد نفسي في عنايات الزيات وفرجينيا وولف اللتين عانتا من ألم الفقد، وأنا ما زلتُ أحاولُ الاندماج في هذا الألم، لأجد نفسي أقول عباراتهن: «لو استطعتُ أن ألغي ذاتي، وأولد في مكان آخر وزمان آخر، زمان آخر.. زمان آخر.. ربما وُلدت في الزمان الخطأ».
كانت الوحدة سببًا في نجاح كتاباتهن المميزة، كتحدٍ لهذا العالم، الذي كان متخاذلًا لروحهن المرهفة، التي وجدت النقد أو الخذلان أو عدم التقبل.
كانت الورقة والقلم وسيلة الاعتراض التي قدمتاها للعالم، مثلما فعلت «نوال السعداوي» عندما استخدمت قلم الكحل وورق الحمام لتكتب في سجنها، وكذلك فعلت «فاليري سولاناس» لتعترض على هذا العالم عندما ماتت أمام هجوم الصحافة عليها.
أمام كل هذه البشاعة في العالم، وجدت بعض الكاتبات أنفسهن ينتحرن أو يدخلن المستشفيات النفسية، فلم تقو حساسيتهن على تحمل هذا العالم الكئيب بالنسبة لهن.
آلمني مصير الكاتبة الرائعة مي زيادة، التي لم يعترف العالم بكتاباتها وفضل الحديث عن قصص حبها، وقصص الذين عاشت معهم، والانتباه لأعمالها الأدبية، لكن أين كانوا عندما كتبوا على قبرها: هنا الأديبة مي زيادة.
كنت مثل الكاتبة «نورا ناجي»، أجد نفسي أحيانًا مفقودة في معاناتهن، لأجد نفسي أقتبس منهن هذا الجزء: «في وقت من الأوقات تمنيت ارتداء نقابٍ أسود يعزلني عمن حولي».
اقرأ أيضًا ما هي الوحدة؟
الخوف من الفقد
هذا ما عاشته فاليري سولاناس، التي مرت بطفولة مؤلمة، فقد تعرضت لاعتداء جنسي من والدها، وتعنيف من جدها.
كيف يمكن لشخصية مثلها أن تجتاز حياة سهلة أو تعيش حياة عادية؟
كانت جريئة في كتابة «بيان الحثالة»، فقد حققت هذه القصة نجاحًا كبيرًا في مجتمع النسوية، وذلك بعد أن تجاهلها الفنان «آندي وارهول».
ووصلت لها رسالة منه يخبرها بفقدانه لنسختها من المسرحية التي قدمتها، واقترح عليها تعويضها بمبلغ 25 دولارًا فقط.
كيف يمكن لفاليري أن تتقبل العالم الذي ينكر موهبتها في الكتابة، ويطلق عليها لقب «ممثلة» في الصحافة، بعد إصرار من الشرطة والصحافة، لا سيما بعد أن أطلقت النار على «وارهول» نتيجة لتجاهلها واستخفافه بها.
لكن هل الانتحار نتيجة لحظية أم بعد وقت من التفكير؟ حقًا لا أعلم، لكن ما أشعر به هو أن الكاتبات مثل: «أروى صالح» و«فرجينيا ولف» و«عنايات الزيات»، واجهن مشاعر الفقد وانعدام الإحساس، يتبعها مشاعر الخوف التي تنبعث منها تلك التجارب.
قد يكون خوفًا من فقدان شخص ما أو فقدان فكرة أو هدف، الشعور بالفقد هو ما يدفعهن نحو تلك المرحلة، الخوف من اللحظة التالية للفقد، يمثل محركًا للانتقال نحو مرحلة الانتحار.
رغم اختلاف النهايات، فإن الوحدة والحياة القاسية كانت دافعًا لهن لاختيار الورقة والقلم وسيلة للاعتراض على تلك الحياة الصعبة التي مروا بها.
شكرًا لـ«نورا ناجي» على هذا الكتاب، الذي أدخلني في عوالم تلك الكاتبات، فإني أحاول أحيانًا الهروب من واقعي لأجد نفسي تعيش حياة تلك الكاتبات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.