هي بلاد مغرب الجنوب الشرقي، ليس بعدها إلا دولة الجزائر، وعند الحدود الفاصلة بينهما وجود لجهاز الأمن الخارجي، وهو كتيبة عسكرية مغربية دائمة في غالب الظن.
ولهذه الأراضي الممتدة في ذلك الاتجاه الجغرافي تاريخها، ومناخها، وطقسها اليومي، وصخورها، ولقاياها الإحاثية، والأثرية، وتربتها، وغطاؤها النباتي، وقبائلها البشرية، وساكنوها، وزراعاتها، وريُّها، ومواشيها، وقصورها المتميزة في بنائها، ومدنها، وأسواقها، ونظامها الاجتماعي.
لا يزال أهلها يتكيفون -في إطار ما يُسمى بالحتمية الطبيعية- مع ظروفها الطبيعية، التي تقسو عليهم لعشرات السنين، فيأتي إليهم الجفاف بتأثيره المباشر، وللتخفيف منه كانت قد شُيدت قنوات قديمًا وحديثًا، يجري فيها ماء حُجِز في سد حديث لسقي واحاتها، بُني على عالية نهر (زيز)، إلى الشمال من مدينة (الراشيدية)، اسمه (سد الحسن الداخل)، يُؤرخ تاريخه في سنة واحد وسبعين بعد المائة التاسعة بعد الألف (1971م).
استكشاف جنوب المغرب الشرقي
قمت برحلة إلى هذه البلاد، فكيف أتتني فكرة القيام بذلك، ومنذ متى، وهل هي سفر استكشاف ما هو مجهول لدي؟ إذ أن سفري إليها هو الأول، وهل من أحد مهَّد السبيل إلى هناك، عارف بالطرق، ووسائل النقل، وأمكنة الإقامة، وما المستحسن منها في خدماتها، والمقبول منها، وفضاءات وأماكن السياحة؟
وأنا طالب من طلبة المرحلة الدراسية الجامعية، في ثمانينيات القرن العشرين، بشعبتي التاريخ والجغرافيا، في أعوام كان يعقد الأول على الثانية، ثم جاءت أخرى تم تطليقهما فيها، لا أدري من تم تكفيره، حتى كان لزامًا شرعًا أن لا يُجاز أحدهما للآخر؟
أقول وأنا طالب بتينك الشعبتين، وفي ذلك الزمن، كنت أتلقى من العلم ما يجعلني أعرف من تاريخ جهة مغرب الجنوب الشرقي، خاصة في عصره الوسيط، حيث تبرز (سجلماسة) أكبر حاضرة في الغرب الإسلامي، وفي العصر الحديث، حيث كانت المنطقة منطلق الدولة العلوية في النصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي، وما يجعلني أن أعرف جغرافيتها الطبيعية، أن أعلم أنها منطقة رسوبية، توجد جنوب الأطلس المتوسط الشرقي، منجرفة تربتها بمياه قمم الجبال، تعمقت فيها أنهار، فتشكلت هضاب، وما بعدها استمر سهل في انبساطه.
ومما عاينته، فلتلك الجهة سهل فيضي، أكثر امتدادًا في المغرب، يجري فيها نهر (زيز)، ويُزرع في واحاتها النخيل، والخضراوات، ونباتات للعلف، وغيرها، فيظل الجغرافي راغبًا دائمًا في شد الرحال إلى مناطق العالم التي درس تاريخها، ومناخها، وطقسها، وأشكالها التضاريسية، ونباتاتها، وأنهارها، وبحيراتها، وشواطئها، وجماعاتها البشرية، فلذلك فقد كانت فكرة القيام بهذه الرحلة إلى هذه الجهة من المغرب، قد أتتني منذ زمن قديم، وإن حصَّلت معلومات عنها قد تكون وافية، في الفصل الدراسي.
فالرحلة إليها تبقى استكشافًا لما هو ملموس، ومرئي بالعين، ومُعايش، ثم إن خير السفر هو أن يكون هناك من يمد إليك يد المساعدة، سبقك إلى تلك المنطقة، في عدة أسفار، يسهل وييسر لك الرحلة، وكان هذا إحدى بناتي، أستاذة أركيولوجية، تعمل بالمالج والفرشاة في موقع سجلماسة الأثري، منقِّبة مع مجموعة من الأثريين، عن لقايا ذات قيمة تاريخية، فكانت دليلي الأول إلى هناك.
ركوب الجو
كان أول ما فكرنا فيه -وهنا أتكلم بصيغة المثنى، لأن رفيقي الذي اتخذته قبل الطريق، هو قرينتي في الدنيا، أما في الآخرة، ففي علم الله سبحانه وتعالى إذا ما كنت سأحظى بإحدى الحور العين- هو وسيلة النقل التي سنركبها إلى هناك، والمسافة البرية طويلة جدًا، فهل هي دابَّتُنا الميكانيكية، أو حافلة مجهزة، أو الطائرة.
استقر اختيارنا على هذه الأخيرة، لوقت طيرانها إلى هناك الذي لا يتعدى ساعة، فامتدت أصابعي إلى أزرار الحاسوب، وحجزت تذكرتين إلكترونيتين، ثم إلى تطبيق طلب سائق، ينقلنا في وقت الفجر من مدينتنا، بسيارته إلى مطار (سلا)، بأربع ساعات قبل إقلاع الطائرة، فكان تفاوض في الثمن، فتوافق، فاستجابة منه في ذلك الوقت المبكر من اليوم الرابع والعشرين، من شهر يناير، من سنة خمسة وعشرين بعد الألف الثانية الميلادية (2025م).
أما النُّزل الذي سنقضي فيه أيام رحلتنا الأربعة، فهو رفيع، بتصميم مُستوحى من معمار المنطقة التقليدي، أسكننا فيه مالكه جودًا منه، وهذا خُلق، مطبوعون عليه أهل المنطقة، ثم لم يبق تحضيرًا للسفر إلا ألبستنا، وأوراق هويتنا، وعَقْدنا، فحشونا حقيبتين بها، تنسابان على المبلط، والمزلج، وأسفلت التعبيد، بعجلات سلسة، بلمسة دافعة خفيفة من اليد.
أن تركب في جسم يطير في الجو، فهذا فعل تُخصص له إجراءات قانونية مشددة، وللدارسين لتاريخ الملاحة الجوية، اطلاع على حوادث الطيران، سقوط من ارتفاع قد يتعدى قمة جبل (إيفرست) الذي يصل علوه إلى 8848 مترًا، لعطب في الهيكل، أو المحركات، أو محاولة ثائر على النظام العالمي المكرس، تحويل الطائرة عن خط طيرانها، أو محاولة تهريب المحظورات في الحقائب، والحافظات، والأحزمة الجلدية، وقيعان الأحذية، أو بَلعِها مستقرة في المعِد، أو في الأمعاء، لاسترجاعها فيما بعد.
فكان أول معاينة إلكترونية أمنية هو لما تحمله في حافظتك، وفي حقيبتك، وتجتاز بابًا حساسًا، يُصدر رنينًا إذا ما كان جسدك أو جيوبك أو ثنايا ألبستك، تحتفظ بشيء معدني مسنون، والهاتف المحمول يوضع جانبًا في قَعر، تتلقفه يدك بعد تمريرك، ووراء حاسوب عاملة تقارن بطاقة تعريفك، والحاملة لصورتك، بالمعطيات المدنية التي عبأتها في موقع شركة الطيران الإلكتروني، ومراقبة أمنية للمرة ثانية، حيث ينظر إليك عون الأمن، يقدم إليك صندوقًا بلاستيكيًا، ويأمرك أن تودعه فيه ساعتك اليدوية، وحزامك الجلدي، ورادءك، وقد يشير إلى أطرافك السفلى، قائلًا بنبرة حادة وحاسمة: «اِخلع فردتي حذائك».
فما إن تجتاز البوابة الإلكترونية، حتى تجد نفسك حافيًا، ومجردًا من هيئتك التي استعددت بها في وقت انطلاقك للسفر، فتتمنطق بحزامك من جديد، وتضع ساعتك في رسغك، وتحتذي نعلك، وترتدي بذلتك، وتملأ كفك بهاتفك المحمول، وتتابع سيرك إلى كراس، تختار واحدًا منها تجلس عليه، منتظرًا إجراءات أخرى كالمنتظرين، أمامك باب من زجاج بعدة دفات مغلق، تظهر عبره حافلة تكبر عن ما ألفناه من حافلات الشوارع، فتسجيل لتذكرتك في حاسوب، فصعودك إلى الحافلة مع الآخرين، توصلكم إلى الطائرة المشغل محركها، والمستعد ربانها للإقلاع بكم، لكن قبل ذلك تكون قد أظهرت تذكرتك له في آخر درجة من السلم، بترحاب منه، تفضي بك إلى داخل الطائرة، تنطق المضيفة بنوع الطائرة وباسم ربانها، تجد في جيبٍ أمامك مطوية تبين ما يتعين عليك فعله، في حالة ما إذا تعرضت الطائرة لطارئ خطر، وتستعرض ذلك المضيفة إشارات باليد.
حلقت بنا الطائرة، فنظرت إلى وجه سطح الأرض، الذي بدت كامل أشكاله التضاريسيه من الأعلى، فقرأته بما درسته في الجغرافيا الطبيعية، فهذا ساحل المحيط الأطلنطي، وهذه السهول، وهذه الهضاب، وهذه قمم جبال الأطلس مكسوة بالثلج، وهذه بحيرات طبيعية، واصطناعية، وهذه هضاب جرداء، يخترقها وادٍ يمتد إلى الجنوب الشرقي، يحف به شريط أخضر من واحات من نخيل، فهذا هو المغرب، بلد التنوع المناخي، والتضاريسي، والنباتي، وتشييدات المجموعات البشرية، وهل ما نطقت به المضيفة صحيح؟

لم يمر من وقت الطيران إلا أقل من خمسة وأربعين دقيقة، حتى قالت إن الذهاب إلى المرحاض لم يعد جائزًا، وأن يعود من كان قائمًا إلى كرسيه، فلم يبق عن الوصول إلى مطار (الراشيدية) إلا عشر دقائق، فهذا من نِعم عصر وسائل النقل السريعة. كان أول ما ظهر لي من النافذة، والطائرة تنزل، لعل الرصيف يحتضنها بحنان، فيكون ركابها من السالمين، حوامة عسكرية، تربض بمكان معد لهبوطها وإقلاعها، فهي حاضرة بمداومة، حارسة، حامية، مؤمِّنة، ولحادث طارئ مُهلك، تركنا ذات الجناحين، المتحركة أجزاء منها للإقلاع والهبوط، وخضعنا لعملية مقارنة مطابقتنا لبطاقتي هويتنا، وتسجيلنا الأمني.
وخرجنا إلى بهو، لنُستقبل من طرف دليلنا من أسرتنا الصغيرة، فتفوهه بالسلامة على وصولنا، فسياقته بنا في الطريق المؤدية إلى (الريصاني)، مدينة إقامتنا، بمسافة سبعة وتسعين كيلومترًا تقريبًا، في امتداد هذه الطريق، حافة يشرف بها المسافرون، في وقفة بضع عشرات من الدقائق، على واحة ممتدة على ضفتي نهر (زيز)، بهذا المرقب باعة تماثيل صخرية، وعقود من الخرز، وأشياء أخرى للزينة، على جانب ذلك الممر الأسفلتي، إلى اليسار، جرة عملاقة، تتعدى قامة إنسان بوحدات من الأمتار، تُملأ بالماء، في قاعدتها صنابير، تُفتح لما هو عذوبة باردة للعابرين العطشى، وقرى، ومدن، أكبر هذه الأخيرة مدينة (أرفود)، وعلى جانب الطريق، إلى اليمين متحف للمستحاثات خاص، تنتصب في حديقته هياكل ديناصورات عملاقة مُقلدة، سيأتي ذكره فيما بعد.
فندق مدينة (الريصاني)
انعطقت بنا السيارة إلى اليسار، إلى مدينة (الريصاني)، فهذه محطتها المخصصة للحافلات، وهذه بناياتها العمومية، وهذا شارع يؤدي إلى سوقها المركزي، وهذا شارع طويل يُتابع فيه الدائس على مُسطَّحة تسريع المركبة، لينعرج في لحظة إلى بوابة فندق، ويتوقف في ساحة، فننزل، مستقبَليْن ضيفيْن من طرف كاتب الفندق، وتُحمل حقيبتانا، ويُشار إلينا بسلوك بهو، مفروش بزرابي تقليدية، ومؤثث بكراسٍ وثيرة وموائد، وبالسير في أرض مبلطة إلى الداخل، إلى إحدى الحجرات، مشمسة بأشعة الظهيرة وما بعد العصر، ونظيفة، ومرتبة ألحفتها، وأغطيتها.
وأنا أتخفف من أناقة السفر، كنت قد بدأت أفكر في شأن آخر، بدونه لا تكتمل سعادتنا بسفرنا هذا، ألا وهو كراء سيارة مريحة، لم تزل بسنوات عمرها بعيدة عن الأعطاب، فلا خوف علينا، ونحن نطوي بها طرق الجنوب الشرقي، هي لا تزال فتية تنقاد لنا بحماس، وكنت قد وقَّعت العَقْد، وتسلمت أوراق هويتها، وتأمينها، ومفتاحها، فنكون قد صرنا في كامل جِهازنا لمراحل الرحلة.
في ضيافة رُحَّل (مرزوگة)
ما يلهج به الناس، ونحن في مدينتنا الساحلية، هو اسم مدينة، لميزة فيها قد لا نكون قد فهمناها حق الفهم، هي (مرزوگة)، يُقال إن في رمال ناحيتها الساخنة تُدفن أبدان من يعاني من آلام في العضلات والمفاصل، ولكن لم يكن هذا من هدف رحلتنا، لأن الفصل شتاء، والرمال باردة كما قال لنا مرشدنا هناك، فغير هذا إذن ما اكتشفناه.

وكنا قد أخذنا طريقنا إليها في الصباح، فبعد ممر تحف به واحات بها نخيل، ومغروسات، ومساكن، اِمتد بنا الأسفلت المعبَّد به، ترامت على جانبيه أراضٍ منبسطة، فيها القليل من العشب، وشجيرات، تظهر لنا من مسافة إلى أخرى حواجز من إنشاء الإنسان توقف زحف الرمال، بتقنية خاصة.
بعد أكثر من عشرين كيلومترًا احتوانا شارع، انعطفنا إلى آخر يتفرع عنه، فما لفت انتباهنا هو رأس جمل معلق في مخطاف حديدي، وتحته على لوح خشبي لحمه، وفي عمق المكان جزاره. إذن هذا نحير بلاد الإبل، وعُدنا وانعطفنا متقدمين إلى قوس، واستمررنا إلى أن تواجهنا مع سيارات متوقفة ذات الدفع الرباعي، قصدنا أحد الملثمين، مسلمًا علينا، وعرض علينا خدمة سياحية قائلًا:
أتبغيان جولة بعدد كذا من الكيلومرات، في كثبان الصحراء، وفي خيام الرحل، ومشاهدة الخطارات، ومتحف السيارات الكلاسيكية، أقامه أحد مواطني الخليج العربي، و...، و...
أجبته قائلًا:
لنُيسِّر، فنحن مُستعدان... ما الثمن الذي تطلبه؟
قال مُخيرًا لنا بين الأثمنة:
- حسب عدد الكيلومترات، وأماكن الوجهة.
نطق بأثمنة ثلاثة، اِخترنا وسطها، فملت بالسيارة إلى جانب، وتركناها، وركبنا السيارة ذات الدفع الرباعي، المؤهلة للسير على الكثيب الرملي، وقد صعد بنا قمم الرمل، وانحدر بنا منها، بنجاح عامله تصميم ميكانيكية السيارة المعدة لهذه الحاجة، واتجه إلى مخيم سياحي، مُصمَّم الممرات، ومجهز بوسائل الراحة والمبيت، الإنارة في الليل، وصنابير الماء، وبيوت الخلاء، وحجرات الاستحمام، ومطعم، قادنا في جولة فيه، عارضًا علينا خدماته، إذا ما قدِمنا مرة أخرى نكون من ضيوفه، ونطق بمقابل، إذا كان مشجعًا للسياح الأجانب.
فأبناء هذا الوطن العزيز لا يحمسهم، لأنه يقهر جيوبهم المحتاجة، وربح الذين استثمروا فيه لا يكون إلا مع أولئك، وفي هذا تكريس للفوارق، ويحضرني مثل شعبي بالدارجة، يقول: «لي ما عندو فلوس ديو مسوس»، بالعربي الفصيح: من ليس لديه فُلوس، كلامه غير مُستملح، أي لا ملح فيه، لا يستطيبونه أولئك أصحاب الحقائب المالية، ولا يلتذُّون به.
ومن هذه الخيام المربعة، تابعنا صعود الكثبان الرملية، والهبوط منها في اتجاه الشرق دائمًا. نطق دليلنا السائق مشيرًا إلى جبل، قائلًا إن هناك منجمًا لاستخراج صخر الكحل من عمق خمسة وعشرين مترًا تقريبًا، ليُسحق ويمزج بأعشاب برية لتتكحل به النساء، ويُصدر إلى فرنسا ليعالج بمواد كيماوية، فيصير متفجرًا، فشتان بين عيون واسعة تجملت بالكحل، وأجساد مفرغ فيها المسحوق المعالَج القاتل، ولم يذهب بنا إليه، لأنه لم يُحسب في الجولة المتفق عليها.
وتنمحي من طريقنا الكثبان، لتتابع بنا المركبة السير إلى خيام سوداء اللون متفرقة، حدثنا دليلنا بأنها سكن الرحل، ولكن لم يعد لهم ارتحال، وما نراه منهم إلا استعراضًا أنتثروبولوجيًا للسياح، يعطي فكرة عن بيوتهم تلك المنسوجة من وبر الإبل والماعز، وأن مكانهم ذاك هي (مرزوگة الأولى)، سابق عن (مرزوگة) المدينة الحالية، وتخيلت كيف كانت تلك الجهة عامرة بالخيام، وإن تأسفت على تراجع حياة الترحال، فالدليل لم يتأسف، وقال إن هؤلاء الرحَّل لهم أيضًا الحق في الاستفادة من خدمات المدينة، استقرارًا في بيوت خرسانية مصممة، وتمدرسًا، ومعالجة بالطب العصري، وتوفيرًا لهم للخضر والبقول والمواد الغذائية التي تمد بها أسواقها.
أحنينا رؤوسنا لدخول إحدى الخيم، وجلسنا على لحاف منسوج تقليديًا بخيوط من الصوف، أمامنا مائدة خشبية بأرجل قصيرة، وُضعت عليها في الحين صينية معدنية، عليها براد شاي وكؤوس، فسكب الدليل لنا السائل المغلي، فارتشفناه من الكؤوس، مُتنعمين به، ونظراتنا ذاهبة في ذلك الاتساع من الأرض المحيطة الخالي، يحتويه سكون، ثم جاءتنا إحدى نساء الرحَّل تمشي على استحياء، حاملة خبزة عليها أثر حرق، مطهية في فرن من حجارة وتراب، ولما امتدت إليها أيدينا الشرهة، تذوقنا فيها بصلًا أخضر محشوة به، فنطق الدليل إنها تُسمى محليًا بـ (المدفونة)، تُنضج بدفنها تحت حجر مُحمى بنار مستعرة في عيدان يابسة، فما ألذها!
أخرجتنا ولو لوقت قصير جدًا، من أكل مطابخ المدينة الروتيني. اِلتقطت من مرشدنا السائق بعض الكلمات بالأمازيغية، ذلك أن سكان المنطقة من الأمازيغ، إحداها (تافرانت)، وهي المسماة عند سكان الجهة الوسطى من المغرب بـ (الخْدِيمة)، وهي القِدر الذي يطبخ فيه، وأخرى هي (الكوشت)، وهو (النور)، فرن طهي الخبز، وقد سبق ذكره، و(تارسالت) وهو عمود إقامة الخيمة المركزي، بالدارجة العربية المحلية (الحَمَّار)، و(أقليدج) هي الرقع المنسوجة التي تُكوِّن الخيمة، وجوانبها المسدلة تسمى بـ (أفراي)، ومن تلك الكلمات أيضًا، ما يتعلق بشيء مهم في حياة الترحال هي القِربة، والتي تسمى في مناطق أخرى بـ (الشَّكْوة)، وتستعمل للماء، ومخض اللبن بتحريكه ليُستخرج منه زُبدَه، إذا كانت بالزغب تُستخدم للماء وتسمى (تيمجوت)، وإذا كانت بدون زغب تخصص للبن وتسمى (تايديت).
ولا تزال هناك خيم أخرى، إحداهما تجلس أمامها امرأة تعمل أناملها في خرقة مُوتَّرة على أعمدة مِنسج، تقدمت منها، وسألتها عن أسماء الأجزاء المكون منها المنسج، أجابت أولًا بأنه يسمى بـ (أسطا)، وخيوط النسج التي تُسمى في مناطق أخرى بـ (السْدَى)، كلمتها بالأمازيغية (أيدد)، وكلمتان أُخريان لتلك الأجزاء مثل (أفگاي) و(تيغدوين)، لم أتحر معها فيهما لضيق الوقت، قال لي دليلنا إن في مجتمع رُحَّل (مرزوگة) القديمة ستة وعشرين أسرة، في كل منها في المتوسط ما بين ستة أفراد إلى ثمانية، وهناك من الرجال من له ثلاث نساء، وله خمسة عشر ولدًا. من قبائل المنطقة (آيت خباش) تنحدر من شجرة قبيلة (آيت عطا)، ومن دواويرها أحد اِسمه: (المرداني).
فماذا عن غطاء تلك الناحية النباتي؟ ما لاحظته هو سيادة شجرة متوسطة الطول، لها أوراق عريضة وغليظة، محتفظة بخضرتها في ذلك المناخ القاري، الذي تشتد برودته وسخونته، لها اسم محلي هو: (كورزة)، مسمومة لا تأكلها حتى الجِمال، وأخرى تتغذى عليها، كريهة الرائحة تسمى بـ (أودادن)، ونبتة تسمى بـ (المخينزة)، ولها اسم أمازيغي هو (گلاية).
وصل بنا رفيقنا الدليل إلى فتحات بارزة، تعلو عن سطح الأرض، تنتظم في خط مستقيم، بين الواحدة والأخرى مسافة بوحدات من الأمتار، تصل بينها قناة حُفرت أفقيًا تحت سطح الأرض، يجري فيها ماء آت من طبقات صخرية لمرتفع باطنية، ترجلنا وتقدمنا على إحداها، ليشير إلينا الدليل إلى الماء الذي يجري بدون توقف، هذه هي التي تسمى بـ (الخطارات)، وهي تقنية مبتدعة منذ عصور متقدمة، للتزود بالماء، بجلبه من الفرشة الباطنية مباشرة، ويتصدى لها حفارون لهم خبرة ودُربة بذلك.
متحف السيارات الكلاسيكية
اِستمر بنا السائق في همز دابته الميكانيكية، وهي تحرن بنا، مغادرة الرمال، وممرات غير معبدة، متوجهة بنا إلى بنايات، عُلِّقت على واجهة سقف إحداها هيكل سيارة (فورد T19) الأمريكية القديمة، التي يعود تاريخ صنعها إلى عشرينيات القرن العشرين، فهذا إذن هو متحف السيارات الكلاسيكية والنادرة، أقامه أحد مواطني بلاد الخليج العربي.
فكبح دليلنا بنا مركبته أمام بوابته، وجد له مكانًا جلس فيه ينتظرنا، ودلفنا نحن إلى أبهاء المتحف، فالتقطنا صورًا، وسجلنا أشرطة، لسيارات كلاسيكية أصلية مدنية، وأخرى منسوخة، ولسيارات فريدة في تصاميمها، ونادرة في وجودها، وأخرى عسكرية، واختلفت دول مصنعيها، فهم من أمريكا، واليابان، وفرنسا، والصين وبريطانيا، وللبعض منها أسماء مستغربة، كالتي تحمل اسم (الجرادة) من اليابان، ولها شكل غير الذي نألفه في السيارات المسخرة يوميًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.