رجوع


أيقن قلبي وأدرك فكري لمّا سمعت أذناي وقرأت عيناي وكتبت أناملي على أن حارتنا حكت قصيدتها المفعمة بالمحبّة العارمة والألفة الصادقة، وكأنّها روعة ملائكيّة بيضاء ترفرف على العالم عندما كانت حجرة واحدة.. بيتًا واحدًا لاح شعاع ضوئه في الآفاق حين سكنه الجدّ الأوّل.. كون أسرته.. أبناءٌ وأحفادٌ.

تتسابق الأيّام وتركض الأعوام.. فيزداد تناسلهم، والحجرة أصبحت اثنتين وثلاث.. اكتمل الطّابق الأوّل ومع ذلك فالتّناسل في زيادة، فبنوا الثّاني، وكانت همتهم همة شبابيّة عالية؛ فبنوا الثّالث ليكون لهم العون في الاستقرار والهدوء.

ساد الهدوء والأمن أعوامًا.. البيت مريح لهم.. كافٍ لهم.. بيت على قمّة.. ثلاثة أدوار.. يحدّه من الجنوب قطعة أرض خضراء صغيرة بعدها امتداد لصحراء.. ومن الشّرق منحدر لنهر يغذّي أهل هذا البيت ومن الشّمال مزارعهم وبساتينهم.. ومن الغرب زيتون وبحر.

الحب، والألفة، والوفاء، والإيثار وغيرها من الصّفات الحميدة اتصف بها سكّان هذا البيت الصّغير منهم والكبير.. الكلّ يعيش.. الكلّ يصلّي بأمنٍ واطمئنانٍ.. لا ضغينة، لا حقد، لا أنانيّة، لا تفكّك.

أيّام خير.. موسم أمطار.. صفاء نفوس.. قوّة إيمان تحلّى بها بيتنا المذكور كأنّه في ربيع دائم ولكنّه لم يخل من طبيعة الحياة (الخير والشّر) بعد أن عاش في خيره طويلًا، و بأن شعاع ضوئه في الآفاق أبصره من يعيشون في العتمة الحالكة في الظّلام الدّامس فهو يشع نورًا يثقب أعينهم ويلحق بهم اليأس على مكان عيشهم الّذي لا يكاد أحدهم يرى موضع قدمه فيه، حالهم في هاوية، مجتمعهم مثقل بإعياء الظّلم والفساد والتّخلف.. إنّهم المتربّصون الحاقدون.. اجتمعوا فقرروا نقل شعاع ضوئه إليهم.. فإن لم يستطيعوا فعليهم تبديده ليعيش سكان البيت في ظلام مثلهم، كان سلاحهم في ذلك رياحًا اصطنعوها مختلفة تمامًا عن الرّياح الطّبيعية المعروفة تشبهها في شكلها، ظنّوا أنّها قادرة على نقل أو إخفاء ضوء بيتنا السّاطع آنذاك.. وبدأ بالتالي الشّر يتسلّل.

أرسلوها من الغرب إلى بيتنا، من بحر تغشاه الأعاصير، ومن ورائه الغموض والمجهول، تحطّم المزارع.. تجتث أشجار الزّيتون.. لتصل إلى البيت كما هو مخطط لها.

تصطدم به اصطدامًا شديدًا نتج عنه هزّة خفيفة أحسّ بها من في داخله، كان الاصطدام عنيفًا بالنّسبة للرّياح المصطنعة الّتي لم يضعفها شيء ولم يتصد لها إلّا بيتنا المحصن، فلم تأثّر فيه شدّتها؛ فسكانه ثابتون فيه بقوة إيمانهم وبحبّهم للموت تضحية كيلا يصيب بيتهم غبارها.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Dec 6, 2021 - راجي ال عامري
Dec 5, 2021 - راجي ال عامري
Dec 5, 2021 - محمدبحرالدين
Dec 5, 2021 - ذكاء حسين خطاطبه
نبذة عن الكاتب