رثاء بلقيس قصيدة نزار قباني التي مزجت الفقد بالغضب

يُعد رثاء الزوجة من أصدق أغراض الشعر العربي، لكن قصة قصيدة بلقيس نزار قباني تنقله لمستوى آخر، فـ«قصيدة بلقيس» ليست مرثاة شخصية لزوجته بلقيس الراوي، بل هي شهادة دامية على لحظة انكسار تاريخي. يمزج نزار في هذه القصيدة وجع الفقد الشخصي بغضب عارم ضد واقع عربي اغتال محبوبته، محولًا الرثاء من بكاء على الفرد إلى محاكمة للعقل الأعرابي والهمجية السياسية. كيف تحولت هذه القصيدة من رثاء خاص إلى بيان إنساني وسياسي خالد؟

يتساءل كثيرون: كيف ماتت بلقيس زوجة نزار قباني؟ وما قصة موت بلقيس زوجة نزار قباني الحقيقية؟ لقد قُتلت بلقيس الراوي في تفجير مأساوي، فجاء رثاء نزار قباني لزوجته ليس بكاء فحسب، بل شهادة دامية.

في هذا المقال نجيب عن سؤال: ماذا قال نزار قباني عند موت بلقيس؟ ونقدم تحليل قصيدة نزار قباني بلقيس التي مزجت الفقد الشخصي بالغضب السياسي العارم.

رثاء الزوجة في التراث العربي بين البوح والتحفظ

عبر تاريخ الشعر العربي، لا يوجد أوجع من أن يرثي الزوج زوجته، والأمثلة في هذا كثيرة جدًّا ومتنوعة المصادر، نذكر بعضًا منها، من باب الاختصار والالتزام بما يسمح به المقام.

لعل من بينهم من ينتمي إلى العهد الأموي، فهذا جرير، حسب بعض الروايات، يقول في رثاء زوجته:

لَولا الحَياءُ لَعادَني اِستِعبارُ وَلَزُرتُ قَبرَكِ وَالحَبيبُ يُزارُ

وَلهتِ قَلبي إِذ عَلَتني كَبرَةٌ وَذَوُو التَمائِمِ مِن بَنيكِ صِغارُ

أيضًا في العصر الأندلسي، مع الجغرافي الرحالة الشاعر محمد بن أحمد بن جبير «540هـ/614هـ» في رثاء زوجته عاتكة، بل إنه قد خص نظير هذا الفقد بديوان كامل سماه: «نتيجة وجد الجوانح في تأيين القرين الصالح».

ولربما يُعزى موضوع الإقلال في رثاء الزوجات فيما مضى، منذ العصر الجاهلي حتى أفول العهد الأندلسي، وما بعده بقليل، إلى ثقافة التحفظ التي سادت تلك الأجيال، وقيدت عقليات أصحابها، خلاف ما هو عليه الحال، في عصرنا الحديث المطبوع بشتى أضرب التحرر والانفتاح.

نزار قباني ومرثاة بلقيس

بلا شك توجد نماذج عدة تعزز هذا وتثبته، بيد أننا سنقتصر على مرثاة بلقيس، زوجة الشاعر العربي الكبير نزار قباني، فما قصة قصيدة بلقيس نزار قباني؟ وكيف ماتت بلقيس زوجة نزار قباني؟ لم يكن موتها عاديًا؛ فكانت قصة موت بلقيس زوجة نزار قباني مأساوية ومفجعة، فقد قُتلت في تفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1981، وهو حدث حوّّل نزار من شاعر المرأة إلى شاهد على انكسار عصر بأكمله مثلما يرسخ ذلك كثير من نقاد تجربته، في عقول القراء.

بلقيس زوجة نزار قباني

شخصيًّا، أعد نزار شاعرًا موسوعيًّا وإشكاليًّا وأكبر من أن نحصر منجزه في حدود هذا التوصيف الضيق، لو دققنا في عموم تجربته، بصرف النظر عن الجزئيات.

إنه شاعر الإنسانية بامتياز، وإنما انتماؤه إلى هذه الشجرة الباسقة بلا شك، وإلا ما كانت قصائده لتحقق مثل هذه المقروئية والشعبية الكبيرة.

لذا فإني أعد قصيدة رثاء بلقيس زوجة نزار قباني قصيدة تاريخية حوت كامل هذه التوجهات والتيارات التي قد لا تستقيم لشاعر آخر غيره، أي إنها من ناحية الحمولة السيكولوجية والوجودية قامت على الترديدات وتعدد الأصوات، فأثارت -بذلك- جملة من الأغراض: السياسي والأنثوي والهوياتي والإنساني والعاطفي، إلى آخر ذلك من الدوال المبرزة لروح الموسوعية والمشعة بتمذهبات الانتماء الإنساني، العابر للتباين الألسني والعقدي والثقافي والعرقي والجغرافي.

تحليل مرثاة نزار لبلقيس: حين يمتزج الفقد بالغضب السياسي

ها هو يرتقي بالقصيدة فوق مستوى الحياة، مؤهلًا المشهد لاحتواء كهذه مرثاة، فيقول مستفزًا سدنة القومية العربية العرجاء، ويُعد هذا المقطع أجمل ما قيل في بلقيس؛ لأنه يمزج العاطفة بالغضب:

«شكرًا لكم ..
شكرًا لكم ..
فحبيبتي قتلت .. وصار بوسعكم
أن تشربوا كأسًا على قبر الشهيدة
وقصيدتي اغتيلت ..
وهل من أمةٍ في الأرض ..
إلا نحن تغتال القصيدة؟
بلقيس ...
كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل
بلقيس ..
كانت أطول النخلات في أرض العراق
كانت إذا تمشي ..
ترافقها طواويسٌ ..
وتتبعها أيائل ..
بلقيس .. يا وجعي ..
ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل
هل يا ترى ..
من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل؟
يا نينوى الخضراء ..
يا غجريتي الشقراء ..
يا أمواج دجلة ..
تلبس في الربيع بساقها
أحلى الخلاخل ..
قتلوكِ يا بلقيس ..
أية أمةٍ عربيةٍ ..
تلك التي
تغتال أصوات البلابل؟».

فأنت بهذا، ضمن حدود هذه المرثاة المُضمَّخة بالحبر النفساني المر والصادق، لتتعثر بفصول الوصف الدقيق لحال أمة متحولة، منقلبة على جوهر الوجود الإنساني، في كل شيء، تقريبًا.

فكيف حرك موت بلقيس منتهى الإدماء في روح شاعر من الهشاشة بمكان، عُرف من ذي قبل على أنه شاعر المرأة بامتياز؟

إنها تيمة الفقد التي استطاعت إضرام حطب السنين بين جوانح شاعر ما انفك يبرز لين الأريكة إزاء تجارب الموت، كما راحت تنرسم له ملامح مشاهده، حينًا، ويسمع عنه أحيانًا أخرى.

المُصاب الجلل، سواء في الأقرباء، أو الأعداء، على حد سواء.

غير أن الفارق بين حضور بلقيس وغيابها، يتجسد في معنيين للموت المسترسل والممتد بما تملي به النواميس وتسنه الفطرة.

إن نزار يسلم بالأول، ويتمرد على الثاني.

يقول أيضًا:

«في هذا الزمان؟
ماذا يقول الشعر؟
في العصر الشعوبي..
المجوسي..
الجبان
والعالم العربي
مسحوقٌ .. ومقموعٌ ..
ومقطوع اللسان ..
نحن الجريمة في تفوقها
فما «العقد الفريد» وما «الأغاني»؟
أخذوكِ أيتها الحبيبة من يدي ..
أخذوا القصيدة من فمي ..
أخذوا الكتابة .. والقراءة ..
والطفولة .. والأماني
بلقيس .. يا بلقيس ..
يا دمعًا ينقط فوق أهداب الكمان ..».

الاغتيال الذي فجَّر مارد الشعر

نزار يسلم بالموت الطبيعي، ويرفض رفضًا كليًّا، الخسة والنذالة والاغتيال والغدر، أكانت المعنية به زوجته، أو أي عربي أو إنسان آخر، في أي مكان وزمان كان، من هذا الكوكب الفسيح.

وعليه، كان فعل الاغتيال وحده كفيلًا بأن يُثوِّر المارد الشعري القابع في أعماق شاعر من طينة السوري نزار قباني.

قد تبرز القصيدة في قناعها السياسي بخطاب قهريتها الإيديولوجية المعرية لمنظومة من التابوهات، والقاصفة لوحشية وهمجية ودموية العربي المتنكر لتعاليم دينه، بل وحتى محطات المشرق في الذاكرة التي قد تربطه بأساليب الحياة الجاهلية المتشبعة بأبجديات الشهامة والمروءة والنخوة، لكنها تظل بل وترسخ محمولة على روح الانكسار.

ماذا كتب نزار قباني على قبر بلقيس؟

لم يكن رثاء نزار قباني لزوجته قصيدة فقط، بل أصبح جزءًا من كيانه، وعلى الرغم من تضارب الروايات في النقش الحرفي، فإنه اختار مقاطعًا من قصيدته لتكون شاهدًا، تجسد وجعه الأبدي، ومنها ما معناه: «بلقيس.. نامي بحفظ الله، يا أيتها المعلمة الأصيلة... فالشعر بعدك مستحيل والأنوثة مستحيلة».

ماذا كتب نزار قباني على قبر بلقيس؟

من الانكسار الشخصي إلى الانكسار الحضاري

إنه انكسار وانقماع صوت شعري حضاري، اعتقد صاحبه أنه يستطيع تغيير العقلية الأعرابية المتوارثة، في الحين الذي بلغ فيه الآخر والعالم الغربي، عمومًا، ما يشيب له الولدان، من تحضر ورقي وتلاحم واستقواء، يقول نزار موجهًا خطابه الأخير لبلقيس:

«بلقيس:
أسألكِ السماح، فربما
كانت حياتكِ فديةً لحياتي ..
إني لأعرف جيدًا ..
أن الذين تورطوا في القتل، كان مرادهم
أن يقتلوا كلماتي!
نامي بحفظ الله .. أيتها الجميلة
فالشعر بعدكِ مستحيلٌ ..
والأنوثة مستحيلة
ستظل أجيالٌ من الأطفال ..
تسأل عن ضفائركِ الطويلة ..
وتظل أجيالٌ من العشاق
تقرأ عنكِ .. أيتها المعلمة الأصيلة ...
وسيعرف الأعراب يومًا ..
أنهم قتلوا الرسولة ..
قتلوا الرسولة ..
ق .. ت .. ل .. و .. ا
ال .. ر .. س .. و .. ل .. ة».

إن تحليل قصيدة نزار قباني بلقيس وتأويلنا لها ليقودنا إلى ظاهرة شعرية استشرافية، ممتدة في صفحات وجودنا العربي، كونها شاهد على العقلية الأعرابية المتحجرة والمتجذرة، والعصية، تبعًا لتنوع التجارب وتعاقب الأجيال، على التبدل والكفر بذات الجِلد.

كذلك هو فعل الاغتيال في كليته الذي أنجب لنا نزارًا آخر، مُغايرًا جملة وتفصيلًا، غير الذي عهدناه، محتفيًا بالأنوثة وألوان الحياة، في السواد الأعظم من أشعاره.

إن مرثاة بلقيس ليست قصيدة، بل هي شهادة تاريخية خالدة، على عصر بعينه، يكرر صورة أمة مثقلة بالأخطاء ورواسب الغلو، وفية لأقنعة السوسيو-عقدي، في معالجة انزلاقات تبعيتها العمياء للغرب، وتماهيًا مع واقع تقاطع مصالحها مع زبانية هذا الغرب الأناني والمتوحش، مثلما يلقننا ذلك التاريخ البشري، مرارًا وتكرارًا.

في الختام، تتجاوز قصة قصيدة بلقيس نزار قباني حدود رثاء شاعر لزوجته لتصبح وثيقة تاريخية. لقد حوَّل نزار الفقد الشخصي إلى صرخة ضد اغتيال الأمة للجمال، ليظل أجمل ما قيل في بلقيس شاهدًا على عصر الانكسار.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة