كلنا يعرف المثلَ الشائع: «رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة». ومع أنها تبدو جملةً تحفيزية، فإنها لا تقوى، في أحيانٍ كثيرة، على إنهاضك من الفراش.
لا أحدَ يعرف كم هي ثقيلةٌ تلك الخطوة التي يدعونك إلى اتخاذها. إن فيلًا رابضًا أمام بيتك، جاثيًا على قوائمه الأربعة، يُغلق عليك بابَ بيتك؛ فكيف تخطو هذه الخطوة؟ ثم هب أنك خطوتها، فما الذي سيتغير في حياتك؟ وما تصنع خطوةٌ واحدة في طريقٍ من ألف ميل؟ إن بينك وبين ما تصبو إليه مفاوزَ شاسعةً، وأميالًا لاحبةً، تتقطَّع دونها أعناقُ الإبل، وتضيع فيها خطى السائرين.
لستَ كسولًا بل أنتَ مستنزف بالكلية
أنا لستُ هنا لأخفف عنك وأُميط اللوم عن كاهليك، ولا لأخلِّيك من المسؤولية. وعلى الجانب الآخر، فلستُ أحاول إحباطك وتثبيط عزمك، بكل تأكيد. ولكني أود، ابتداءً، أن تعلم أني أشعر بما تشعر؛ فإن شخصًا يدعو مشلولًا للنهوض لا يدري ما يقول. والذي يود أن يُحرِّك سيارةً لا تحتوي على قطرة وقود واحدة سيفشل، لا محالة. وهذه هي المشكلة التي لا يشعر بها من يسدي إليك النصيحة؛ فهو لا يدري أنك مُنهَكٌ تمامًا، مُجدِبٌ من الطاقة، وصفرٌ من القوة المحركة، كأرضٍ استُنزفت خصوبتُها، فلم تعد تُنبت ولو أُلقي فيها البذر.
فهذه هي النقطة المحورية في مقالنا: أنت لستَ مطالبًا بأن تخطو خطوة، بل بأن تدفع فيلًا ضخمًا من طريقك. والسبب ليس في صعوبة اتخاذ خطوة، وإنما في كونك مستنزفًا بالكلية. إن خطوةً بشريةً، في قانون النمل، تعني مسافةً طويلةً جدًا، بكل تأكيد. فإن كان لديك مخزونٌ نفسي من الرغبة في السعي يدنو عن مخزون نملة على التحرك لبضع سنتيمترات، فيا لها من رحلةٍ شاقةٍ لا تنبعث لها النفس، ولا يستجيب لها الجسد.
ومرةً أخرى أقول: إني لم أكتب هذا المقال لكي أهدهد مشاعرك، وأخبرك أنك تحتاج إلى البدء بما هو أقل من خطوة. على كل حال، فإن الذي يسبق ذلك مباشرةً هو السكون التام، وعدم التحرك أصلًا. وهذه نصيحة تصلح في حالة واحدة فقط، وهي أن تكون بلا أهدافٍ مطلقًا؛ وعندئذٍ فلن يضيرك أن تهرول أو أن تجثو على ركبتيك.
أما وأنت ترجو أن تقطع ما هو أكثر من ألف ميل، بكثيرٍ جدًا، فإن الذي يلائمك هو أن تُعيد شحن نفسك من جديد، وتسترد نبض الإرادة قبل أن تستأنف السير.
البطارية الفارغة لا تعمل
هب أنك أفرغتَ بطارية جوالك من الشحن تمامًا، وبدلًا من وضعها على الشاحن، طفقتَ تناجي هاتفك قائلًا: أيها الجوال الجميل، انهض لبضع دقائق فقط، فلن يكلفك الأمر أكثر من ذلك. فهل تتخيل أن يستجيب الهاتف ويستأنف العمل ريثما تتمكن من إنهاء مهمتك؟ قطعًا، مستحيل.
فلماذا تُطالب نفسك، التي أنهكتها بالمسير، أن تتحرك خطوةً واحدة، وهي فارغة تمامًا من الطاقة المحركة؟ والأكثر من ذلك، أن تطالبها بمقاومة فيلٍ ضخمٍ يمنع مسيرها. هل تتوقع أن يؤدي ذلك إلى شيءٍ خاليًا من مزيدٍ من الاستنزاف لها، وإمعانٍ في إنهاكها؟

لقد أنهكتَ نفسك حين وضعتَ لها أهدافًا غير منطقية، وأنهكتها حين آمنتَ أن العطب فيك، وليس في تلك الأثقال الكثيرة التي حملتها فوق ظهرك «دون أن تكون محتاجًا إلى ذلك أصلًا». نعم، لقد استنزفت طاقة نفسك من حيث لا تشعر. ثم جعلتَ تراودها على الركض، وهي تزحف. «فكنتَ كمن يقهر رضيعًا على الجري، وهو لا يستطيع إلا أن يحبو».
طلبتَ منها الطيران، وقد أَهضتَ جناحيها بما حملتها من أوزارٍ كانت في غنى عنها. وناشدتها معانقة الثريا، وهي في أدنى الأرض. ثم لما تململتَ من تلك الحمولة، جعلتَ تجلدها بسياطٍ قاسيةٍ من التثريب واللوم، كأنها الجانية لا المجنيُّ عليها. وما كانت إلا صادقةً مع حدودها، منطلقةً، ولكن بقدرها، ساعيةً – لا كسولةً – ولكن في إطار إمكاناتها.
ولو أردتَ الإحسان لنفسك، لنظرتَ إليها مجردةً من رداء المثالية الزائف، ولخلعتَ عن عينيك نظارة الكمال الكاذب، تلك التي تنظر من خلالها إلى تلك النفس المسكينة.
إن النظر إلى الطعام الذي نأكله بعدساتٍ مكبرة كفيلٌ بأن نمتنع عن تناوله؛ لأننا، في هذه الحالة، سوف نرى ما يحتويه الطعام من الميكروبات والجراثيم والأشياء المقززة. وهذا هو، ببساطة، ما نفعله مع أنفسنا حين نرقبها من مجهرٍ ثاقبٍ يُضخِّم الزلات ويُعظِّم النقائص والعيوب، حتى تبدو الهفوة خطيئةً، والعثرة سقوطًا مدويًا.
ولو تخلصتَ من عدسات المثالية هذه، لعلمتَ أن المشكلة ليست في ضعف نفسك، وإنما في تجاهلك قوانين الحركة. ببساطة: لن يتحرك شيءٌ بلا دافعٍ يمتلك قوةً أكبر من قوة السكون. ولن تنهض روحٌ بلا غذاءٍ ووقود. ولن تنطلق رحلةٌ قبل أن تُماط عن طريقها كل العوائق.
لطالما أزمعتَ في نفسك أن المشكلة هي في اتخاذ الخطوة الأولى، في حين أنك لن ترى هذه الخطوة أصلًا حتى يتحرك الفيل من أمام البيت، ويُفسَح الطريق أمام قدميك.
الفراشة لا تطير إلا حين تُبصر النور
والآن دعنا نبحث عن مخرج. ألا يمكن أن يكون هذا الفيل مجرد شبحٍ لا حقيقةَ له؟
كثيرٌ من تلك الفِيَلَةِ التي تعترض طريقَنا ليست فيلةً حقيقيةً. هذه هي الحقيقة التي آن لك أن تواجهها وتعترف بها. فهي لم تكن كائناتٍ واقعيةً من لحمٍ ودم، ولا حتى جماداتٍ ثقيلةً من أحجارٍ وطوب، بل هي أشباحٌ محضةٌ لا حقيقةَ لها إلا في داخل النفس؛ تراكماتٌ من ماضٍ انقضى زمانه، أو مخاوفُ من مستقبلٍ لم يأتِ أوانُه.
خوفٌ من تكرار إخفاق، لا لأنك ستفشل حتمًا في المستقبل، ولكن لأنك تخشى أن تتجرع مرارةَ الفشل مرةً أخرى. مقارنةٌ غير عادلةٍ تأبى إلا أن تضع نفسَك فيها. ذنبٌ لم يُغفر -أو هكذا يتراءى لك- «مع أن الله يغفر الذنوب جميعًا». أحلامٌ كبيرة، ولكن دون إطار الأهداف الذكية «SMART Goals».
إنك، عند التأمل، ستكتشف لا محالة أن هذه الفيلة لم تكن إلا من نسج خيالك وصنيعةَ أفكارك، ومع ذلك فقد صار كل واحدٍ منها يزن أطنانًا في صدرك. ولو أمعنتَ النظر في هذا الفيل الهلامي، لعلمتَ أن ضخامته لا تنبع إلا من تحجرك في مكانك، وأنه يكتسب قوته من ضعفك أنت، ويقف حائلًا فقط عندما تتوقف عن الفعل والحركة. وأقسم لك أنك لو فتحت الباب وخطوت إلى الأمام، فلن تجد حتى نملةً قابعةً هناك، فضلًا عن فيلٍ كبير.
والآن، وحتى لو ظللتَ متشبثًا بهذا المعتقد الواهي، وأن الذي يسد طريقك هو فيلٌ عظيم، فلا عليك؛ فليس مطلوبًا منك أن تدفعه مرةً واحدةً، ولا أن تشتبك معه، بل ولا حتى أن تفرَّ منه. هل أدلك على خيرٍ من ذلك؟ قُم بإضاءة سراجك فقط. فالظلام هو البيئة المُثلى لتعظيم المخاوف، وحين يسطع النور، تنقشع الظلمات، وتهرب الأشباح، ويهون عندك ما ظننته مُحالًا. كن صادقًا مع نفسك هذه المرة. إن أبيتَ إلا أن ترى تلك الفيلة المخيفة في طريقك، فانطلق نحوها، وسوف تولي منك فرارًا.
إن الخروج من الشرنقة يعني، ببساطة، أن تتوقف عن النظر مشدوهًا إلى عِظَمِ الجدار الذي صُنعت منه الشرنقة، ولكن «فقط» أن تفعل شيئًا واحدًا لتحطيم هذا الجدار. فالفراشة، كي تطير، لا تفكر مطلقًا في صلابة الشرنقة، ولكنها تفعل شيئًا واحدًا، شيئًا واحدًا فقط: أن تفرز الإنزيمات التي تؤدي دورها في هضم الجدار. ولو كان للفراشة نفسٌ كأنفسنا -تُضخِّم المخاوف، وتتردد طويلًا قبل اتخاذ قرار المواجهة- لما استطاعت أن تطير أبدًا.
عندما تُسديك نفسك ألفَ مبررٍ لعدم الانطلاق، فليس مطلوبًا منك أن تحلل هذه المبررات، بل أن تنطلق. نعم، توقف عن الاستماع إلى هذه الهواجس، وافعل شيئًا واحدًا.
أَعِد شحنَ نفسك
إذا كنا قد اتفقنا أنه قد جرى استنزافنا دون أن نشعر، فإن الخطوة التالية هي أن نستعيد شحن أنفسنا. ولكن عليك أن تعلم أن إعادة الشحن لا تعني الكسل، بل تعني الفهم. فلقد أخبرتك منذ قليل أنه ينبغي أن تكف عن الاستماع إلى صوت نفسك المُثبِّط، وأن تفعل شيئًا واحدًا. وليكن هذا الشيء هو إعادة شحن نفسك؛ فهو بمنزلة الزاد في الرحلة. لن تتوقف هذه المرة لتنسحب – فقد قررت أن تخوض الرحلة – ولكن لتتزود.
فكل ما عليك في هذه الخطوة هو تخفيف الأحمال التي تدعوك إلى عدم النهوض، وأن تتساءل عما تريد تحقيقه، لا عما تخاف من فواته. فإن النفس تتغذى على التفكير السلبي. نعم، لو تركت لنفسك اللجام، فسوف تسحبك -من حيث لا تشعر- إلى النقطة التي كانت السبب في توقفك حتى الآن. فعوضًا عن أن يزودك التفكير فيما ترغبه بمزيد من العزم على السير، فإن التفكير فيما تخشى حدوثه سوف يسحب طاقتك إلى الأسفل مرةً أخرى.
عندما تبتغي تحقيق الصحة المثالية، فإن التفكير في أضرار التدخين لن يزيدك إلا تمسكًا به. وعندما يكون الثراء من أهدافك، فإن التركيز على مساوئ الفقر لن يقربك من الغنى، بقدر ما سيغرقك في مزيدٍ من الفقر.
وحين ينشحذ عزمك قليلًا، فإن الفيلة لن تذوب من مخيلتك فجأةً، ولكنها ستصبح قابلةً للمراوغة، على أقل تقدير. وهذا يكفي في البداية. ستُبصر حولها فُرَجًا لم تكن تُبصرها من قبل. وحسبك أن تمر من إحدى هذه الفتحات «إلا أن تكون سمينًا جدًا». حتى إذا مررت سالمًا، نظرتَ إلى الوراء، فإذا بتلك الأفكار القديمة لا وجود لها، وما عدت ترى حتى تلك الأشباح المرعبة؛ لقد اختفت أيضًا ظلالها. عندئذٍ تكون قد خطوت بالفعل خطواتٍ حقيقيةً، لا كتلك التي يلوكها بلسان السخرية الثقيلة من لا يشعر بآلام من أنهكه الجمود.
رحلة الألف ميل لا تبدأ بخطوة
تبدأ الرحلة حين تكف عن جلد نفسك لأنك لم تخطُ بعد، وتتهمها بالعجز لأنك أخطأتَ تصورَ الواقع. إنها تبدأ حين تفهم أن التخلص من العوائق لا بد أن يسبق التحرك، وأن إعادة الشحن تسبق السعي، وأنك لم تكن ضعيفًا ولا كسولًا، وإنما كنت تجتهد، ولكن في السبيل الخاطئ. لقد كنتَ تحاول المشي، وفي طريقك فيل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.