راهنية الخطاب الفلسفي

راهنية الفلسفة مرتبطة بالوظيفة التي تقوم بها مع التحولات من الأسطورة إلى العقل كانت الفلسفة مرتبطة بإشكالية الوجود والإنسان وقد ارتبطت بالتفكير التأملي والحكمة والسؤال، إذ يرى ليغيناس أن منطلقها يعود إلى درجات تزعزع كياننا مثل الصدمات القوية، مشاهدة العنف أو لوعة الفراق، كما أن بداهة الحياة ورتابتها تجعل من الإنسان في موضع التفلسف خاصة عندما يطرح سؤال لماذا؟

وقد تغيرت تلك الوظيفة مع هيمنة الخطاب الديني في اليهودية والمسيحية والإسلام أصبح دور الفلسفة مقاربة التجربة الدينية ومفهوم النبوة عند الفارابي، وتقديم الأدلة في إثبات العلة الأولى في اللاهوت الطبيعي عند توما الاكويني، وتقديم الدليل على دور العقل في إدراك الحقيقة الواحدة كما فعل ابن طفيل روجر بيكون.

بعد استقلال العلوم الوضعية أولا  والإنسانية ثانيا ( إي علوم الروح )، كان لهذه التحولات أثرها في تحديد دور الفلسفة خصوصا بعد النجاحات الكبيرة للعلم، التي انتجت بدورها مشاكل جديدة تمثلت بهيمنة الفكر الوضعي الذي تمثل بتوسع العلوم الصرفة في كل المجالات حتى كادت تحل محل الدين فخلقة تلك الحداثة الصلبة الاداتية المتضخمة تضاءلت مساحة ووظيفة الفلسفة مع سعي فلسفة اللغة من جهودها في تدقيق اللغة الفلسفية من اجل تحجيم دور الميتافيزيقا. عبر التميز بين الكلام العادي والعلم اذ يقول في هذا بول ريكور : " أكثر ما يهتم به الفلاسفة هو العلاقة بين عمل الكلام العادي والكلام العلمي. لأن الكلام العادي لا يعمل وفقًا لمتطلبات الكلام العلمي، فهو يعمل إما بالتنقيص أو بالزيادة. إنه يفتقر إلى الدقة، ما يسمى الوحدانية، أي أنه لكلمة هناك معنى واحد فقط. ولكن على وجه التحديد، إذا كان الكلام كله أحادي المعنى، فلن نتمكن من استخدامه. لا يمكن أن يتم إلا التعامل مع أنواع معينة من المشاكل التي تتطلب هذه الوحدانية. لكن المحادثة العادية حول أشياء الحياة تفترض كلاما من المرونة غير العادية. الكلمة نفسها لها معان مختلفة حسب السياق. هي قدرتنا على تحقيق معنى كلمة مناسبة في سياق فن الكلام. أقول فنًا وليس علمًا على الإطلاق." إي أن فلسفة اللغة تحاول أن تجعل الفلسفة مرتهنة إلى إشكالية الدقة في التعبير العلمي ولعل هذا الأمر كان حاضر مع سقراط في صراعه مع السفسطائية وما يتعلق بالمفهوم الفلسفي ؛ الا أن فلسفة اللغة كانت تحاول تجاوز الانساق الميتافيزيقية، بالتأكيد بول ريكور "لن يكون بالضرورة موت الفلسفة، ولكن طريقة أخرى في الفلسفة. سوف يولي اهتمامًا أكبر للاختلاف في استخدام الكلام وأيضًا للتنوع الهائل للتقدم البشري الذي يتم التعبير عنه في العلوم وكذلك في التقنية والشعر والسياسة وما إلى ذلك. باختصار، يجب علينا استعادة التنوع والاختلاف."

هذا التنوع منفتح على مقاربة مسيرة العلم مقاربة نقدية بعد بروز مشكلات بحجم التقدّم العلميّ والنهوض الحضاريّ، أعادت للفلسفة مكانتها وأظهرت الحاجة لها؛ وذلك لدورها في الخطابات البيوتيقا، تحفيز الخطاب النقدي العقلي، وجعلِه قادراً على التّمحيص والبحث العلميّ من خلال كشف الأوهام، وإزالة الخرافات التي تُعيق العقل وتُضلِّل البحث العلميّ؛ لأنّ العلوم تعتمد على منهج ليس نتاجَها، ومبادئ غير متعلقة بها، كما إنّ جُرأة الفيلسوف مهمّة لموضوعيّة البحث العلميّ. و ترشيد العلوم لغايات اجتماعيّة تعود على المجتمع بالنّفع، وربط العلم بالأخلاق؛ لتَحول دون صيرورة العلم ضِدّ المجتمع. ونقد الاداتية عبر إخضاع الاكتشافات العلميّة للقِيَم الإنسانيّة؛ لأنّ غاية العلم التوصُّل إلى نتائج واكتشافات، ولا يهمّه إن كانت تعود على المجتمع بالنّفع أو الضّرر. هنا كانت وظيف الفلسفة في البيوتيقا، أو ما يعرف بأخلاقيات العلم. كل هذا شجع الحوارات التي تحاول قدرت الفلسفة على تنمية الوعي الإنساني، مع طرح عدة تساؤلات حول إمكانية تطور هذا الدور بالشكل الذي يتيح مساحات أكثر اتساعا لرؤية معرفية قادرة على الإسهام في توظيف الفكر النقدي لتشكيل وعي ناضج وقادر على مسايرة الواقع  عبر الدرس الأكاديمي وتعلم الفلسفة خارج الاكاديميات وجعلها أكثر تفاعل مع الشارع وهمومه ورهاناته الضاغطة في مقاومة الاستبداد والأصولية والعنف الرمزي والمعاش والصراعات القائمة على الهوية. من خلال أشاعت الحوار والتعايش والتسامح والاعتراف بالمختلف. من خلال المهرجانات والأمسيات الثقافية، كما تعمل كمحفز ومنحة للترويج للحوار بين الثقافات وتبادل الأفكار والإسهام في دعم التنمية الثقافية والاجتماعية وتعزيز الثقافية والتفاهم.

وهكذا تبقى الفلسفة رمز من رموز التفكير الشخصي فبإمكان الإنسان يتقدم علميا على أبقراط وأن يتفوق على أفلاطون في بضاعته العلمية إلا أنه لا يمكن أن نبلغ ما حققه من بحث فلسفي. في هذه النقطة يقول يسبرس: "إننا نعرف حقا أكثر من أبقراط لكن ليس بوسعنا أن نزعم أننا تجاوزنا أفلاطون فبضاعته العلمية هي وحدها أقل من بضاعتنا أما ما لديه من بحث فلسفي بكل ما في الكلمة من معنى ولعنا كدنا نلحق به." استنادا لهذه الرؤية تعتبر إذن الفلسفة معبر للإنسان للخروج من الظلمة إلى النور.

التفلسف بصفة عامة هو البحث عن المستحيل والحقيقة المتجددة وبالتالي بقدر تعلمه ومعرفته بالأشياء فإن الإنسان ينطلق بدوامة الشك وطرح الأسئلة، وفي هذا الإطار للمطالعة دور أيضا في نشأة الفلسفة فبالمطالعة يمكن للإنسان أن يخرج من حالة الركود وحالة البداهة.

للفلسفة دور كبير في حياة الإنسان وخاصة تفكيرها الفلسفي الذي يعلم الإنسان: الإبداع، التحرر، تحمل المسؤولية والخروج عن المألوف والمعتقدات. لقد عرفت الفلسفة تضارب وتعدد الآراء في ماهيتها، كما شهدت تواتر في علاقتها في العلم إلا أن الفلسفة تبقى رمزا كبيرا في تاريخ البشرية.

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة