ناي حزين يُعزف في الظلام الدامس، نغمة تصدر عنه، وتتوه وسط أمواج الليل الصاخب، حكاية تُتلى للمرة الأولى على مسامع البشر، صوت يشق الليل شقًّا، يوقظ الجميع الذين باتوا نيامًّا من الليلة الماضية.
جاء بهيئة جميلة، يحمل شعاع النور، يبشر بولادة طيف جديد، ينشر أفراحًا، جاء ليل ما كساه الظلام، وما ألبسه الظل، جاء ليفرش السعادة تحت أقدامهم، وليرسم البسمة على الثغور.
نظر إليهم في وهج، تلعثموا جميعًا، وتساقطوا على الأرض كتساقط حبات المطر في ليلة شتوية، أُفزعوا، ورُوّعوا من هول المنظر، لكن كيف؟ أيضيء مصباح في الليل القاتم أم هذا إعلان عن ولادة مصباح من مصابيح الحياة الجديدة.
صرخ في وجههم، وقال: إن رئيسًا قد جاء اليوم إلى تلك المدينة الخائرة.
- قالوا: رئيسًا!!!
وهم يستنكرون كلمته، تهامس بعضهم، وأشار بعض آخر، لكنه كان قد مضى، وذهب بعيدًا عن أعينهم.
تساءلوا فيما بينهم: أنحن في حلمٍ أم ما عسى أن يكون هذا؟
قال كبيرهم: كأنه حلم جماعي، لا ترتابوا، واذهبوا جميعًا إلى النوم، عسى أن ننجو في هذه الليلة العكرة، الفجر قد لاح، قد يفرد خيوطه على المدينة ونحن مستيقظون، فلننم أيها الرجال، ولنسترح من هذا الكابوس القابع في أذهاننا، قريتنا هذه مملة، ليس بها أي نوع من التسلية والترفيه.
وفعلًا ذهبوا إلى النعاس، لكن كبيرهم لم ينم تلك الليلة، بدأ يفكر ويتلهف لرؤية هذا المولود الرئيس الذي قيل لهم عنه، لكن كيف نذهب إليه؟ كيف نبرح مكاننا هذا؟ والبقية كيف يذهبون؟ وهم غير عابئين بهذه الرؤية، إنها ليست حلمًا أبدًا، بل إعلان عن ميلاد نهار أبيض من قلب الليل والسواد، بزوغ فجر جديد في ليل العتمة.
ومع ظهور النجم تيقظوا جميعًا، قال كبيرهم:
- إن الحياة وهبتنا حياة ونورًا جديدين الليلة الماضية، إن الظلام لم يعد يستولي على مدننا الكبيرة، ولا مدننا الصغيرة، القادم كله نور في نور، إن ليل العتمة قد ولّى، والآن لدينا رئيس غير الرؤساء الذين جاؤوا قبله، لا بد لنا أن نراه ونلمسه وإن كان طفلًا، لعله يتذكرنا عندما يكبر ويتولى الرئاسة، بل دعوه يرأس الآن المدن الصغيرة التي تحويها صدورنا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.