رائعة الأطلال والحب الأول الذي لا يفارق القلب

الحب الأول هو النور الذي يأتي على القلب فيمنحه الضياء بعد ظلمته، ويهب للروح جمالًا وخفة ويجعل المرء يشعر بالكمال

هو أول بذرة تنبت في قفار القلب الصحراوية فتحوله إلى لوحة خضراء وبستان عامر

تظل تلك النبتة المتفردة في القلب مدى الحياة ولا تفارقه مطلقًا سواء أزهرت وأينعت ثمارها أو توقفت عن النمو لسبب ما.

باختصار فإن الحب الأول يهب السعادة والشقاء للقلب في آن واحد، إذ عادة ما يخترق الحب الأول جنبات القلب وهو بعد في بداية مرحلة الصبا وتواجهه العقبات والمحن.

اقرأ أيضًا ما أسباب تقلب المشاعر في الحب؟

نهاية الحب الأول ومصير جذوره الثابتة

غالبًا ما ينتهي الحب الأول ظاهريًّا وتتفكك أواصره، لكن تبقى جذوره العميقة في القلب لأنها تتغلغل في ثناياه ويأبى القلب أن يدعها تخرج، فيحتفظ بكل تفاصيل ذلك الحب في الوجدان

وتظل ذكراه تعصف بالمرء في خلواته فتارة تهبه البسمة وتارة أخرى تمنحه الشقاء، فما بالكم إذا كان من اكتوى بنار عدم اكتمال الحب الأول شاعرًا مرهف الحس حالمًا يعشق الرومانسية، بلا ريب سيعبر عن هذا الحب بكلمات تُحفر في قلوب الجميع إذا خرجت للنور.

وهذا فعلًا ما حصل في القصيدة الخالدة الأطلال التي كتبها الشاعر إبراهيم ناجي وتغنت بها كوكب الشرق أم كلثوم.

اقرأ أيضًا الحب الصادق.. تعرف على شعراء الحب وكتاب طوق الحمامة

أم كلثوم ورائعة ناجي الأطلال

المهتمون بالفن والغناء والمتتبعون بعين الفحص لما قدمته كوكب الشرق أم كلثوم، يعدون الأطلال أروع وأصدق ما تغنت به.

على الرغم من أن أم كلثوم رفضت في حياة ناجي أن تتغنى بقصائده وعدتها صعبة لا يمكن غناؤها، فإنها تراجعت عن موقفها وتغنت بها لكن كان ذلك بعد رحيل ناجي بـ13 سنة، و بعد أن أجرى الشاعر أحمد رامي صديق ناجي المُقرب تعديلًا طفيفًا على مطلعها فجعله «يا فؤادي لا تسل أين الهوى»، بعد أن كان «يا فؤادي رحم الله الهوى».

ثم ضم إليها 7 أبيات من قصيدة ناجي (الدموع) بداية من (هل رأى الحب سكارى مثلنا) حتى (وإذا الأحباب كل في طريق)، فأصبح عدد أبيات القصيدة 125 بيتًا و250 شطرًا.

لتكتمل ملحمة الأطلال وتخرج للنور بالصورة الحالية التي استقرت في وجدان الجميع ربما لصدقها الشديد، وربما لأنها لامست قصص الحب الأولى التي اكتوى بنارها عدد ليس بالقليل، فظلت خالدة على مر الزمان وشاهدًا على مشاعر بريئة في قلب أبيض لا يزال يتعلم المعاني الأولى للحب.

فالأطلال مشاعر صادقة من نور، وكُتبت بقلم من نور، بمداد من الأسى، على صفحة من نور، لتعبر عن قصة حب الشاعر الأولى.

اقرأ أيضًا الحب بين رحيق الزهور.. معلومات لا تفوتك

الحب الأول في حياة الشاعر الحالم إبراهيم ناجي 

يتسلل الحب الأول إلى القلب كبدر مُنير لكنه ينتهي بكسوف تام للروح عندما تواجهه المحن، لكن على أي حال يبقى منيرًا في بستان القلب وإن خنقته سحب الزمان

 هذا ما حدث للشاعر إبراهيم ناجي الذي هام عشقًا بابنة الجيران الجميلة الرقيقة، إلا أن أُسرته أصرت على سفره إلى فرنسا ليدرس الطب.

هناك لم ينسَ قط حبيبته وظلت نار الشوق والبعد تُؤرِّق مضجعه، لكن تلك النار المؤلمة كانت حافزًا له ليكمل دراسة الطب.

اجتهد ناجي في الدراسة لكي يعود سريعًا إلى أرض الوطن، على أمل أن يتجدد الوصل ويرتوي الفؤاد وتكتحل العين برؤية قُرتِها، لكن حدثت الفاجعة والطامة التي كسرت قلب ناجي، إذ وجد أن حبيبته قد تزوجت بآخر وسافرت.

فما كان من ناجي إلا أن كتم نار شوقه في قلبه وحاول جاهدًا أن ينسى هذا الحب ويكمل مسيرته طبيبًا وشاعرًا وكاتبًا شهيرًا، لكن ما برح هذا الحب قلب ناجي ولم يتزحزح أو يقل مقدار أنملة.

اقرأ أيضًا أنواع الحب المختلفة.. تعرف عليها الآن

القدر يجدد فتح الجرح مرة أخرى

شغل ناجي نفسه بمسيرته المهنية خاصة بعد أن ذاع صيته في الطب والشعر، وأصبح يكتب المقالات في مجلات متعددة وتزوج وأنجب أطفالًا وحاول بكل طاقته أن ينسى حبيبة الصبا.

لكن القدر غافله بطعنة جديدة أعادت فتح جرحه القديم فنزف مرة أخرى لكن النزف هذه المرة استخدمه القلم مدادًا له فخرجت رائعة الأطلال.

اقرأ أيضًا "لماذا نحب" فصل في خوارزمية الحب

رائعة الأطلال وحادث مفاجئ

في إحدى الليالي سمع ناجي طرقا شديدًا على باب منزله، فقام من سريره ليتبين الطارق الذي لا يهدأ، وعندما فتح وجد أمامه رجلًا في الأربعين من عمره في حالة فزع وارتباك شديد، ويريد طبيبًا على الفور لمساعدة زوجته التي كانت في حالة ولادة متعسرة وتعاني آلام المخاض.

ما كان من ناجي مرهف الحس الذي راعه فزع الرجل سوى أن يهب لإنقاذ تلك التي تصارع الموت.

أخذ ناجي حقيبته وذهب مع الرجل إلى بيته، حيث كانت الزوجة في وضع صعب للغاية، وكانت مغطاة الوجه ولاحظ ناجي أنها تعاني ضيقًا في التنفس فطلب من أهلها أن يكشفوا عن وجهها حتى تستطيع أن تتنفس، وقتها كانت صدمة ناجي، إذ اكتشف أنها بذاتها حبيبة الصبا.

انهمرت الدموعفي غزارة من عيون ناجي وظن المحيطون أنها دموع الشفقة على حال المريضة، ولم يعلم أحد ماهية تلك الدموع التي غزت قلب ناجي قبل عينيه في تلك الليلة، أتُرى هي دموع الفرحة يا ناجي للقاء حبيبتك؟ أم دموع الشوق الذي لم ينطفئ يومًا؟ أم دموع الحسرة والأسى وخيبة الأمل على قلبك وحبك الذي لم يكتمل؟

ساعدها ناجي في محنتها وتمت الولادة وخرج جنينها للنور في أتم صحة وعافية، ولم يغادر ناجي بيتها إلا بعد أن اطمأن على صحتها وصحة مولودها.

اقرأ أيضًا تأملات في موضوع الحب

رائعة الأطلال وعودة ناجي لبيته

عندما عاد لبيته كان في حالة يرثى لها وجلس في مكتبه يحاول أن يستوعب تلك المصادفة العجيبة، وكتب قصيدة الأطلال بعد هذه الحادثة الفريدة.

تُرى كيف بت ليلتك؟ وكيف مضت عليك الأيام بعدها؟ وكيف تعاقبت؟ هل نجحت في تخطي ما حدث في تلك الليلة؟ أم ظلت أحداثها عالقة بوجدانك إلى أن فارقت الحياة؟

يتبين بعد كل هذا أن قصائد الحب لا تكتب بتلك الأريحية التي قد يظنها بعض الناس، فوراء كل قصيدة قصة وموقف قد يكون تارة داعمًا ومحفزًا للمشاعر حتى تفيض وتنساب عبر السطور في سعادة بالغة وإحساس مرهف بديع، وتارة أخرى يكون مرافقًا لحسرة وجرح غائر ولحن شجي لقلب يتجرع مرارة الحزن والألم.

وهكذا انتهت قصة حب ناجي الأولى إلى الأبد ولم يبقَ سوى الأطلال، لتبكيها روح ناجي القلقة وقلبه ذو الحظ العاثر.

اقرأ أيضًا أجمل كلام الحب والعشق والغزل

جزء من قصيدة الأطلال لناجي

يا فؤادي، رحم الله الهوى

كان صرحًا من خيال فهوى

اسقني واشرب على أطلاله

واروِ عني طالما الدمع روى

كيف ذاك الحب أمسى خبرًا

وحديثًا من أحاديث الجوى

وبساطًا من ندامى حلم

هم تواروا أبدًا وهْو انطوى

 

دمتم بكل ود

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة