الكتابة الأدبية مرآةً عاكسةً لأعماق النفس البشرية وتقلباتها بين الرجاء واليأس، في هذه النصوص المختارة، نغوص في رحلة وجدانية ثلاثية الأبعاد؛ تبدأ بدعوة صريحة للانعتاق من قيود الماضي واستلهام الطاقة الإيجابية من الطبيعة والإيمان، مرورًا بلحظة تجلٍّ وفرح غامر يعيد ترميم الروح بعد سنوات العجاف، وصولًا إلى الاصطدام المؤلم بواقع الحروب والخذلان.
يقدم هذا المحتوى معالجة أدبية سيكولوجية وفلسفية لمفاهيم الحرية النفسية، والصدمة الجماعية، والبحث عن الخلاص الإلهي في زمن العجز، ما يجعله مادة دسمة للباحثين عن الكلمة الصادقة والمعنى العميق.
اخرج من شرنقتك القديمة سيدي
مزِّق قيودك
حرِّر روحك من صهد النتوءات
ومن ضمة الجسد المتوشح بغلالة الأكفان
وانطلق في فضاءات الله الواسعة
استيقظ مع العصافير
كي تشهد رزق الله
يزغرد في البطون
وفي الحواصل
وكي تبارك ولادة الشمس من جديد
وكي تعطر قلبك بأريج البراءة والأمل
وإياك أن تلتفت للماضي البغيض
وللذكريات المرة
وللجرح
وللقرح
وللريح التي تصفر في قلبك
وللوسواس الذي ينشب مخالبه في هدأة نفسك
في جدار روحك
فالعمر قصير جدًا
والخطى ظل في درب طويل
فكن في كل أمرك بصيرًا
عش الحياة بحلوها
ومُرِّها
واعلم بأنك في كنف الله
وتحت ستره
أبدًا لن تضام
2
ثمة حريق هائل في الأفق
وثمة أغنية تدور في فلك الغسق
الآن فقط
قلبي يفك قيده
يركض
بين الضلوع
الآن فقط
تجف من عيني الدموع
الآن فقط
نبضي يسبق خطوي
ظلي
وأسارير وجهي
تطلق زغرودة في الفضاء
لكي تعلن عن بشارة قادمة
من طين وماء
الآن فقط أهز جذوع النخيل
كي يشتعل المدى بالضياء
ببكاء الأنبياء
بسر أسرار القديسين
ببوح الأرض
لتراتيل السماء
النهر يسير خلفي
وأنا أرمم جراحًا سابحات في جسد الروح
منذ آلاف السنين
حين كان وجهي طفوليًا
يحمل القمر في يمينه
والشمس في يساره
وحين كان للمروءة بئر
لا ينضب منه الماء
وجهي ما زال يحتفظ بكثير من النكات الطازجة
في صندوق الذكريات
الآن فقط سأفتحها
ولن أخجل من تبرج شفتيَّ بالضحك
بعد سبعين عامًا
من مواسم الجفاف
والعطش
3
ما بين الخوف والخوف
والصمت والصمت
يولد الموت
والقصيدة الكسيحة
العاجزة عن البوح
كل الكلام هش
كل القصائد فرس رهان خاسر
كل الآهات
الأنات
الدعوات
عصا خشبية تلتهمها ثعابين الغدر
وأزيز الطائرات الذي يزرع الأرض
بسنابل الدم
والأعضاء المبتورة
والركض إلى الخلف
السماء ضجَّت
بكت
من كثرة الدموع
الدعاء
ومن صهيل الخيول التي غاصت أقدامها
في رمل الدهشة
والعجز
وهي تنتظر طيورًا أبابيل
كي تحررنا من عجزنا الإنساني
بأي وجه سنلقاك يا رب؟
وكل الوجوه ملطخة بدماء العار
تتراوح هذه النصوص بين ذاتية الخلاص وشمولية الوجع، مقدمةً وصفًا دقيقًا لحالة الإنسان المعاصر. إنها دعوة للتوازن بين الأمل الشخصي في رحمة الله، وبين تحمل المسؤولية الأخلاقية تجاه قضايا الأمة.
إن دماء العار التي خُتم بها النص تترك القارئ أمام تساؤل وجودي عميق حول دوره في هذا العالم، مؤكدة أن الكلمة الصادقة -وإن بدت كسيحة- تظل وثيقة تاريخية وشاهدًا على العصر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.