بعد الإعلان عن رحيل الفنان اللبناني الكبير زياد الرحباني، ضجت وسائل الإعلام بالأخبار والتقارير التي توثق مسيرته وإرثه الفني. لكن بعيدًا عن الأخبار الرسمية، الحزن الشخصي العميق يسكن جيلًا بأكمله كبر على صوته وفنه وفلسفته.
هذا المقال ليس تقريرًا إخباريًا، بل هو رثاء شخصي يحاول أن يجسد هذا الشعور، ويرسم بالكلمات صورة للعبقري الذي غادر بهدوء، تاركًا خلفه فراغًا بحجم فنه.
صمت يشبه هدير البيانو
رحل زياد الرحباني (1956 - 2025) آخر العباقرة، بصمت يشبه هدير البيانو حين يتوقف فجأة عن الكلام. توقف بعد أن ظل يحكي طول نصف قرن عن وطن ضائع، وعن حب خائب، وعن مدينة تتقن التنكر في كل صباح. رحل من كان يمشي عكس التيار، لا ليصطدم به، بل ليصنع مجراه الخاص؛ مجرى فيه موسيقى، وفيه سخرية، وفيه مرارة، وفيه بهجة غريبة كأنها ضحكة من يعرف النهاية.

في رحيل زياد، انتهت آخر صفحة من كتاب اسمه (الرحابنة)، في إشارة إلى المدرسة الفنية التي أسسها والده عاصي وعمه منصور الرحباني مع السيدة فيروز، لكنها صفحة كتبها وحده بحبر أسود وماء رمادي ولمعة ضوء تأتي من زاوية ضيقة في مسرح شبه مهجور. رحل الكاتب الذي لم يكن يريد الكتابة، والموسيقي الذي لا يحب الحفلات، والسياسي الذي لا يثق بأحد، والممثل الذي كان يضحك حين لا يضحك أحد. تركنا نعيد أشرطة التسجيل بصوته وكلماته، ونبحث في أرشيف المدينة عن رائحة نيكوتين ورنة ضحكة قصيرة في تسجيل قديم.
ابنًا لعصر انتهى وناقدًا لعصر لم يبدأ
كان زياد ابنًا لعصر انتهى، وناقدًا لعصر لم يبدأ، وصوتًا يسبق الزمن بخطوتين، يتعب منه الحاضر ويتأخر عنه المستقبل. عاش متصالحًا مع كآبته، مؤمنًا أن الحزن مادة خام تصلح للفن، وأن السخرية وسيلة دفاعية ضد الخيبة. كان يتكئ على لغة لا تشبه لغة أحد، على إيقاع يخلط بين بتهوفن وزواريب بيروت، بين موسيقى الجاز (Jazz) وهموم الأحياء الشعبية، بين اشتراكية بالية وحب مستحيل.
من يرثي زياد كمن يرثي فكرة
نحن الذين كبرنا على صوته لا نعرف كيف نرثيه؛ لأن من يرثي زيادًا كمن يرثي فكرة أو ذاكرة أو زمنًا بأكمله. رحيله ليس موتًا، بل إسدال الستارة على آخر مشهد من مسرحية لا نعرف كيف بدأت ولا متى تنتهي. فقط نعلم أن زياد لم يكن بطلها ولا كاتبها، بل ظل يسير فوق الخشبة حاملًا سيجارة وكوبًا من القهوة ويقول للجمهور: «اللي راح راح، واللي جاي يمكن ما يجي».
وداعًا بلا ضجيج
وداعًا زياد، بلا ضجيج كما أردت، بلا نشيد وطني، ولا بيان رسمي.
فقط أصواتنا وهي تعيد سماع مسرحية (نزل السرور)، وعودك العتيق يبكي وحده في الزاوية الأخيرة من الوطن.
بهذه الكلمات، يودع جيل كامل جزءًا من ذاكرته وهويته. لقد كان زياد الرحباني أكثر من مجرد فنان؛ كان حالة ثقافية وفكرية متكاملة، وصوتًا نقديًا جريئًا لم يهادن يومًا. وعلى الرغم من أن الستار قد أُسدل على حياته، فإن إرثه الفني والفكري سيظل حيًّا، يتردد صداه في موسيقى الجاز الشرقية التي ابتكرها، وفي حوارات مسرحياته التي لا تزال تصف واقعنا بدقة مؤلمة، ليثبت أن العباقرة يرحلون بأجسادهم فقط، لكن أفكارهم وفنهم تبقى خالدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.