عام 1798، غزا نابليون بونابرت مصر، وإزاء المقاومة المصرية والمضايقات الإنجليزية، ترك نابليون مصر وعهد بقيادة الحملة الى نائبه كليبر الذي اغتاله شاب سوري هو سليمان الحلبي.
لقد قال التاريخ كلمات قليلة مقتضبة عن سليمان الحلبي ثم صمت. كان سليمان فتى في الرابعة والثلاثين من عمره، قضى منها في رحاب الأزهر ثلاث سنوات ثم رحل الى حلب موطنه في ربى الشام، ولكنه بعد شهر واحد عاد مرة أخرى الى مصر. عاد ليرتكب عملا كبيرا من أعمال الحماقة أو البطولة أو الجنون..، هذا لا يهم.. فالتاريخ يحكي حكايته فحسب، المهم ان يد الازهري الشاب قد أغمدت الخنجر في صدر واحد من اعتى جنرالات فرنسا، " كليبر "، قائد جيش الشرق، وساري عسكر الفرنسين.
من تراه ذلك الحلبي الغريب؟
أهو عميل تركي اكتراه والي العثمانيين ودفع به ليقتل القائد الفرنسي كما تقول احدى الروايات؟
هل هو ارهابي، مغامر فردي، يبحث عن تحقيق ذاته بفعل مجاني؟
أم هو عقائدي يؤمن بالعروبة أو بالاسلام يأتي الى القاهرة المحترقة، بعد ثورتها الثانية، ليقتص ممن حفروا في جسدها ينابيع الدم، وفتحوا على أهلها طوفان النار؟
اسئلة لم يتمهل التاريخ كثيرا أمامها، بل قال كلمته الموجزة وانصرف، وترك للمؤرخين و المفسرين من بعده، أن يفكوا طلاسمها ويجلوا ظلماتها. بيد أن فنانا يقبل ذات لحظة ويتأملها في دهشة. يجذبه غموضها ويبدهه سرها. وما يلبث حدسه أن يضيء في باطنه، فيتناول في يده قبضة من طمى التاريخ، ويشكلها باصابعه، وينفخ فيها من روحه، ثم يدفع بها الى خشبة المسرح..، والى رحاب الحياة. كانت المدينة كلها منطوية على نفسها تضم اشلاءها، وتضمد جراحها بعد ثورتها الثانية، ولكن سؤالا ممضا كان يدمدم تحت ماذن الازهر الساحقة، حيث كانت حجرات الثورة تحتفظ على الدوام بلهيبها. ما العمل ؟
قال المجاهدون في أروقة الازهر: "ستكون أسلحتنا من الان بث الروح في الناس، وغنقاذ المنكوبين وتحطيم روح الفرنسين بالمنشورات، وحماية مولانا السادات بقدر ما نطيق ونصبر حتى نجمع أطراف المجاهدين من جديد ونلتقي بزعمائنا…
أما هو ذلك الفتى الغامض القادم الى الرواق بعد غيبة فقد فتح طاقة في نفسه اطل منها سره. قال لرفاقه : سأقتل ساري عسكر الفرنسين جنرال كليبر" !.
وتصدعت الدائرة الواحدة وانقسمت الى شطرين. المجاهدون في طرف. وسليمان الحلبي في طرف اخر. العمل الجماعي البطيء والدءوب والصابر في جانب، والعمل الفردي الحاد القلق الخاطف في الجانب الاخر.
من هذه اللحظة حمل سليمان الحلبي التزامه الفردي على كاهله وبدأ رحلة عذابه.
السلام أم العدل؟
العدل أم الحياة؟
الحياة أم الشرف؟
الشرف أم الثمن؟
الرحمة !.
فإني مع ذلك غير متاكد. اين اليقين؟
ولكنه انطلق لا يلوي على شيء، وبدا اشبه بجمرة تتقاذفها الريح في طرقات المدينة المحترقة.
طريدا وقلقا وشاكا، وجائزته الصحيحة كما قال… هي المعرفة الكاملة
وخلف جدران قلعة مهجورة، قديمة، ومواكب كليبر تمر من امامه، استطاع سليمان الحلبي بعد أن تفكر وتطهر بالعقل أن يبلغ شفافية اليقين، أن يعلن التزامه الفردي، ومسئوليته الذاتية : "على انا وحدي سليمان الحلبي، تبعة فرز الحقيقي من الزائف، والعمل أو الكف عن العمل"؟
ثم هبط من قلعته، من سماء الفكر النظري والأمل المجرد، الى حديقة قصر كليبر كي يرتكب فعلته ويعانق في النهاية مصيره !.
هل كان سليمان الحلبي "هاملتيا"؟
قال كثير من الكتاب والنقاد. اجل.
هناك بالتأكيد لحظات هاملتية طبعت سلوكه في بعض جوانبه. ولكنها تقف عند هذه الحدود ولا تتعداها وهي لحظات لا تصيب سليمان الحلبي فحسب، هي تصيب كل بطل يقدم على عمل كبير يترتب عليه تغيير في مجرى المصائر البشرية، على أن هاملت وسليمان الحلبي يمضيان بعد ذلك كل في طريق. فاهدافهما مختلفة وجوهرهما متباين.
كان هاملت يبحث عن الانتقام، اما سليمان الحلبي فلم يكن الانتقام غايته..
عم كان يبحث اذن؟
عن المعرفة؟
ولكن المعرفة لذات المعرفة لم تكن ايضا نهايته.
المعرفة عنده كانت وسيلة ولم تكن قمة طريقه الصاعد الجاهز
كان الحلبي يفتش عن شيء أعلى وابعد.
كان يريد أن يستحوذ على الحرية.
ومن ثم تقدم كي يصفها كي يحققها وويحقق من خلالها ذاته والتزامه الفردي.
كان بطلا حرا.
متمردا شجاعا متوحدا، واعيا بأنه يدخل في صراع مع واقع ساحق لا معقول ولا مبرر، لكنه على يقين من انه يحقق في التصدى له" الضرورة العقلية المحضة"، يبرر في تحديه معنى وجوده، ومغزى حريته، وتبعة اختياره.
الحلبي و " اوروست" بطل "الذباب ربما جاز لنا ان نعقد مقارنة بين الحلبي وبين بطل اخر من ابطال التراث المسرحي، هو " اوروست" بطل "الذباب" الذي ابدعه جان بول سارتر، لقد هبط اوروست الى مدينة "ارجوس" كما هبط الحلبي القاهرة رجلا بلا ماض تقريبا، وكان على رأس "ارجوس" ملك طاغية اسمه"ايجست" اغتصب ملكها واذاق أهلها عذاب الندم.
ورغم النصح الذي بذل له كي يغادر المدينة ويمضي في طريقه فان "اوروست" وقف امام "ايجست" وجها لوجه وارتكب جريمة قتل على كاهله وحده حمل تبعتها.
كان ايجست رمزا اصطنعه سارتر للنازية التى اجتاحت فرنسا اثناء الحرب العالمية الثانية و وكان اوروست رمزا للمقاومة الفرنسية ضدها وكان كليبر ممثلا للحملة الفرنسية الغازية وكان سليمان الحلبي صورة من صور المقاومة ازاءها.
وكان اوروست بطلا وحيدا مريرا فريسة للحيرة والقلق والياس احيانا.. وهي عواطف وانفعالات اصابت سليمان الحلبي في بعض لحظاته.
وكان اوروست هاملتيا في بعض مواقفه كما كان هاملت نفسه اوروستيا عند بعض المفسرين الذين لاحظوا عند شكسبير تأثرا بالاسطورة القديمة. ومع ذلك فرغم تلك الاقنعة العديدة التى ارتادها، لم يكن في نهاية الأمر الا سليمان الحلبي.
ما الذي تبقى من سليمان الحلبي الشخصية التاريخية التى عاشت في الواقع ابان القرن التاسع عشر؟..
رأس محنط مقدد في المتحف الجنائي بباريس، ولافتة تقول"راس قاتل. الاسم : سليمان الحلبي".
بقلم د. عبد العظيم محمود حنفي باحث أكاديمي مصري
مقتل الجنرال كليبر، لوحة زيتية للبارون غروس، من مقتنيات متحف مدينة ستراسبورغ التاريخي
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.