فجأة ودون سابق إنذار يخرج من قصره الضيق إلى السجن الكبير، فيبدأ بالصراخ، يظن أنه بصراخه يستطيع العودة، لكن دون جدوى، ويستسلم لواقعه الجديد.
سوف أبدأ مرحلة جديدة، تمر الأيام، ويأتي ليل ويعقبه نهار، ومع مرور الأيام بدأ يتكيف مع حياته الجديدة، لقد ظهرت أول ابتسامة على وجهه، لقد كانت مشرقة جميلة ملائكية، ولكن الحياة التي بدأ فيها ليست كتلك الحياة، وبدأ يخلط حزنه ودموعه بفرحه وابتسامته، وهكذا بدأ ينسى ذلك القصر الذي خرج منه وأصبح جزءاً من حياته الجديدة، فيحبها ويعيش في عالمه الخاص، عالمه الملائكي، ولا يدرك ما يحدث حوله من أحزان وآلام، ويقول في نفسه: لقد أسأت الظن، لن أحن إلى الماضي، هنا عالم جميل ورائع، وتمر الشهور والسنين، تغمره السعادة ويملأ قلبه الفرح، وبدأ يختلط بمن حوله، وبمن هم أكبر منه ويعتريه الفضول ويقول في نفسه:
- لماذا هذا أكبر مني؟ لا لن أظل في مكاني.
فيقول له:
- أريد أن أكبر، أريد أن أكون مثلك.
عندما أسال والدي بعض الأسئلة يقولون لي:
- سوف تعرف عندما تكبر.
- قولي متى سأكون مثلك؟ متى سأكبر؟
فيرد عليه:
- لا تتمنى ذلك، ستندم عندما تكبر، وستعاني وستتألم.
فيقول له:
- لا عليك، لقد قلت ذلك سابقاً عندما كنت في قصري، ولكن الأمر تغير، وأصبحت أحسن حالاً، فأنت لا عليك، أخبرني فقط..
فيخبره أنه لم يعد هناك وقت كثير، لقد أصبحت قريباً جداً من يومك الذي تنشده.
فيرد عليه:
- إنني أنتظره بفارغ الصبر، لقد بدأت للتو بالتفكير فيه، لن أظل في مكاني إلى الأبد، سوف أكبر، يجب أن ألحق بالآخرين، يجب أن أكون مثلهم، أريد أن أستمتع بالحياة أكثر، وصديقه يقول في نفسه:
- لا يدري هذا المسكين أن حياته الملائكية ستنتهي للتو.
وبدأت المرحلة التي كان ينشدها، وسوف تكون مليئة بالمغامرات التي لم يكن يدركها.
نعم بدأت حياته الجديدة، ويحاول الاندماج معها، لكن يرى تغيرات جذرية عاطفية وسيكولوجية، ويخيل إليه أنه ذلك الشخص المنشود، ولا يوجد أحد غيره في هذا العالم، ويقول: نعم، أنا هو ذلك الشخص الجميل، القوي، الذكي، لا يوجد سواي.
وتمر الأيام بسرعة هائلة، وتنفتح أمامه أبواب، وتغلق أخرى، فتضطرب حياته، ومعها تضطرب مشاعره وسلوكه، بل وفي بعض الأحيان معتقداته، فترة يؤمن بنظرية ويتشبث بها، ويكفر بأخرى، وسرعان ما تتغير وجهة نظره مرة أخرى، فلا يهدأ له بال ولا يستقر له قرار، ويظل على ذلك برهة من الزمن.
ويدرك التعب والشقاء الذي حذره منه صديقه، ويتمنى لو ترجع به السنون والأيام ليظل في ذلك العالم، ويحرقه الحنين، ليتني أرجع، أرجع إلى عالمي الخاص، إلى طفولتي، ليتني لم أدرك ما يجري حولي.
نعم، هو اليوم لا يريد أن يرى الوجوه المقنعة، ولا التصنع، ولا الحب الزائف، ويقول في نفسه: لقد تعمقت في علاقاتي، لقد أحببت بصدق، لقد كان حبي نابعاً من قلبي، لقد كنت طيباً مع كل الناس.
- آه، ليت الحياة تتوقف، آه، ليت الزمن يتوقف، لا أريد أن أرى المزيد، ولا أريد أن أعرف أكثر، لقد تألمت كثيراً، يكفيني ما شاهدته، لقد هدّت أركاني، وأرقت نومي، وآلمت فؤادي، وأحرقت سويداء قلبي، لقد نقشت في قلبي جراحاً لن تتعافى إلا بتوقف الزمن، سوف أتألم أكثر، توقفي أيتها الحياة.. توقف أيها الزمن...
دون جدوى أصرخ، دون جدوى أتألم، لا أحد يسمع ندائي، ولا يشعر بأحزاني، ومع ذلك تمر الأيام وتمر السنوات وتمر الأحزان...
أيها الأيام مري أو لا تمري، لن تعودي كما كنتِ..
بعد اليوم لن تعني لي شيئاً..
كل شيء لم يعد على ما يرام...
ولكنه يقول هذا الكلام وهو في أعتاب مرحلة أخرى قادمة وبدأ الأمل يدب في قلبه ويقول: لقد أضعت الكثير.
ويبدأ بنسج خيوط أخرى، نعم، لدي فرصة أخرى، وستكون هي فرصتي الأخيرة، سوف أستغل كل يوم، وكل ساعة، وكل لحظة فيها، سوف أغير اتجاهاتي، لن أتعامل بمشاعري ولا بعواطفي، يكفي حنين إلى الماضي، لن يعود الماضي مرةً أخرى، وسوف أعيش واقعي.
اليوم أدركت حقيقة الحياة، كل شيء يتغير ويتبدل، وكل مراحل الحياة كذلك.
لن أظل في أحلامي، ولن أظل في نومي، لقد كانت تلك المراحل في الحياة قدراً لن يستطيع أحد تغييره، ولكن كان باستطاعتي مواكبة تلك التغيرات وكذلك التأثير فيها.
نعم لست الوحيد في هذا الطريق، قيمة الحياة ليست في مراحلها فقط، ولكنها في كل لحظة من لحظاتها، كل يوم يمضي فهذا يعني أننا فقدنا جزءاً منا...
نعم، لقد فقدنا الكثير، ولكن ما زال الطريق أمامنا، لن نجعلها تمر عبثاً..
يجب أن نكون المؤثرين فيها، ولا نجعلها تؤثر فينا إلا فيما يساعدنا، وإذا ما أثرت فينا فعلينا أن نستقبلها بوجوه مشرقة، وقلوب مطمئنة، وستكون أيامنا تلك هي أفضل الأيام حتى لو سارت بنا رحلة الحياة إلى نهايتها....
احتاج الى التواصل مع الكاتب
كيف يمكنني دلك ؟
جنه ميرة
هذا بريدي الالكتروني للتوصل
zkryaalsbayy@gmail.com
وهذا رقم هاتفي
00967772454304
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.