إن تاريخنا ليذخر بمواقف كثيرة بعضها يستحق الفخر والثناء وبعضها لا ينظر إليه إلا نظرة عابرة ومن تلك المواقف التي حدثت ومازال يضرب بها الأمثال حتى اليوم ولا تستحق إلا نظرة عابر ذلك المشهد لدخول المعز لدين الله الفاطمي مصر، فحين دخل المعز لدين الله الفاطمي مصر ذهب لاستقباله الأعيان ونقيب الأشراف وكان ذلك سنة362 هجرية سألوه عن حسبه ونسبه لشكهم في نسبه إلى البيت النبوي فنثر عليهم الدنانير الذهبية وقال هذا حسبي واخرج سيفه من غمده وقال هذا نسبي، فصارت هذه الكلمة مثلا متوارثا، أي أنه يستعمل الترغيب والترهيب في حكمه وهي نفس مقولة العصا والجزرة التي تستخدم في وقتنا المعاصر، وقد نجح جوهر الصقلي قائد المعز لدين الله الفاطمي بالقضاء على الدولة الإخشيدية بعد عدة مرات من الفشل وهنا ظهر استخدام السيف من جانب الصقلي، وقد بنى الصقلي مدينة القاهرة فأصبحت عاصمة الخلافة الفاطمية وأنشأ جامع الأزهر ليكون جامع وجامعة.
ولقد نجح المعز لدين الله الفاطمي بالذهب والسيف من توطيد حكمه فغمر رعاياه في كل مناسبة بالعطاء وخصوصا أيام الأعياد عيد الفطر وعيد الأضحى ففي عيد الفطر توزع كسوة العيد والعطايا على الفقهاء وقراء القرآن وعندما يذهب الناس إلى قصر الخليفة صباح يوم العيد للتهنئة كان الخليفة ينثر عليهم الدنانير الذهبية.
إن ما فعله المعز لدين الله الفاطمي يسمونه اليوم انتهازية سياسية باستخدام المال السياسي لاستمالة الأنصار واستخدام السيف لترهيب المعارضين يسمونه ديكتاتورية فردية، لذلك لم تستمر الدولة الفاطمية كثيرا في مصر فمكثت مائتا عام وتركت خلفها بعض العادات التي مازالت متوارثة حتى الآن من ربط الأعياد بالطعام وكذلك العيدية التي تعطى كل عيد سواء من جانب الحكومة لموظفيها أو من العامة لمن يعولون، والسؤال هنا من يأتي المعز بهذا الذهب كله؟ والجواب هنا أن الدولة الفاطمية سيطرت على طرق تجارة الذهب مع غرب أفريقيا التي عرفت بالتجارة الصامتة التي تقوم على المقايضة حيث يقوم تجار المسلمين الذين يذهبون إلى غانا عند بداية الصحراء الكبرى حيث يضعون بضائعهم من أقمشة وزجاج وملح في مكان معلوم ثم يعودوا إلى ذات المكان في اليوم التالي فيجدون كومة من تبر الذهب وضعها سكان تلك المنطقة، وكذلك استولى المعز واتباعه على ذهب المناجم المصرية فضلا عن ذهب المقابر الفرعونية من خلال من يسمون في تلك الفترة بأهل المطالب تشرف الدولة الفاطمية على أعمالهم في استكشاف المقابر الفرعونية.
وقيل لتوطيد أي حكم من لم يرض بذهب المعز فسيفه مسلول، أن مبدأ الاختيار بين أمرين مبدأ مرفوض لأنه يضع الذي يختار أمام الأمر الواقع فالإنسان الحر لا يريد ذهب المعز ولا سيفه لأن الواقع هو ما يسعى إلى تبديله الافراد المنصفون الذين يرون أن ذهب المعز وسيفه لا قيمة لهم بجانب الحرية في الاختيار.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.